في الاستدلال بمقبولة عمر بن حنظلة
وممّا يدلّ على أنّ القضاء بل مطلق الحكومة للفقيه، مقبولة عمر بن حنظلة[1]وهي لاشتهارها بين الأصحاب والتعويل عليها في مباحث القضاء[2]، مجبورة من حيث السند[3]، ولا إشكال في دلالتها، فإنّه بعدما شدّد أبو عبد اللَّه عليه السلام النكير على من رجع إلى السلطان والقضاة، وأنّ
(ما يؤخذ بحكمهم سحت ولو كان حقّاً ثابتاً)
قال قلت: فكيف يصنعان؟
قال:
(ينظران إلى من كان منكم ممّن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرآمنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً؛ فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً ...)
إلى آخره[4].
دلّت على أنّ الذي نصبه للحكومة هو الذي يكون منّا- فغيرنا ليس منصوباً
[1]عمر بن حنظلة: هو أبو صخر، عمر بن حنظلة الكوفيّ العجليّ البكريّ. صحب الصادقين عليهما السلام، وكان كثير الرواية، فقد روى عن الصادق عليه السلام وحُمران بن أعين، وروى عنه الأجلّاء من أمثال زرارة، وعبد اللَّه بن مسكان، وصفوان بن يحيى.
انظر رجال الشيخ: 131 و 251، ومعجم رجال الحديث 13: 27- 30.
[2]الكافي في الفقه، أبو الصلاح الحلّبي: 424- 425، مسالك الأفهام 2: 284 سطر 7 و 285 سطر 7، مجمع الفائدة والبرهان 12: 10، كفاية الأحكام، المحقّق السبزواريّ: 261 سطر 15.
[3]ووهن سندها من جهة ابن حنظلة؛ فإنّه لم يرد فيه توثيق يعتمد عليه.
[4]الكافي 1: 54/ 10، الفقيه 3: 5/ 2، تهذيب الأحكام 6: 301/ 845، الاحتجاج: 355، وسائل الشيعة 18: 98، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 1.
لها، ولايكون حكمه نافذاً ولو حكم بحكمهم- ويكون راوي الحديث، والناظر في حلالهم وحرامهم، والعارفَ بأحكامهم؛ وهو الفقيه، فإنّ غيره ليس ناظراً في الحلال والحرام، وليس عارفاً بالأحكام.
بل راوي الحديث في زمانهم كان فقيهاً؛ فإنّ الظاهر من قوله:
(ممّن روى حديثنا)
أي كان شغله ذلك؛ وهو الفقيه في تلك الأزمنة، فإنّ المتعارف فيها بيان الفتوى بنقل الرواية، كما يظهر للمتتبّع
( ما يمنعك من محمّد بن مسلم الثقفي؛ فإِنّه سمع من أبي، وكان عنده وجيهاً)[1]، فالعاميّ ومن ليست له ملكة الفقاهة والاجتهاد خارج عن مدلولها.
وإن شئت توضيحاً لذلك فاعلم:أنّه يمكن أن يستدلّ على الاختصاص بالمجتهد وخروج العامّي، بقوله:
(نظر في حلالنا وحرآمنا)
لا من مفهوم «النظر» الذي يدّعى أنّه بمعنى الاستنباط والدقّة في استخراج الأحكام[2]، وإن كان لا يخلو من وجه.
[1]وتدلّ عليه رواية عبد اللَّه بن أبي يعفور قال: قلت لأبى عبد اللَّه عليه السلام: إنّه ليس كلّ ساعة ألقاك، ولا يمكن القدوم، ويجيء الرجل من أصحابنا فيسألني، وليس عندي كلّ ما يسألني عنه، فقال:
(ما يمنعك من محمّد بن مسلم الثقفي؛ فإِنّه سمع من أبي، وكان عنده وجيهاً)
رجال الكشّي 1: 383، وسائل الشيعة 18: 105، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 23.
ورواية معاذ بن مسلم النحويّ، عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: (بلغني أنّك تقعد في الجامع فتفتي الناس) قلت: نعم ... ويجيء الرجل أعرفه بمودّتكم وحبّكم، فاخبره بما جاء عنكم ... فقال لي: (اصنع كذا، فإنّي كذا أصنع). رجال الكشّي 2: 524، وسائل الشيعة 18: 108، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 36.
