قال أبو حامد:وأما صوم خصوص الخصوص فصوم القلب عن الهمم الدنية والأفكار الدنيوية وكفه عما سوى الله بالكلية، ويحصل الفطر في هذا الصوم بالفكر في ما سوى الله واليوم الآخر، وبالفكر في الدنيا إلا دنيا تراد للدين، فإن ذلك زاد الآخرة ـ انتهى[574].
وفي مصباح الشريعة : قال الصادق عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الصوم جنة، أي ستر من آفات الدنيا وحجاب من عذاب الآخرة، فإذا صمت فانو بصومك كف النفس عن الشهوات وقطع الهمة عن خطرات الشيطان، فأنزل نفسك منزلة المرضى لا تشتهي طعاماً ولا شراباً، متوقعاً في كل لحظة شفاءك من مرض الذنوب، وطهر باطنك من كل كدر وغفلة وظلمة تقطعك عن معنى الإخلاص لوجه الله تعالى.
ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قال الله عزّوجل: الصوم لي وأنا أجزي به، فالصوم يميت مواد النفس وشهوة الطمع، وفيه صفاء القلب وطهارة الجوارح وعمارة الظاهر والباطن والشكر على النعم والإحسان إلى الفقراء وزيادة التضرع والخشوع والبكاء وحبل الالتجاء إلى الله، وسبب انكسار الهمة وتخفيف الحساب وتضعيف الحسنات. وفيه من الفوائد ما لا يحصى وكفى بما ذكرنا منبه لمن عقل ووفق لاستعماله[575].
الباب التاسع
أسرار الحج
وزيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم
والمشاهد المشرفة
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
في أسرار الحج
وزيارة النبي والمشاهد
ولنفتح الباب بما رواه في مصباح الشريعة عن الصادق عليه السلام.
قال: قال الصادق عليه السلام: إذا أردت الحج فجرد قلبك لله تعالى من كل شاغل وحجاب كل حاجب، وفوض أمورك كلها إلى خالقك، وتوكل عليه في جميع ما يظهر من حركاتك وسكناتك، وسلم لقضائه وحكمه وقدره، وودع الدنيا والراحة والخلق، واخرج من حقوق تلزمك من جهة المخلوقين، ولا تعتمد على زادك أو راحلتك وأصحابك وقوتك وشبابك ومالك مخافة أن يصير ذلك عدواً ووبالاً، فإن من ادعى رضاء الله واعتمد على ما سواه صيره عليه وبالاً وعدواً ليعلم أنه ليس له قوة وحيلة ولا لأحد إلا بعصمة الله وتوفيقه.
فاستعد استعداد من لا يرجو الرجوع، وأحسن الصحبة، وراع أوقات فرائض الله وسنن نبيه وما يجب عليك من الأدب والاحتمال والصبر والشكر والشفقة والسخاوة وإيثار الزاد على دوام الأوقات.
ثم اغسل بماء التوبة الخالصة ذنوبك، والبس كسوة الصدق والصفا والخضوع والخشوع، وأحرم من كل شيء يمنعك عن ذكر الله ويحجبك عن طاعته، ولب بمعنى إجابة صادقة صافية خالصة زاكية لله تعالى في دعوتك متمسكاً بالعروة الوثقى، وطف بقلبك مع الملائكة حول العرش كطوافك مع المسلمين بنفسك حول البيت، وهرول هرولة من هواك. وتبرأ من حولك وقوتك، واخرج من غفلتك وزلاتك بخروجك إلى منى. ولا تتمن ما لا يحل لك ولا تستحقه،واعترف بالخطأ بعرفات، وجدد عهدك عند الله تعالى بوحدانيته، وتقرب إليه واتقه بمزدلفة، واصعد بروحك إلى الملأ الأعلى بصعودك على الجبل، واذبح حنجرة الهوى والطمع عند الذبيحة، وارم الشهوات والخساسة والدناءة والذميمة عند رمي الجمرات، واحلق العيوب الظاهرة والباطنة بحلق شعرك، وادخل في أمان الله وكنفه وستره وكلاءته[576]من متابعة مرادك بدخولك الحرم ودخول البيت متحققاً لتعظيم صاحبه ومعرفة جلاله وسلطانه، واستلم الحجر رضاً بقسمته وخضوعاً لعزته، وودع ما سواه بطواف الوداع، واصف روحك وسرك للقائه يوم تلقاه بوقوفك على الصفا وكن بمرأى من الله نقية أوصافك عند المروة، واستقم على شرط حجتك هذه ووفاء عهدك الذي عاهدت به مع ربك وأوجبته له إلى يوم القيامة.
واعلم بأن الله تعالى لم يفرض الحج ولم يخصه من جميع الطاعات بالإضافة إلى نفسه بقوله تعالى: ((وَلِلّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً))[577]، ولا شرع نبيه سنة في خلال المناسك على ترتيب ما شرعه إلا للاستعانة والإشارة إلى الموت
[576]اذهب في كنف الله وحفظه، أي: في كلاءته وحرزه وحفظه.
لسان العرب، ابن منظور: 9/ 308، مادة "كنف".
[577]سورة آل عمران/ 97.
والقبر والبعث والقيامة، وفضل بيان السابقة من الدخول في الجنة أهلها ودخول النار أهلها بمشاهدة مناسك الحج من أولها إلى آخرها لأولي الألباب وأولي النهى[578].
