لاغير، فإذا أمر بالعمل على قول الثقة، فقد أمر بإتيان المأموربه بالكيفيّة التي أدّت إليها الأمارة، فلا محالة يكون المأتيّ به مصداقاً للمأمور به عنده، وإلّا لما أمر بإتيانه كذلك، فلا محيص عن الإجزاء؛ لتحقّق مصداق المأموربه، وسقوط الأمر.
ولكنّك خبير:بأنّ إمضاء طريقة العقلاء، ليس إلّالأجل تحصيل الواقعيّات؛ لمطابقة الأمارات العقلائيّة نوعاً للواقع، وضعف احتمال تخلّفها عنه، وفي مثل ذلك لاوجه لسقوط الأمر إذا تخلّف عن الواقع، كما أنّ الأمر كذلك عند العقلاء، والفرض أنّ الشارع لم يأمر تأسيساً.
بل وكذا الحال لو أمر الشارع بأمارة تأسيساً، وكان لسان الدليل هو التحفّظ على الواقع، فإنّ العرف لا يفهم منه إلّاتحصيل الواقع، لاتبديله بمؤدّى الأمارة.
وأنت إذا راجعت الأدلّة المستدلّ بها على حجّية خبر الثقة، لرأيت أنّ مفادها ليس إلّاإيجاب العمل به؛ لأجل الوصول إلى الواقعيّات، كالآيات على فرض دلالتها، وكالروايات، فإنّها تنادي بأعلى صوتها بأنّ إيجاب العمل على قول الثقة، إنّما هو لكونه ثقة وغير كاذب، وأنّه موصل إلى الواقع، وفي مثله لايفهم العرف، أنّ الشارع يتصرّف في الواقعيّات على نحو أداء الأمارة.
هذا مع أنّ احتمال التأسيس في باب الأمارات العقلائيّة، مجرّد فرض، وإلّا فالناظر فيها يقطع بأنّ الشارع لم يكن في مقام تأسيس وتحكيم، بل في مقام إرشاد وإمضاء ما لدى العقلاء، والضرورة قاضية بأنّ العقلاء لايعملون على طبقها
إلّا لتحصيل الواقع، وحديث تبديل الواقع بما يكون مؤدّى الأمارة[1]، ممّا لا أصل له في طريقتهم، فالقول بالإجزاء فيها ضعيف غايته.
وأضعف منه التفصيل بين تبدّل الاجتهاد الأوّل بالقطع فلايجزي، وبين تبدلّه باجتهاد آخر فيجزي، بدعوى عدم الفرق بين الاجتهادين الظنّيين، وعدم ترجيح الثاني حتّى يبطل الأوّل[2].
وذلك لأنّ تبدّل الاجتهاد لايمكن إلّامع اضمحلال الاجتهاد الأوّل؛ بالعثور على دليل أقوى، أو بالتخطئة للاجتهاد الأوّل، ومعه لاوجه لاعتباره، فضلًا عن مصادمته للثاني، هذا حال الفتوى المستندة إلى الأمارات.
حال الفتوى المستندة إلى الاصول
وأمّا إذا استندت إلى الاصول، كأصالتي الطهارة والحلّية في الشبهات الحكميّة، وكالاستصحاب فيها، وكحديث الرفع[3]، فالظاهر هو الإجزاء مع اضمحلال الاجتهاد:
أمّا في أصالتي الطهارة والحلّ؛ فلأنّ الظاهر من دليلهما، هو جعل الوظيفة الظاهريّة لدى الشكّ في الواقع؛ فإنّ معنى قوله:
(كلّ شيء نظيف حتّى تعلم أنّه
[1]راجع فرائد الاصول: 27 سطر 10.
[2]حاشية السيّد على المكاسب: 93 سطر 2.
[3]التوحيد 353/ 24، الخصال: 417/ 9، وسائل الشيعة 11: 295، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس وما يناسبه، الباب 56، الحديث 1.