[2]نهاية الدراية 6: 364- 365.
بل لقوله:
(حلالنا وحرآمنا)
فإنّ الحلال والحرام مع كونهما من اللَّه تعالى لا منهم، إنّما نسبا إليهم لكونهم مبيّنين لهما، وأنّهم محالّ أحكام اللَّه، فمعنى النظر في حرامهم وحلالهم، هو النظر في الفتاوى والأخبار الصادرة منهم، فجعل المنصب لمن نظر في الحلال والحرام الصادرين منهم؛ أي الناظر في أخبارهم وفتاويهم، وهو شأن الفقيه لا العامّي، لأنّه ناظر في فتوى الفقيه، لا في أخبار الأئمّة.
ودعوى إلغاء الخصوصيّة عرفاً، مجازفة محضة؛ لقوّة احتمال أن يكون للاجتهاد والنظر في أخبارهم مدخليّة في ذلك، بل لو ادّعى أحد القطع بأنّ منصب الحكومة والقضاء- بما لهما من الأهمّية، وبمناسبة الحكم والموضوع- إنّما جعل للفقيه لا العامّي، فليس بمجازف.
ويمكن الاستدلال بقوله:
(عرف أحكامنا)
من إضافة «الأحكام» إليهم كما مرّ بيانه، ومن مفهوم (عرف) فإنّ عرفان الشيء لغة[1]وعرفاً ليس مطلق العلم به، بل متضمّن لتشخيص خصوصيّات الشيء وتمييزه من بين مشتركاته، فكأنّه قال:
«إنّما جعل المنصب لمن كان مشخّصاً لأحكامنا، ومميّزاً فتاوينا الصادرة لأجل بيان الحكم الواقعيّ وغيرها- ممّا هي معلّلة ولو بمؤونة التشخيصات والمميّزات الواردة من الأئمّة عليهم السلام- لكونها مخالفة للعامّة، أو موافقة للكتاب»[2]ومعلوم أنّ هذه الصفة من مختصّات الفقيه، وغيره محروم منها.
وبالجملة:يستفاد من الفقرات الثلاث التي جعلت معرِّفة للحاكم
[1]مفردات الراغب: 331، المصباح المنير: 481.
[2]راجع التعادل والترجيح، العلّامة الإمام الخميني قدس سره: 181- 199.
المنصوب، أنّ ذلك هو الفقيه، لا العامّي.
ويدلّ على المقصود قوله فيها: «وكلاهما اختلفا في حديثكم»، فإنّ الظاهر من «الاختلاف» فيه هو الاختلاف في معناه، لا في نقله، وهو شأن الفقيه، بل الاختلاف في الحكم الناشئ من اختلاف الروايتين، لا يكون- نوعاً- إلّامع الاجتهاد وردّ كلّ منهما رواية الآخر، وليس هذا شأن العامّي، فتدلّ هذه الفقرة على أنّ المتعارف في تلك الأزمنة، هو الرجوع إلى الفقيه.
ويدلّ عليه أيضاً قوله:
(الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما)
، وقوله فيما بعد: «أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنّة» فإنّ المستفاد من جميع ذلك، كون الفقاهة مفروغاً عنها في القاضي، ولا إشكال في عدم صدق «الفقيه» و «الأفقه» على العامّي المقلّد.
ويدلّ قوله:
(فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً)
على أنّ للفقيه- مضافاً إلى منصب القضاء- منصب الحكومة أيّة حكومة كانت؛ لأنّ الحكومة مفهوماً أعمّ من القضاء المصطلح، والقضاءُ من شعب الحكومة والولاية، ومقتضى المقبولة أنّه عليه السلام جعل الفقيه حاكماً ووالياً، ودعوى الانصراف[1]، غير مسموعة، فللفقيه الحكومة على الناس فيما يحتاجون إلى الحكومة من الامور السياسيّة والقضائيّة، والمورد لايوجب تخصيص الكبرى الكلّيّة.
هذا مع منع كون المورد خصوص القضاء المصطلح؛ فإنّ قوله في الصدر:
[1]منية الطالب 1: 327 (الهامش).
«فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة» يدلّ على أعمّية المورد ممّا يكون مربوطاً بالقضاء كباب القضاء، أو إلى السلطان والوالي، فإنّ ما يرجع إليه غير ما يرجع إلى القضاة نوعاً؛ فإنّ شأنهم التصرّف في الامور السياسيّة، فمع أعميّة الصدر من القضاء، لا وجه لاختصاص الحاكميّة به.
فحينئذٍ مقتضى الإطلاق جعل مطلق الحكومة- سياسيّة كانت أو قضائيّة- للفقيه، وسؤال السائل بعده عن مسألة قضائيّة، لا يوجب اختصاص الصدر بها، كما هو واضح.
وقوله:
(إذا حكم بحكمنا)
ليس المراد الفتوى بحكم اللَّه جزماً، بل النسبة إليهم لكون الفقيه حاكماً من قبلهم، فكان حكمه حكمَهم، وردُّه ردَّهم.
هل الاجتهاد المطلق شرط أم لا؟
ثمّ إنّ الجمع المضاف وإن كان يفيد العموم، وكذا المصدر المضاف، ولازمه جعل المنصب لمن عرف جميع الأحكام، لكن لا يستفاد منهما العموم في المقام:
أمّا أوّلًا:فلأنّ وقوع الفقرات في مقابل المنع عن الرجوع إلى حكّام الجور وقضاتهم، يمنع عن استفادة العموم، بل الظاهر أن يكون المنصب- لمن عرف أحكامهم، ونظر في حلالهم وحرامهم- في مقابل المنحرفين عنهم الحاكمين باجتهادهم ورأيهم، بل الظاهر صدق قوله:
(عرف أحكامنا)
وغيره، على من عرف مقداراً معتدّاً به منها.
والمراد ب «رواية الحديث» ليس هو الرواية للغير؛ ضرورة عدم مدخليّتها
في جعل المنصب، بل المراد أن تكون فتواه على طبق الرواية، ولمّا كان المتعارف في تلك الأزمنة الإفتاء بصورة الرواية[1]، قال:
(روى حديثنا)
. وأمّا ثانياً: فلأنّ الظاهر من قوله:
(عرف أحكامنا)
هو المعرفة الفعليّة، وهي غير حاصلة بجميع الأحكام لغير الأئمّة؛ بل غير ممكنة عادة، فجعل المنصب له لغو فليس المراد معرفة جميع الأحكام، وصرفها إلى قوّة المعرفة وملكة الاستنباط، ممّا لا وجه له، فيجب صرفها- على فرض الدلالة- إلى معرفة الأحكام بمقدار معتدّ به.
وأمّا ثالثاً:فعلى فرض إمكان المعرفة الفعليّة بجميع الأحكام، لا طريق لتشخيص هذا الفقيه، فمن أين علم أنّه عارف فعلًا بجميع الأحكام؟! فلا معنى للأمر بالرجوع إليه، فلابدّ من الحمل على غيره، لكن يجب أن يكون بحيث يصدق عليه «أنّه ممّن روى الحديث، وعرف أحكامهم» وهو من عرف مقداراً معتدّاً به منها، وعليه تحمل صحيحة أبي خديجة[2]
[1]انظر الصفحة 27.
[2]أبو خديجة: هو الشيخ الصالح الثقة الثقة؛ سالم بن مُكْرَم بن عبد اللَّه الكُناسيّ، صاحب الغنم، مولى بني أسد الجمّال. كان يكنّى، «بأبي خديجة» فكنّاه الصادق عليه السلام «أبا سلمة» وكان سالم أوّلًا من أصحاب أبي الخطّاب، فبعث والي الكوفة إليهم رجلًا فقتلهم جميعاً، ولم يفلت منهم إلّاأبو خديجة، فقد سقط على الأرض جراء الجراحات التي أصابته، فلمّا جنّه اللّيل خرج من بينهم وتاب. روى عن الصادق والكاظم عليهما السلام وعن سعدالإسكاف، والمعلّى بن خنيس، وروى عنه أحمد بن عائذ، وعبد الرحمان بن أبي هاشم، وعبد الرحمان بن محمّد الأسدي.
انظررجال النجّاشي 188/ 501، ورجال الكشّي 2: 641، ومعجم رجال الحديث 8: 26- 27.
