بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 209

ولا تجث على ركبتيك، وإذا هدأ غيظك فتكلم، وإن قربك سلطان فكن منه على حد السنان، وإن استرسل إليك فلا تأمن انقلابه عليك، ورافق به رفقك بالصبي، وكلمه بما يشتهيه ولا يحملنّك لطفه بك أن تدخل بينه وبين أهله وولده وجيشه وإن كنت لذلك مستحقاً عنده، فإن سقطة الداخل بين الملك وأهله سقطة لا تنعش وزلة لا تقال.

وإياك وصديق العافية، فإنه أعدى الأعداء، ولا تجعل مالك أكرم من عرضك، وإذا دخلت مجلساً فالأدب البداية بالتسليم وترك التخطي لمن سبق والجلوس حيث تسعى وحيث يكون أقرب إلى التواضع، وأن تحيي بالسلام من قرب منك عند الجلوس، ولا تجلس على الطريق، وإن جلست فأدبه غض البصر، ونصرة المظلوم وإغاثة الملهوف وعون الضعيف وإرشاد الضال ورد السلام وإعطاء السائل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والارتياد لموضع البصاق، فلا تصبق عن جهة القبلة ولا عن يمينك ولكن عن يسارك وتحت قدمك اليسرى.

ولا تجالس الملوك، فإن فعلت فأدبه ترك الغيبة ومجانبة الكذب وصيانة السر وقلة الحوائج وتهذيب الألفاظ والإعراب في الخطاب، والمذاكرة بأخلاق الملوك وقلة المداعبة وكثرة الحذر منهم وإن ظهرت المودة، وأن لا يتجشأ[599]بحضرته ولا يتخلل بعد الأكل عنده.

وعلى الملك أن يتحمل كل شيء إلا إفشاء السر والقدح في الملك والتعرض للحرم. ولا تجالس العامة، فإن فعلت فأدبه ترك الخوض في حديثهم، وقلة الإصغاء إلى أراجيفهم[600]، والتغافل عما يجري في سوء ألفاظهم، وقلة اللقاء لهم مع الحاجة إليهم[601].

[599]التجشأ: إخراج الريح من الفم مع الصوت عند الشبع.

مستدرك سفينة البحار، النمازي: 2/ 63، مادة "جشأ".

[600]ارجف القوم إذا خاضوا في الأخبار السيئة وذكر الفتن.

لسان العرب، ابن منظور: 9/ 113، مادة "رجف".

[601]أنظر: إحياء علوم الدين، الغزالي: 2/ 172، كتاب آداب الألفة والأخوة، جملة آداب العشرة والمجالسة مع أصناف الخلق. المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 3/ 350 ــ 352، كتاب آداب الصحبة والمعاشرة، الباب الثاني في حقوق الأخوة والصحبة.


صفحه 210

وإياك وأن تمازح لبيباً[602]أو غير لبيب، فإن اللبيب يحقد عليك والسفيه[603]يجترئ عليك، لأن المزاح يخرق الهيبة، ويسقط ماء الوجه، ويعقب الحقد، ويذهب بحلاوة الود، ويشين فقه الفقيه ويجرئ السفيه، ويسقط المنزلة عند الحكيم، ويمقته[604]المتقون. وهو يميت القلب، ويباعد عن الرب، ويكسب الغفلة، ويورث الذلة، وبه تظلم السرائر وتموت الخواطر، وبه تكثر العيوب وتبين الذنوب. وقد قيل: لا يكون المزاح إلا من سخف أو بطر، ومن بلي في مجلس بمزاح أو لفظ فليذكر الله تعالى عند قيامه. قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: من جلس في مجلس وكثر فيه لفظه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: «سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك» غفر له ما كان في مجلسه ذلك[605].


صفحه 211

الباب الثالث

الإخاء والإلفة


صفحه 212

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة


صفحه 213

في الإخاء والإلفة

قال تعالى في معرض الامتنان:((لَوْ أَنفَقْتَ ماا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ماا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْوَلكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ))[606].

وقال تعالى:((فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوانًا))[607]يعني بالإلفة[608].

ثم ذم التفرقة وزجر عنها فقال:((وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُواْ))[609].

وقال:((وَلا تَكُونُواْ كالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ))[610].

[606]سورة الأنفال/ 63.

[607]سورة آل عمران/103.

[608]أمر تعالى بتذكر نعمه وأعظمها الإسلام وإتباع نبيه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإن به زالت العداوة والفرقة وكانت المحبة والألفة.

الجامع لأحكام القرآن، القرطبي: 4/ 164، تفسير سورة آل عمران.

[609]سورة آل عمران / 103.

[610]سورة آل عمران/105.


صفحه 214

وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: من أراد الله به خيراً رزقه خليلاً صالحاً، إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه[611].

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: من آخى أخاً في الله[612]رفع الله له درجة[613]في الجنة لا ينالها بشيء من عمله[614].

وقال أمير المؤمنين عليه السلام: أعجز الناس من عجز عن اكتساب الإخوان، وأعجز منه من ضيع من ظفر به[615].[616]

وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله والتولي لأولياء الله[617]والتبري من أعداء الله[618].[619]

وقال الباقر عليه السلام: إذا أردت أن تعلم أن فيك خيراً فانظر إلى قلبك، فإن كان يحب أهل طاعة الله ويبغض أهل معصيته ففيك خير والله يحبك, وإذا كان يبغض أهل طاعة الله ويحب أهل معصيته فليس فيك خير والله يبغضك، والمرء مع من أحب[620].