قذر)[1]
، و
(كلّ شيء ... حلال حتّى تعرف أنّه حرام بعينه ...)[2]
، ليس أنّه طاهر وحلال واقعاً، حتّى تكون النجاسة والحرمة متقيّدتين بحال العلم بهما؛ ضرورة أنّه التصويب الباطل، ولامعنى لجعل المحرزيّة والكاشفيّة للشكّ مع كونه خلاف أدلّتهما، ولا لجعلهما لأجل التحفّظ على الواقع.
بل الظاهر من أدلّتهما، هو جعل الطهارة والحلّية الظاهريّتين، ولامعنى لهما إلّا تجويز ترتيب آثار الطهارة والحلّية على المشكوك فيه، ومعنى تجويز ترتيب الآثار، تجويز إتيان ما اشترطت فيه الطهارة والحليّة مع المشكوك فيه، فيصير المأتيّ به معهما مصداق المأموربه تعبّداً، فيسقط أمره.
فإذا دلّ الدليل على لزوم إتيان الصلاة مع طهارة الثوب، ثمّ شكّ في طهارة ثوبه، دلّ قوله:
(كلّ شيء طاهر)
- الذي يرجع إلى جواز ترتيب الطهارة على الثوب المشكوك فيه- على جواز إتيان الصلاة معه، وتحقّق مصداق الصلاة به، فإذا تبدّل شكّه بالعلم، لايكون من قبيل كشف الخلاف، كما ذكرنا في الأمارات؛ لأنّها كواشف عن الواقع، فلها واقع تطابقه أو لا تطابقه، بخلاف مؤدّى الأصلين، فإنّ مفاد أدلّتهما ترتيب آثار الطهارة أو الحلّية بلسان جعلهما، فتبديل الشكّ بالعلم من قبيل تبديل الموضوع، لا التخلّف عن الواقع، فأدلّتهما حاكمة على أدلّة
[1]تهذيب الأحكام 1: 284/ 832، وسائل الشيعة 2: 1054، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 37، الحديث 4.
[2]الكافي 5: 313/ 40، تهذيب الأحكام 7: 226/ 989، وسائل الشيعة 12: 60، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 4، الحديث 4 وفيه: «تعلم» بدل «تعرف».
جعل الشروط والموانع في المركّبات المأمور بها.
وبالجملة:إذا أمر المولى بإتيان الصلاة مع الطهارة، وأجاز الإتيان بها في ظرف الشكّ مع الثوب المشكوك فيه بلسان جعل الطهارة، وأجاز ترتيب آثار الطهارة الواقعيّة عليه، ينتج جواز إتيان الصلاة المأمور بها مع الطهارة الظاهريّة، ومعاملة المكلّف معها معاملة الطهارة الواقعيّة، فيفهم العرف من ذلك حصول مصداق المأموربه معها، فيسقط الأمر، وبعد العلم بالنجاسة لايكون من قبيل كشف الخلاف، كما في الأمارات الكاشفة عن الواقع.
ولايبعد أن يكون الأمر كذلك في الاستصحاب؛ فإنّ الكبرى المجعولة فيه وهي قوله:
(لاينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ أبداً)[1]
ليس مفادها جعل اليقين أمارة بالنسبة إلى زمان الشكّ؛ ضرورة عدم كاشفيّته بالنسبة إليه عقلًا؛ لامتناع كونه طريقاً إلى غير متعلّقه، ولا معنى لجعله طريقاً إلى غيره، فلا يكون الاستصحاب من الأمارات.
بل ولا يكون جعله للتحفّظ على الواقع، كإيجاب الاحتياط في الشبهة البدويّة في الأعراض والدماء، فإنّه أيضاً خلاف مفادها، وإن احتملناه بل رجّحناه سابقاً[2]
[1]تهذيب الأحكام 1: 8/ 11، وسائل الشيعة 1: 174، كتاب الطهارة، أبواب نواقض الوضوء، الباب 1، الحديث 1.
[2]أنوار الهداية 2: 181.
بل الظاهر منها:أنّه لا ينبغي للشاكّ الذي كان على يقين، رفع اليد عن آثاره، فيجب عليه ترتيب آثاره، فيرجع إلى وجوب معاملة بقاء اليقين الطريقيّ معه في زمان الشكّ، وهو مساوق عرفاً لتجويز إتيان المأموربه- المشروط بالطهارة الواقعيّة مثلًا- مع الطهارة المستصحبة، ولا زم ذلك صيرورة المأتيّ به معها مصداقاً للمأمور به، فيسقط الأمر المتعلّق به.