الآتية[1].
فاعتبارالاجتهاد المطلق سواء كان بمعنى الملكة أو بمعنى العلم الفعليّ، ممّا لا دليل عليه، بل الأدلّة على خلافه، نعم لا إشكال في اعتبار علمه بجميع ما وليه.
ثمّ إنّ الرواية لمّا كانت في مقام التحديد وبيان المعرِّف للمنصوب، يجب أخذ جميع القيود فيها قيداً إلّاما يدلّ العقل أو يفهم العرف عدم دخالته كما أشرنا إليه، وفقه الحديث كَمَلًا وبيان الأحكام المستفادة منه، موكول إلى كتاب القضاء.
الاستدلال بروايتي القدّاح وأبي البختريّ
وممّا يمكن الاستدلال عليه للمطلوب صحيحة القدّاح
( نور في ظلمات الأرض)[2]وضعيفة أبي البختريّ[3]
[1]تأتي في الصفحة 34- 38.
[2]القدّاح: هو الشيخ الثقة؛ عبد اللَّه بن ميمون بن الأسود المكّي، مولى بني مخزوم. كان يبري القداح (أي السهام قبل أن تُراشَ وتركّب نُصولها) فعرف «بالقدّاح». وقد ورد أنّ الإمام الصادق عليه السلام وصفه بأنّه
(نور في ظلمات الأرض)
روى عنه عليه السلام وعن أبي عبيدة الحذّاء، وروى عنه جعفر بن محمّد الأشعري، والحسن بن عليّ بن فضّال، وعبد اللَّه بن المغيرة.
انظر رجال النجّاشي: 213/ 557، ورجال الكشّي 2: 514 و 687، ومعجم رجال الحديث 10: 356- 357.
[3]أبو البختريّ: هو وهب بن وهب القاضي القرشيّ المدنيّ، روى عن الصادق عليه السلام، وكان من أكذب أهل البريّة عامّياً، إلّاأنّ له عنه عليه السلام أحاديث كلّها يوثق بها، كما عن ابن الغضائريّ، وله أحاديث مع الرشيد في الكذب، وكان الصادق عليه السلام قد تزوّج بأمّ وهب، روى عنه الحسن بن محبوب، وعثمان بن عيسى، ومحمّد بن أبي عمير.
انظر رجال النجّاشي: 430/ 1155، ورجال الكشّي 2: 597، ورجال الشيخ: 327/ 19، ومجمع الرجال 6: 198.
ففي الاولى: (وإنّ العلماء ورثة الأنبياء، إنّ الأنبياء لم يورّثوا ديناراً ولا درهماً، ولكن ورّثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظّ وافر)[1].
وفي الثانية قال: (إنّ العلماء ورثة الأنبياء، وذلك أنّ الأنبياء لم يورّثوا درهماً ولا ديناراً وإنّما أورثوا أحاديث من أحاديثهم، فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ حظّاً وافراً ...)الحديث[2].
بأن يقال:إنّ مقتضى إخباره ب
(أنّ العلماء ورثة الأنبياء)
أنّ لهم الوراثة في كلّ شيء كان من شأن الأنبياء، ومن شأنهم الحكومة والقضاء، فلابدّ وأن تكون الحكومة مطلقاً مجعولة لهم، حتّى يصحّ هذا الإطلاق أو الإخبار.
وتذييلهما بقوله:
(و لكن ورّثوا العلم)
أو
(إنّما أورثوا أحاديث)
لا يوجب تخصيص الوراثة بهما؛ لعدم استفادة الحصر الحقيقيّ منهما حتّى الثانية:
أمّا أوّلًا:فلأنّهما في مقابل عدم وراثة الدرهم والدينار، فالحصر إضافيّ.
وأمّا ثانياً:فلأنّ الحمل على الحقيقيّ موجب لمخالفة الواقع؛ لأنّ ميراث الأنبياء لاينحصر بهما، فالزهد والتقوى وسائر الكمالات من ميراث الأنبياء، كما أنّ الولاية والقضاء منه.
[1]الكافي 1: 26/ 1.
[2]الكافي 1: 24/ 2، وسائل الشيعة 18: 53، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 8، الحديث 2.