بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 98

أبي خديجة[1].

وتقريب الدلالة أن يقال:إنّ الظاهر من صدرها وذيلها

( الحكم ما حكم به أعدلهما وأ فقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما، ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر).[2]، شمولها للشبهات الحكميّة، فيؤخذ بإطلاقها في غير مورد واحد متعرَّض له؛ وهو صورة اختلاف الحَكَمين، وكذا المشهورة تشملها بإطلاقها.

فإذا دلّتا على نفوذ حكم الفقيه فيها، تدلّان على اعتبار فتواه في باب فصل الخصومات، وإلّا فلا يعقل إنفاذه بدونه، ويفهم نفوذ فتواه وحجّيتها في غيره؛ إمّا بإلغاء الخصوصيّة عرفاً، أو بدعوى‌ تنقيح المناط[3].

أو يقال:إنّ الظاهر من قوله:

(فإذا حكم بحكمنا)

إلغاء احتمال الخلاف من فتوى الفقيه؛ إذ ليس المراد منه «أنّه إذا علمتم أنّه حكم بحكمنا» بل المراد «أنّه إذا حكم بحكمنا بحسب نظره ورأيه» فجعل نظره طريقاً إلى حكمهم.

هذا، ولكن يرد عليه:أنّ إلغاء الخصوصيّة عرفاً ممنوع؛ ضرورة تحقّق خصوصيّة زائدة في باب الحكومة، ربّما تكون بنظر العرف دخيلة فيها؛ وهي رفع‌

[1]تهذيب الأحكام 6: 303/ 846، وسائل الشيعة 18: 100، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 6. وراجع الفصول الغرويّة: 423 سطر 37، وما قرّره في مطارح الأنظار: 301 سطر 23.

[2]أي قوله عليه السلام:

(الحكم ما حكم به أعدلهما وأ فقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما، ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر).

[3]مطارح الأنظار: 263 سطر 16.


صفحه 99

الخصومة بين المتخاصمين، وهو لا يمكن نوعاً إلّابحكم الحاكم النافذ، وهذا أمر مرغوب فيه، لايمكن فيه الاحتياط، ولاتتّفق فيه المصالحة نوعاً.

وأمّا العمل بقول الفقيه فربّما لا يكون مطلوباً، ويكون المطلوب درك الواقع بالاحتياط، أو الأخذ بأحوط الأقوال مع تعذّر الاحتياط التامّ، فدعوى‌ أنّ العرف يفهم من المقبولة وأمثالها حجّية الفتوى، لا تخلو من مجازفة، وأوضح فساداً من ذلك دعوى‌ تنقيح المناط القطعيّ.

وأمّا قوله:

(إذا حكم بحكمنا)

لو سلّم إشعاره بإلغاء احتمال الخلاف، فإنّما هو في باب الحكومة، فلابدّ في التسرية إلى باب الفتوى من دليل، وهو مفقود.

فالإنصاف:عدم جواز التمسّك بأمثال المقبولة للتقليد رأساً، فكما لا يجوز التمسّك بصدرها على جواز تقليد المفضول، لا يجوز ببعض فقرات ذيلها على وجوب تقليد الأعلم، لدى مخالفة قوله مع غيره.

ومنها:إطلاق ما في التوقيع:

(و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا؛ فإنّهم حجّتي عليكم، وأنا حجّة اللَّه)[1].

وتقريبه: أنّ «الحوادث» أعمّ من الشبهات الحكميّة، والرجوع إلى‌ رواة الحديث ظاهر في أخذ فتاويهم، لا أخذ نفس الرواية، ورواة الحديث كانوا من‌

[1]إكمال الدين: 484/ 4، الغيبة، الشيخ الطوسيّ: 176، الاحتجاج: 469، وسائل الشيعة 18: 101، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 9، راجع مناهج الأحكام والاصول للنراقي: 301 سطر 2، وما قرّر في رسالة في الاجتهاد والتقليد، الشيخ الأعظم الأنصاري، ضمن مجموعة رسائل: 77.