[611]المعجم الأوسط، الطبراني: 4/294. وفيه النص: "من ولي من أمر المسلمين شيئا فأراد الله به خيرا رزقه وزيرا صالحا، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه".

[612]في الفيض: "الله عزّوجل".

[613]في الفيض: "رفعه الله درجة".

[614]فيض القدير، المناوي: 5/ 526/ ح7789.

[615]في النهج: "به منهم".

[616]نهج البلاغة، الشريف الرضي: 470، حكم أمير المؤمنين عليه السلام/ح12.

[617]في المعاني: "وتولي أولياء الله".

[618]في المعاني: "الله عزّوجل".

[619]معاني الأخبار، الصدوق: 398 ــ 399، باب نوادر المعاني/ح55.

[620]مصادقة الإخوان، الصدوق: 51، باب محبة الإخوان/ ح3.


صفحه 215

وتحقيق المقام في بيان الحب والبغض في الله: إن الصحبة تنقسم إلى ما يقع بالاتفاق ــ كالصحبة بحسب الجوار وبحسب الاجتماع في مدرسة أو سوق أو سفر أو على باب السلطان أو غير ذلك ــ وإلى ما ينشأ اختياراً أو يقصد، وهو الذي يبعث على الأخوة في الدين، إذ لا ثواب إلا على الأفعال الاختيارية[621].

والصحبة عبارة عن المجالسة والمخالطة والمجاورة، وهذه الأمور لا يقصد بها الإنسان غيره إلا إذا أحبه، فإن غير المحبوب يجتنب ويباعد ولا تقصد مخالطته.

والمحبوب إما أن يحب لذاته، وإما أن يحب ليتوصل به إلى مقصود آخر وراءه، وذلك المقصود إما أن يكون مقصوراً على الدنيا وحظوظها، وإما أن يكون متعلقاً بالآخرة، وإما أن يكون متعلقاً بالله تعالى. فهذه أربعة أقسام:

القسم الأول:وهو حبك الإنسان لذاته، وهو ممكن أن يكون هو في ذاته محبوباً عندك على معنى أنك تلتذ برؤيته ومعيته ومشاهدة أخلاقه لاستحسانك له، فإن كل جميل لذيذ في حق من أدرك جماله، وكل لذيذ محبوب، واللذة تتبع الاستحسان، والاستحسان يتبع الملاءمة والمناسبة والموافقة بين الطباع.

ثم ذلك المستحسن إما أن يكون الصورة الطاهرة ــ أي الخلقة ــ وإما أن يكون الصورة الباطنة، وهي كمال العقل وحسن الخلق، ويتبع حسن الأخلاق حسن

[621]قال المجلسي: "النية تطلق على النية المقارنة للفعل و على العزم المتقدم عليه سواء تيسر العمل أم لا وعلى التمني للفعل وإن علم عدم تمكنه منه والمراد هنا أحد المعنيين الآخرين ويمكن أن يقال إن النية لما كانت من الأفعال الاختيارية القلبية فلا محالة يترتب عليها ثواب وإذا فعل الفعل المنوي يترتب عليه ثواب آخر ولا ينافي اشتراط العمل بها تعدد الثواب كما أن الصلاة صحتها مشروطة بالوضوء ويترتب على كل منهما ثواب إذا اقترنا".

بحار الأنوار، المجلسي: 67/200، كتاب الإيمان والكفر، أبواب مكارم الأخلاق، باب 53 النية وشرائطها / بيان حديث 4.


صفحه 216

الأفعال لا محالة، ويتبع كمال العقل غزارة العلم، وكل ذلك مستحسن عند ذي الطبع السليم والعقل المستقيم. وكل مستحسن مستلذ به ومحبوب، بل في ائتلاف القلوب أمر أغمض من هذا، فإنه قد تستحكم المودة بين شخصين من غير ملاحة في صورة وحسن في خلق وخلق، ولكن بمناسبة باطنة توجب الإلفة والموافقة، فإن شبه الشيء ينجذب إليه بالطبع، والأشباه الباطنة خفية ولها أسباب دقيقة ليس في قوة البشر الاطلاع عليها، وعنه عبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف[622]. فالتناكر نتيجة التباين، والائتلاف نتيجة التناسب الذي عبر عنه بالتعارف.

ويدخل في هذا القسم المحبة للجمال إذا لم يكن المقصود قضاء الشهوة وهذا الحب لا يدخل فيه الحب لله، بل هو الحب بالطبع وشهوة النفس، وهو إن اتصل به غرض مذموم صار مذموماً وإلا فهو مباح.

القسم الثاني:أن يحبه لينال من ذاته غير ذاته، فيكون وسيلة إلى محبوب غيره، والوسيلة إلى المحبوب محبوب، ولذلك يحب الناس الذهب والفضة من حيث إنهما وسيلة إلى المقاصد، وهو إن كان لفائدة دنيوية لم يكن من جملة الحب في الله، ثم ينقسم ذلك إلى مذموم ومباح.

القسم الثالث:أن يحبه لا لذاته بل لغيره، وذلك الغير غير راجع إلى حظوظه في الدنيا بل يرجع إلى حظوظه في الآخرة، كمن يحب أستاذه وشيخه لأن يتوسل به إلى تحصيل العلم وتحسين العمل، ومقصوده من العلم والعمل الفوز في الآخرة، فهذا من جملة المحبين لله، وكذلك من يحب تلميذه لأنه يتلقف منه العلم

[622]من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق: 4/380، كتاب الفرائض والمواريث، باب النوادر، من ألفاظ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الموجزة/ ح56.