وبالجملة:يكون حاله في هذا الأثر كحال أصالتي الطهارة والحلّ؛ من حيث كونهما أصلين عمليّين، ووظيفةً في زمان الشكّ، لا أمارة على الواقع، ولا أصلًا للتحفّظ عليه، حتّى يأتي فيه كشف الخلاف.
ويدلّ على ذلك صحيحة زرارة الثانية، حيث حكم فيها بغسل الثوب، وعدم إعادة الصلاة معلّلًا: ب
(أنّه كان على يقين من طهارته فشكّ، وليس ينبغي له أن ينقض اليقين بالشكّ)[1].
وكذا الحال فيما إذا كان المستند حديث الرفع، فإنّ قوله:
(رفع ... ما لايعلمون)
- بناء على شموله للشبهات الحكميّة والموضوعيّة[2]- لسانه رفع الحكم والموضوع باعتبار الحكم.
لكن لابدّ من رفع اليد عن هذا الظاهر حتّى بالنسبة إلى الشبهات
[1]علل الشرائع: 361/ 1، تهذيب الأحكام 1: 421/ 1335، الاستبصار 1: 183/ 641، وسائل الشيعة 2: 1053، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 37، الحديث 1.
[2]راجع أنوار الهداية 2: 33- 39.
الموضوعيّة؛ لأنّ لازمه طهارة ما شكّ في نجاسته موضوعاً واقعاً، ولا يمكن الالتزام بطهارة ملاقيه في زمان الشكّ بعد كشف الخلاف، فلابدّ من الحمل على البناء العمليّ على الرفع، وترتيب آثار الرفع الواقعي.
فإذا شكّ في جزئيّة شيء في الصلاة، أو شرطيّته لها، أو مانعيّته، فحديث الرفع يدلّ على رفع الجزئيّة والشرطيّة والمانعيّة، فحيث لا يمكن الالتزام بالرفع الحقيقي، لا مانع من الالتزام بالرفع الظاهريّ، نظير الوضع الظاهري في أصالتي الطهارة والحليّة، فيرجع إلى معاملة الرفع في الظاهر، وجواز إتيان المأموربه كذلك، وصيرورة المأتيّ به مصداقاً للمأمور به؛ بواسطة حكومة دليل الرفع على أدلّة الأحكام.
فتحصّل من جميع ما ذكرنا:أنّ التحقيق هو التفصيل بين الأمارات والاصول، كما عليه المحقّق الخراسانيّ رحمه الله[1]
[1]كفاية الاصول: 110- 111.
والمحقّق الخراساني: هو العلّامة المحقّق الشهير، والاصوليّ المدقّق النحرير، آية اللَّه العظمى الآخوند؛ محمّد كاظم بن حسين الهرويّ الخراساني النجفي. ولد بطوس، وفيها قرأ مقدّماته العلميّة حتّى بلغ الثالثة والعشرين، ثمّ أقام في طهران ستّة أشهر، درس في أثنائها بعض العلوم الفلسفيّة، ثمّ قصد العراق، فحضر عند الشيخ الأعظم فقهاً واصولًا أكثر من سنتين، وبعد وفاته لازم المجدّد الشيرازي، كما أخذ في الفقه أيضاً عن الشيخ راضي ابن الشيخ محمّد، وحينما خرج المجدّد وأكثر تلامذته إلى سامرّاء لم يخرج الآخوند معهم، وبقي في النجف، واستقلّ بالتدريس في الفقه والاصول، الذي كان له قدس سره مسلك خاصّ بتدريسه، وتخرّج عليه عدد كبير لا يحصى من العلماء والمحقّقين والمجتهدين، ولما احتلّ الروس بلاد إيران، تهيأ مع جماعة من العلماء للخروج وإعلان الجهاد، فاغتالته يد المنيّة في فجر نفس اليوم الّذي عزم فيه على السفر، عام 1329 ه. له مؤلّفات عديدة، منها الكفاية، والشذرات، وشرح التبصرة، وحاشية على المكاسب وتعاليق على شرح المنظومة والأسفار والحاشية على المكاسب.