صفحه 100

أهل الفتوى والرأي كما مرّ[1].

كما أنّ قوله:

(فإنّهم حجّتي عليكم)

يدلّ على أنّ فتوى‌ رواة الحديث حجّة، كما أنّ فتوى الإمام حجّة، فلا معنى‌ لحجّية رواة الحديث، إلّاحجّية فتاويهم وأقوالهم، والحمل على حجّية الأحاديث المنقولة بتوسّطهم، خلاف الظاهر.

وفيه:- بعد ضعف التوقيع سنداً[2]- أنّ صدره غير منقول إلينا، ولعلّه كان مكتنفاً بقرائن لا يفهم منه إلّاحجّية حكمهم في الشبهات الموضوعيّة، أو الأعمّ، وكان الإرجاع في القضاء، لا في الفتوى‌.

ومنها:ما عن الكشّي بسند ضعيف‌[3]، عن أحمد بن حاتم بن ماهَويْه‌[4]، قال: كتبت إليه- يعنى أبا الحسن الثالث عليه السلام- أسأله عمّن آخذ معالم ديني، وكتب أخوه‌[5]أيضاً بذلك.

[1]تقدّم في الصفحة 27- 29، 48- 49، 70- 78.

[2]هذا التوقيع مرويّ عن الكليني رحمه الله في غير الكافي، عن إسحاق بن يعقوب، وضعفه بإسحاق فإنّه لم يوثّق.

[3]فقد رواه الكشّي، عن جبريل بن محمّد الفاريابي، عن موسى بن جعفر بن وهب، عن أحمد ابن حاتم بن ماهويه، ولم يثبت توثيق من عدا الكشّي. ودعوى وثاقة جبريل لرواية الكشّي عنه كثيراً، واعتماده عليه، وروايته لما وجده بخطّ جبريل، ووثاقة موسى‌ لوقوعه في أسانيد كامل الزيارة، ووثاقة أحمد لما أفاده المحقّق الداماد في ترجمته، ممنوعة.

[4]أحمد بن حاتم بن ماهويه: هو أبو الحسن أحمد بن حاتم بن ماهويه القزويني. كان كثير الرواية، مستقيماً في العقيدة، سالماً من الطعن روى عن الرضا عليه السلام، وروى عنه موسى بن جعفر بن وهب. راجع رجال الكشّي 1: 15 (تعليقة المحقّق الداماد قدس سره).

[5]لأحمد بن حاتم بن ماهويه القزويني ثلاثة إخوة:

أحدهم: طاهر بن حاتم، الذي كان مستقيماً من أصحاب الكاظم والرضا عليهما السلام وكان له كتاب وروايات، ثمّ تغيّر وأظهر القول بالغلوّ، روى‌ عن الرجل، وروى‌ عنه سهل بن زياد، ومحمّد ابن عيسى‌ بن عبيد اليقطينيّ.

انظر رجال النجّاشي: 208/ 551، وفهرست الشيخ 86، ومعجم رجال الحديث 9: 156- 157.

ثانيهم: فارس بن حاتم نزيل العسكر، الذي هو من أصحاب الهادى عليه السلام ولم يروِ الحديث إلّاشاذّاً، وكان مستقيماً أيضاً، ثمّ غلا وخلط، وفسد مذهبه؛ حتّى لعنه الإمام عليه السلام وأمر بقتله فقتل.

انظر رجال النجّاشي: 310/ 848، ورجال الشيخ: 420/ 3، ومعجم رجال الحديث 13: 238- 244.

ثالثهم: سعيد بن حاتم بن ماهويه، وهو مهمل لم نعثر له على شي‌ء.

انظر قاموس الرجال 1: 413.


