بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 81

فيعلم من أمثالهما:أنّ ارتكازهم كان على الرجوع إلى العلماء، وارادوا أن يعرِّف الإمام شخصاً ثقة مأموناً، وأنّ عليّ بن المسيّب كان يسأل عمّا احتاج إليه من الامور الفرعيّة، وأجابه زكريا بما رزقه اللَّه فهمه من الكتاب وأخبار أهل البيت؛ باجتهاده ونظره.

ومثلهما غيرهما[1]، بل إنكار رجوع عوامّ الشيعة في البلاد النائية عن الأئمّة عليهم السلام إلى علمائهم، مجازفة محضة.

هذا، لكن بقي الإشكال:وهو أنّ هذا الاختلاف الكثير الذي نشاهده بين الفقهاء في الفتوى، لا أظنّ وجوده في عصر الأئمّة عليهم السلام، ومعه لا يمكن إمضاء الرجوع في ذلك العصر، أن يكشف منه الإمضاء في هذا العصر كما لا يخفى‌.

نعم، لا يرد هذا الإشكال على الوجه الآتي.

عدم ردع الأئمة عليهم السلام عن ارتكاز العقلاء كاشف عن رضاهم‌

وأمّا الأمر الثاني:أي عدم ردعهم عن هذا الارتكاز كاشف عن رضاهم بذلك، فهو أيضاً واضح؛ ضرورة أنّ ارتكازيّة رجوع الجاهل في كلّ شي‌ء إلى‌ عالمه، معلومة لكلّ أحد، وأنّ الأئمّة عليهم السلام قد علموا بأنّ علماء الشيعة في زمان‌

[1]كصحيحة ابن أبي يعفور الآتية في الصفحة 101- 102. راجع رجال الكشّي 1: 383، وسائل الشيعة 18: 105، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 23.


صفحه 82

الغيبة وحرمانهم عن الوصول إلى الإمام، لا محيص لهم من الرجوع إلى كتب الأخبار والاصول والجوامع، كما أخبروا بذلك، ولا محالة يرجع عوامّ الشيعة إلى علمائهم بحسب الارتكاز والبناء العقلائي المعلوم لكلّ أحد.

فلولا ارتضاؤهم بذلك لكان عليهم الردع؛ إذ لافرق بين السيرة المتّصلة بزمانهم وغيرها؛ ممّا علموا وأخبروا بوقوع الناس فيه، فإنّهم أخبروا عن وقوع الغيبة الطويلة[1]، وأنّ كفيل أيتام آل محمّد صلّى اللَّه عليه وعليهم علماؤهم‌[2]، وأنّه سيأتي زمان هرج ومرج يحتاج العلماء إلى كتب أصحابهم‌[3]، فأمروا بضبط الأحاديث وثبتها في الكتب.

فتحصّل من جميع ذلك:أنّ الإشكال على أصل السيرة غير وارد، فيدلّ على أصل التقليد الارتكاز القطعيّ العقلائيّ.

كيفيّة السيرة العقلائيّة ومناطها

ثمّ إنّه لابدّ من البحث عن كيفيّة السيرة، وأنّها مع وجود الأفضل واختلافه مع الفاضل كيف هي؟ فلابدّ أوّلًا من بيان مناط رجوع الجاهل إلى العالم حتّى‌

[1]انظر بحار الأنوار 51: 72 وما بعدها.

[2]مستدرك الوسائل 17: 317، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 22، 23، 24، 27، 28.

[3]الكافي 1: 42/ 11، وسائل الشيعة 18: 56، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 8، الحديث 18.


صفحه 83

يتّضح الحال.

لا إشكال في أنّ رجوعه إليه، إنّما هو لأجل طريقيّته إلى الواقع وكشفه عنه، وأنّ منشأه إلغاء احتمال الخلاف؛ لأجل غلبة موافقة قوله للواقع، وندرة المخالفة؛ بحيث لايعتني بها العقلاء، بل يكون نوع العقلاء في مقام العمل، غافلًا عن احتمال المخالفة، فيعمل على طبقه، ويرى وصوله إليه بارتكازه، نعم لو تنبّه يرى أنّه ليس بعالم.

ولعلّ هذا هو المراد ب «العلم العاديّ» المتداول على السنتهم‌[1]، ولعلّ هذا الوجه هو المعوّل عليه في نوع سيرة العقلاء وبنائهم العمليّ، كالتعويل على أصالة الصحّة، وخبر الثقة واليد، والبناء على الصحّة في باب العيوب.

وأمّا احتمال كون بنائهم على ذلك لأجل مقدّمات الانسداد، بأن يقال: يرى العقلاء احتياجهم في تشخيص أمر من الامور، ولايمكن لهم الاحتياط أو يعسر عليهم، ولايجوز لهم الإهمال؛ لأجل احتياجهم إليه في العمل، وليس لهم طريق إلى الواقع، فيحكم عقلهم بالرجوع إلى الخبير؛ لأجل أقربيّة قوله إلى الواقع من غيره‌[2].