انظر أعيان الشيعة 9: 5- 6، ومعارف الرجال 2: 323- 325.
هذا كلّه بحسب مقام الإثبات وظهور الأدلّة، وأمّا بحسب مقام الثبوت، فلابدّ من توجيهه بوجه لا يرجع إلى التصويب الباطل[1].
في الإشارة إلى الخلط الواقع من بعض الأعاظم في المقام
ثمّ إنّه ظهر ممّا ذكرنا: أنّ القائل بالإجزاء، لا يلتزم بالتصرّف في أحكام المحرّمات والنجاسات، ولا يقول: بحكومة أدلّة الاصول على أدلّة الأحكام الواقعيّة التي هي في طولها، وليس محطّ البحث في باب الإجزاء بأدلّة اصول الطهارة والحلّية والاستصحاب، هو التضييق أو التوسعة في أدلّة النجاسات والمحرّمات، حتّى يقال: إنّ الأمارات والاصول وقعت في رتبة إحراز الأحكام الواقعيّة، والحكومة فيها غير الحكومة بين الأدلّة الواقعيّة بعضها مع بعض، وإنّ لازم ذلك هو الحكم بطهارة ملاقي النجس الواقعيّ إذا لاقى في زمان الشكّ ...
وغير ذلك ممّا وقع من بعض الأعاظم على ما في تقريرات بحثه[2]
[1]راجع المستصفى 2: 307- 309 و 380- 392، فرائد الاصول: 25- 26.
[2]فوائد الاصول 1: 249- 251.
والمراد ببعض الأعاظم: هو شيخ الإسلام المحقّق والعلّامة الاصولي الفقيه؛ الميرزا محمّد حسين بن عبد الرحيم النائينيّ الأصفهانيّ النجفيّ. ولد بنائين في حدود سنة 1273 ه. وفيها تلقّى مبادئ العلوم، ثمّ هاجر إلى أصفهان، فحضر عند الشيخ محمّد باقر الأصفهانيّ، والميرزا أبي المعالي وغيرهما. ثمّ قصد العراق، فحضر عند المجدّد الشيرازيّ، والسيّد الفشاركيّ، والميرزا النوريّ، وبعدها حضر المجلس الخاصّ الذي كان يعقده الآخوند الخراسانيّ في داره لأجل المذاكرة في مشكلات المسائل، وكان رحمه الله من أكبر الدعاة إلى السلطنة المشروطة في إيران. ابعد هو والسيّد أبو الحسن الأصفهانيّ من العراق إلى إيران، فبقيا بقم المشرّفة عاماً كاملًا، ثمّ عادا إلى العراق. توفي رحمه الله سنة 1355 ه. أشهر آثاره التي هي بخط تلامذته: فوائد الاصول، وأجود التقريرات، ومنية الطالب، وكتاب الصلاة.
انظر أعيان الشيعة 6: 54- 55، ومعارف الرجال 1: 284- 288.
بل محطّ البحث:هو أنّ أدلّة الاصول الثلاثة، هل تدّل- بحكومتها على أدلّة الأحكام- على تحقّق مصداق المأموربه تعبّداً، حتّى يقال بالإجزاء، أم لا؟
هذا مع بقاء النجاسات والمحرّمات على ما هي عليها، من غير تصرّف في أدلّتها.
فالشكّ في الطهارة والحلّية بحسب الشبهة الحكميّة، إنّما هو في طول جعل النجاسات والمحرّمات، لا في طول جعل الصلاة مشروطةً بطهارة ثوب المصلّي، وبكونه من المأكول، والخلط بين المقامين أوقعه فيما أوقعه، وفي كلامه محالّ أنظار تركناها مخافة التطويل.
تكليف المقلّد مع تبدّل رأي مجتهده
ثمّ إنّ هذا كلّه حال المجتهد بالنسبة إلى تكاليف نفسه، وأمّا تكليف مقلّديه،