صفحه 101

فكتب إليهما:

(فهمت ما ذكرتما، فاصمدا في دينكما على كلّ مسنّ في حبّنا، وكلّ كثير القدم في أمرنا؛ فإنّهما كافوكما إن شاء اللَّه)[1]

.وفيه:- بعد ضعف السند- أنّ الظاهر من سؤاله أنّ الرجوع إلى العالم كان مرتكزاً في ذهنه، وإنّما أراد تعيين الإمام شخصَه، فلا يستفاد منه التعبّد، كما أنّ الأمر كذلك في كثير من الروايات، بل قاطبتها على الظاهر.

ومنها:روايات كثيرة عن الكشّي وغيره، فيها الصحيحة وغيرها، تدلّ على إرجاع الأئمّة إلى أشخاص من فقهاء أصحابهم، يظهر منها أنّ الرجوع إليهم كان متعارفاً، ومع وجود الأفقه كانوا يراجعون غيره، كصحيحة ابن أبي يعفور: قال‌

[1]رجال الكشّي 1: 15، وسائل الشيعة 18: 110، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 45.


صفحه 102

قلت لأبي عبد اللَّه: إنّه ليس كلّ ساعة ألقاك ولا يمكن القدوم، ويجي‌ء الرجل من أصحابنا، فيسألني وليس عندي كلّ ما يسألني عنه.

فقال:

(ما يمنعك من محمّد بن مسلم الثقفيّ؛ فإنّه سمع من أبي، وكان عنده وجيهاً)[1].

وكرواية عليّ بن المسيّب المتقدّمة[2]، حيث أرجعه الرضا عليه السلام إلى زكريّا ابن آدم‌[3]... إلى‌ غير ذلك‌[4].

ويستفاد منها:أنّ أخذ معالم الدين- الذي هو عبارة اخرى‌ عن التقليد- كان مرتكزاً في ذهنهم، ومتعارفاً في عصرهم.

ويستفاد من صحيحة ابن أبي يعفور، تعارف رجوع الشيعة إلى‌ الفقهاء من أصحاب الأئمّة، مع وجود الأفقه بينهم، وجواز رجوع الفقيه إلى الأفقه إذا لم يكن له طريق إلى الواقع.

وهذا ليس منافياً لما ذكرنا في أوّل الرسالة: من أنّ موضوع عدم جواز

[1]رجال الكشّي 1: 383، وسائل الشيعة 18: 105، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 23.

[2]تقدّمت في الصفحة 80.

[3]رجال الكشّي 2: 858، وسائل الشيعة 18: 106، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 27.

[4]راجع وسائل الشيعة 18، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 4، 5، 15، 19، 24، 30، 33، 34، 35، 42، 46، 47، وانظر ما قرّره في مطارح الأنظار: 300 السطر ما قبل الأخير.


صفحه 103

الرجوع إلى الغير نفس قوّة الاستنباط[1]؛ وذلك لأنّ ما ذكرنا هناك إنّما هو فيمن له طريق إلى الاستنباط مثل زماننا، فإنّ الكتب الراجعة إليه مدوّنة مكتوبة بين أيدينا، بخلاف ما إذا لم يكن كذلك، كعصر محمّد بن مسلم؛ حيث إنّ الأحاديث فيه كانت مضبوطة عنده وعند نظرائه، ولم يكن للجاهل طريق إليها إلّابالرجوع إليهم.

مع إمكان أن يقال:إنّ إرجاع مثل ابن أبي يعفور، إنّما هو في سماع الحديث، ثمّ استنباطه منه حسب اجتهاده، ولا إشكال في استفادة جواز الرجوع إلى الفقهاء- بل إلى الفقيه مع الأفقه- من تلك الروايات.

لكن استفادة ذلك مع العلم الإجماليّ أو التفصيليّ بمخالفة آرائهما مشكلة؛ لعدم العلم بذلك في تلك الأعصار، خصوصاً من مثل اولئك الفقهاء والمحدّثين الذين كانوا من بطانة الأئمّة، فالاتكال على مثل تلك الأدلّة في جواز تقليد المفضول مشكل، بل غير ممكن.