أو احتمال أن يكون منشأ ذلك، هو القوانين الموضوعة من زعماء القوم ورؤسائهم السياسيّين أو الدينيّين؛ لأجل تسهيل الأمر على الناس ورغد عيشهم.

[1]قوانين الاصول 1: 432 سطر 2 و 2: 229 سطر 5، مفاتيح الاصول: 328 سطر 26، مقباس الهداية 1: 126.

[2]انظر قوانين الاصول 2: 246 سطر 17، وضوابط الاصول: 414 سطر 7.


صفحه 84

فكلاهما بعيدان عن الصواب؛ ضرورة بطلان مقدّمات الانسداد في كثير من الموارد، وعلى فرض تماميّتها لاتنتج ذلك، وبُعدِ الوجه الثاني بل امتناعه عادة؛ ضرورة [أنّ إطباق‌][1]القوانين البشريّة من باب الاتفاق- مع تفرّق البشر في الأصقاع المتباعدة، واختلاف مسالكهم وعشرتهم وأديانهم- ملحق بالممتنع.

و أمّا الوجه الأوّل:فأمر معقول موافق للاعتبار، نعم لايبعد أن يكون للانسداد دخل في أعمالهم في جميع الموارد، أو في بعضها.

لكن يرد على هذا الوجه:أنّه كيف يمكن أن يدّعى بناء العقلاء على إلغاء احتمال الخلاف والخطأ، مع هذه الاختلافات الكثيرة المشاهدة من الفقهاء، بل من فقيه واحد في كتبه العديدة، بل في كتاب واحد؟!

ولهذا لايبعد أن يكون رجوع العامّي إلى الفقيه، إمّا لتوهّم كون فنّ الفقه- كسائر الفنون- يقلّ الخطأ فيه، ويكون رجوع العقلاء لمقدّمة باطلة وتوهّم خطأ، أو لأمر تعبّدي أخذه الخلف عن السلف، لا لأمر عقلائي، وهو أمر آخر غير بناء العقلاء.

ودعوى قلّة خطأ الفقهاء بالنسبة إلى صوابهم؛ بحيث يكون احتماله ملغى- وإن كثر- بعد ضمّ الموارد بعضها إلى بعض، غير وجيهة، مع ما نرى من الاختلافات الكثيرة في كلّ باب إلى ما شاء اللَّه.

وقد يقال:إنّ المطلوب للعقلاء في باب الاحتجاجات بين الموالي والعبيد،

[1]في الطبع السابق: تصادف.


صفحه 85

قيام الحجّة وسقوط التكليف والعقاب بأيّ وجه اتفق، والرجوع إلى الفقهاء موجب لذلك؛ لأنّ المجتهدين مع اختلافهم في الرأي، مشتركون في عدم الخطأ والتقصير في الاجتهاد.

ولا ينافي ذلك الاختلاف في الرأي؛ لإمكان عثور أحدهما على حجّة في غير مظانّها، أو أصل من الاصول المعتمدة، ولم يعثر عليهما الآخر مع فحصه بالمقدار المتعارف، فتمسّك بالأصل العمليّ، أو عمل على الأمارة التي عنده، فلايكون واحد منهما مخطئاً في اجتهاده، ورأي كلّ منهما حجّة في حقّه وحقّ غيره.

فرجوع العقلاء إليهما لأجل قيام الحجّة والعذر، وهما المطلوب لهم، لا إصابة الواقع الأوّلي، وأوضح من ذلك لو قلنا: بجعل المماثل في مؤدّى الأمارة.

وفيه أوّلًا:أنّ تسمية ذلك «عدم خطأ» في غير محلّه، نعم لا يكون ذلك تقصيراً وإن كان مخطئاً، ومع اختلافهما لامحالة يعلم بخطأ أحدهما، ومعه لا يكون البناء على الرجوع إذا كان الاختلاف كثيراً- ولو في غير مورد اختلافهما- للاعتداد باحتمال الخطأ حينئذٍ.

وثانياً:أنّه لو سلّم أنّ نظر العقلاء في مثل المقام إلى تحصيل الحجّة والعذر، لكنّهما متوقّفان على إلغاء احتمال خطأ الاجتهاد بالنسبة إلى التكاليف الواقعيّة الأوّلية، وهو في المقام ممنوع.

ومؤدّى الطرق لو فرض باطلًا كونه حكماً ثانويّاً، لا يوجب معذوريّته بالنسبة إلى الواقعيّات، إلّاللمعذور وهو المجتهد، لا للمقلّد الذي يكون مبنى عمله‌


صفحه 86

فتواه، وهو ليس معذّراً إلّامع كونه- كسائر الأمارات العقلائيّة- قليل الخطأ لدى العقلاء، والفرض أنّ كلّ مجتهد يحكم بخطأ أخيه، لابتقصيره، ومعه كيف يمكن حجّية الفتوى‌؟!

نعم، يمكن أن يقال:إنّ الأمر الثاني من الأمرين المتقدّمين يدفع الإشكال؛ فإنّ عدم ردع هذا البناء الخارجيّ، دليل على رضا الشارع المقدّس بالعمل على فتاوى الفقهاء مع الاختلاف المشهور.