فصل: في العزم على الحج
ينبغي للعازم أن يعلم أنه عزم على أمر رفيع شأنه خطير أمره، فليجعل عزمه خالصاً لوجه الله بعيداً عن الرياء والسمعة، وإلا فقد أتلف ماله وأتعب بدنه واكتسب الإثم و((خَسِرَ الدُّنْيا وَالآخِرَةَ و[579]ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ))[580]، وليرد المظالم ويتب توبة خالصة، ولا يقدم على ربه قدوم العبد العاصي، فلا يكون له من سفره نصيب إلا التعب.
وليتذكر في سفره سفر الآخرة، فعن قريب إليه يصير ونحوه يسير.
فصل: في الزاد
ليتذكر فيه زاد سفر الآخرة، فإنه أبعد من هذا السفر والاحتياج فيه إلى الزاد من الأعمال الصالحة أكثر، وليحذر أن تكون أعماله التي هي زاده لا تصحبه بعد الموت بل تفسدها شوائب الرياء.
فصل: في الراحلة
ليشكر الله على تسخير الدواب له لتحمل أثقاله إلى بلد لم يكن بالغه إلا بشق الأنفس، وليتذكر المركب الذي يركبه إلى الدار الآخرة، وهي الجنازة التي يحمل عليها، فالعجب لمن يستعد للسفر المشكوك فيه ولا يستعد للسفر المتيقن.
[578]أنظر: مصباح الشريعة، الإمام الصادق عليه السلام: 47 ـ 50، الباب الواحد والعشرون في الحج.
[579]ليس في النص القرآني حرف "الواو".
[580]سورة الحج/ 11.
فصل: في شراء ثوب الإحرام
ليذكر عنده الكفن ولفه فيه، فإنه سيرتدي ويتزر بثوبي الإحرام عند القرب من بيت الله، وربما لا يتم سفره إليه، وإنه سيلقى الله ملفوفاً في ثياب الكفن لا محالة، فكما لا يلقى بيت الله إلا مخالفاً عادته في الزي والهيئة فلا يلقى الله بعد الموت إلا في زي مخالف لزي الدنيا، وهذان الثوبان متقاربان لعدم الخياطة فيهما.
فصل: في الخروج من البلد
ليعلم أنه فارق الأهل والوطن متوجهاً إلى الله في سفر لا يضاهي أسفار الدنيا، فليحضر في قلبه ماذا يريد وأين يتوجه وزيارة من يقصد، وسفر الآخرة ومفارقة الأهل والوطن مفارقة لا رجوع فيها.
فصل: في دخول البادية ومشاهدة العقبات
ليتذكر فيها ما بين الخروج من الدنيا بالموت إلى ميقات القيامة وما بينهما من الأهوال والمطالبات، وليتذكر من هول قطع الطريق سؤال منكر ونكير ومن سباع البوادي عقارب القبر وديدانه وما فيه من الأفاعي والحيات، ومن انفراده عن أهله وأقاربه وحشة القبر وكربته ووحدته، وليتزود في هذه الأحوال لمخاوف القبر.
فصل: في الإحرام والتلبية بالميقات
ليعلم أن معناه إجابة نداء الله، فليرج القبول وليخش أن يقال له bلا لبيك ولا سعديكv فإن وقت التلبية بداية الأمر وهو محل الخطر، فقد روي أن السجاد عليه السلام لما أحرم واستوت به راحلته اصفر لونه وانتفض ووقعت عليه الرعدة ولم يستطيع أن يلبي فقال: أخشى أن يقول لي ربي لا لبيك ولا سعديك، فلما لبى عليه السلام غشي عليه وسقط من راحلته،فلم يزل يعتريه ذلك حتى قضى حجته[581].
[581]أنظر: عوالي اللئالي، ابن أبي جمهور الأحسائي: 4/ 35، الجملة الأولى في أحاديث متفرقة/ح121.
فصل: في دخول مكة
ليتذكر عندها أنه قد انتهى إلى حرم آمن، وليرج عنده أن يأمن بدخوله من عقاب الله، وليخش أن لا يكون أهلاً للقرب، فيكون بدخول الحرم خائناً مستحقاً للمقت، وليكن رجاؤه في جميع الأوقات غالباً، فالكرم عميم ورب البيت كريم، وحق الزائر يرعى وذمام[582]المستجير غير مضيع.
فصل: في وقوع البصر على البيت
ليحضر عظمة البيت في القلب ويقدر أنه حاضر بين يدي رب البيت، وليرجُ أن يرزقه لقاءه في الآخرة كما رزقه لقاء بيته في الدنيا، وليتذكر انصباب الناس في القيامة إلى جهة الجنة آملين لدخولها كافة فيؤذن لبعض ويمنع الآخرون.
فصل: في الطواف بالبيت
ليعلم أنه في الطواف متشبه بالملائكة الحافين[583]حول العرش الطائفين حوله، وأن المقصود الحقيقي طواف قلبه بذكر رب البيت حتى لا يبتدئ الذكر إلا به ولا يختم إلا به كما يبتدئ الطائف بالبيت ويختم به.
[582]الذمام والمذمة: الحق والحرمة، والجمع: أذمة والذمة: العهد والكفالة، وجمعها ذمام. وفلان له ذمة، أي: حق.
لسان العرب، ابن منظور: 12/ 221، مادة "ذمم".
[583]حف القوم بالشيء و حواليه يحفون حفا وحفوه و حففوه: أحدقوا به و أطافوا به و عكفوا واستداروا.
لسان العرب، ابن منظور: 9/ 49، مادة "حفف".