[1]تقدّم في الصفحة 6.


صفحه 104

فيما استدلّ به على ترجيح قول الأفضل‌

واستدلّ على ترجيح قول الأفضل لدى العلم بالمخالفة:

تارة:بالإجماعات المنقولة[1]، وهو كما ترى‌ في مثل المسألة العقليّة مع تراكم الأدلّة.

واخرى‌:بالأخبار كالمقبولة وغيرها[2]؛ بأن يقال: إنّ الشبهة فرضت حكميّة في المقبولة، فنفوذ حكمه تعييناً، ملازم لنفوذ فتواه كذلك في تلك المسألة، فنتعدّى‌ إلى‌ غيرها بإلغاء الخصوصيّة، أو القطع بالملاك، [ولا] سيّما مع تناسب الأفقهيّة والأصدقيّة في الحديث لذلك.

وفيه:- مضافاً إلى‌ أنّ ظاهر المقبولة، أنّ الأوصاف الأربعة مجتمعة توجب التقديم؛ بمقتضى العطف ب «الواو» وفرض الراوي صورة التساوي، لا يكشف عن كون المراد وجود أحدها- أنّه يمنع التلازم هاهنا؛ لأنّ الملازمة إنّما تكون في صورة إثبات النفوذ، لاسلبه؛ لأنّ سلب المركّب أو ما بحكمه بسلب أحد أجزائه، فسلب نفوذ حكمه كما يمكن أن يكون لسلب حجّية فتواه، يمكن أن يكون لسلب‌

[1]الاجتهاد والتقليد، الشيخ الأعظم، ضمن مجموعة رسائل: 71، مطارح الأنظار: 298 سطر 23 و 303 سطر 20.

[2]مجموعة رسائل: 71، مطارح الأنظار: 303 سطر 21، درر الفوائد: 711- 713. وقد تقدّم تخريج المقبولة والمشهورة أخيراً في الصفحة 97، 98.


صفحه 105

صلاحية حكمه للفصل.

وعدم جواز الأخذ بالفتوى‌ في المقام، ليس لعدم صلاحيتها للحجّية، بل لعدم كونها فاصلًا، بل فتوى الأعلم أيضاً ليست بفاصل، والتناسب بين الأفقهيّة وذلك لم يصل إلى حدّ كشف العلّية التامّة.

هذا كلّه مع أنّ إلغاء الخصوصيّة عرفاً، أو القطع بالملاك، ممّا لا وجه لهما بعد وضوح الفرق بين المقامين. ولعلّ الشارع لاحظ جانب الاحتياط في حقوق الناس، فجعل حكم الأعلم فاصلًا؛ لأقربيّته إلى الواقع بنظره، ولم يلاحظه في أحكامه؛ توسعةً على الناس. فدعوى‌ إلغاء الخصوصيّة مجازفة، ودعوى القطع أشدّ مجازفة.

وثالثة:بأنّ فتوى الأعلم أقرب إلى الصواب؛ لأنّ نظره طريق محض إلى الواقع كنظر غيره، سواء الأوّليات منه، أو الثانويّات، أو الأعذار الشرعيّة والعقليّة، فحينئذٍ تلازم الأعلميّة الأقربيّة، وهو المتعيّن في مقام الإسقاط والإعذار، وجواز الرجوع إلى‌ غيره يساوق الموضوعيّة[1].

والجواب عن الصغرى‌:بمنع كلّيتها؛ لأنّ رأي غير الأعلم قد يوافق رأي الأعلم من الأموات أو الأحياء، إذا لم يجز تقليدهم لجهة، بل إذا كان رأي غير الأعلم موافقاً لجميع الفقهاء، ويكون الأعلم منفرداً في الأحياء في الفتوى‌، مع كون مخالفيه كثيرين جدّاً.

[1]انظر الذريعة إلى اصول الشريعة 2: 801، ومعالم الدين: 241 السطر الأوّل.