لكن في صيرورة ذلك هو البناء العقلائي المعروف، والبناء على أماريّة الفتوى كسائر الأمارات، إشكال.

إلّا أن يقال:إنّ بناء المتشرّعة على أخذ الفتوى طريقاً إلى الواقع والعمل على طبق الأماريّة، والسكوت عنه دليل على الارتضاء بذلك، وهو ملازم لجعل الأماريّة لها، والمسألة تحتاج إلى مزيد تأمّل.

ثمّ إنّه بناءً على أنّ المناط في رجوع الجاهل إلى العالم، هو إلغاء احتمال الخلاف والخطأ- بحيث يكون احتماله موهوماً لا يعتني به العقلاء-، لا إشكال في أنّ هذا المناط موجود عندهم في تشخيصات أهل الخبرة وأصحاب الفنون، كان الأفضل موجوداً أو لا، ولهذا يعملون على قوله مع عدم وجود الأفضل.

وهذا دليل قطعيّ على تحقّق مناط العمل عندهم في قول الفاضل، وإلّا فكيف يعقل العمل مع عدم المناط؟! فيكون المناط موجوداً، كان الأفضل موجوداً أو لا، اختلف رأيهما أو لا. فلو فرض تقديمهم قول الأفضل عند الاختلاف، فإنّما هو من باب ترجيح إحدى الحجّتين على الاخرى‌، لا من باب عدم الملاك في‌


صفحه 87

قول المفضول؛ لعدم تعقّل تحقّق المناط مع عدم الفاضل، وعدمه مع وجوده.

فقول المفضول حجّة وأمارة عقلائيّة في نفسه؛ لأجل موهوميّة احتمال الخطأ، كما أنّ مناط العمل بقول الأفضل ذلك بعينه.

هل ترجيح قول الأفضل لزوميّ أم لا؟

نعم، يبقى في المقام أمر؛ وهو أنّه هل بناء العقلاء على‌ ترجيح قول الأفضل لدى العلم بمخالفته مع غيره إجمالًا أو تفصيلًا، يكون بنحو الإلزام، أو من باب حسن الاحتياط؛ وليس بنحو اللّزوم؟

لايبعد الاحتمال الثاني؛ لوجود تمام الملاك في كليهما، واحتمال أقربيّة قول الأعلم- على فرض صحّته- لم يكن بمثابة يرى العقلاء ترجيحه عليه لزوميّاً، ولهذا تراهم يراجعون المفضول بمجرّد أعذار غير وجيهة، كبعد الطريق وكثرة المراجعين ومشقّة الرجوع إليه ولو كانت قليلة، وأمثال ذلك؛ ممّا يعلم أنّه لو حكم العقل إلزاماً بالترجيح، لما كانت تلك الأعذار وجيهة لدى العقل والعقلاء.

هذا مع علمهم إجمالًا بمخالفة أصحاب الفنّ في الرأي في الجملة، فليس ترجيح الأفضل إلّاترجيحاً غير ملزم، واحتياطاً حسناً. ولهذا لو أمكن لأحد تحصيل اجتماع أصحاب فنّ في أمر والاستفتاء منهم، لَفَعل؛ لا لأجل عدم الاعتناء بقول الأفضل أو الفاضل، بل للاحتياط الراجح الحسن.

وبالجملة:المناط كلّ المناط في رجوعهم، هو اعتقاد هم بندرة الخطأ وإلغاء احتمال الخلاف، وهو موجود في كليهما.


صفحه 88

فحينئذٍ مع تعارض قولهما، فمقتضى القاعدة تساقطهما والرجوع إلى الاحتياط مع الإمكان، وإلّا فالتخيير، وإن كان ترجيح قول الأفضل حسناً على أيّ حال، تأمّل.

هذا، ولكن مع ذلك فالذهاب إلى معارضة قول المفضول لقول الأفضل مشكل، خصوصاً في مثل ما نحن فيه؛ أي باب الاحتجاج بين العبيد والموالي، مع كون المقام من دوران الأمر بين التعيين والتخيير، والأصل يقتضي التعيين. فالقول بلزوم تقديم قول الأفضل لعلّه أوجه، مع أنّ الأصحاب أرسلوه إرسال المسلّمات والضروريّات‌[1].

مضافاً إلى عدم إحراز بناء العقلاء على العمل بقول المفضول مع العلم التفصيلي- بل الإجماليّ المنجّز- بمخالفته مع الفاضل، لو لم [نقل‌][2]بإحراز عدمه.

نعم، لا يبعد ذلك مع العلم بأنّ في أقوالهم اختلافاً، لا مع العلم إجمالًا بأنّهم في هذا المورد أو مورد آخر مثلًا مختلفون.

وبعبارة اخرى:إنّ بناءهم على العمل في مورد العلم الإجماليّ غير المنجّز، نظير أطراف الشبهة غير المحصورة، هذا حال بناء العقلاء.

[1]راجع مفاتيح الاصول 626 سطر 12، مطارح الأنظار: 298 سطر 20.

[2]في الطبع السابق: يعمل.