این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
في الطهارة
وفيه فصول
الفصل الأول: في النية
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إنما الأعمال بالنيات»[150]. وقال الصادق عليه السلام: «نية المؤمن خير من عمله»[151].
إعلم أن النية أصل العبادة، وبها تمتاز عن العادة، وتطلق النية على معان أربعة:
الأول:ما عليه أكثر العامة العمياء من أنها اللفظ الذي يتلفظ به حين الشروع في الفعل، كأن يقول من أراد الوضوء: «أتوضأ لرفع الحدث قربة إلى الله تعالى» ونحوه وإن لم يكن في قلبه معنى هذه الألفاظ، وهذا لغو باطل بإجماع العلماء.
[150]تهذيب الأحكام، الطوسي: 1/83، كتاب الطهارة، باب 4 صفة الوضوء والفرض منه والسنة والفضيلة/ ح67.
[151]الإستبصار، الطوسي: 2/ 62، كتاب الزكاة، باب 32 ما أباحوه لشيعتهم من الخمس في حال الغيبة/ح12.
الثاني:إنها الإخطار بالبال، بأن تخطر هذه المعاني بباله ويتعقل معانيها، وهذا قريب من سابقه أيضاً لأن ثمرة النية هي الإخلاص والخلاص من الرياء، ولعل الداعي للإنسان على العمل هو الرياء ونحوه ولا ينفعه تصور هذه المعاني وإخطارها بباله وإجراؤها على قلبه.
الثالث:القصد المقارن للفعل، بأن يكون قاصداً لإيقاع الفعل حين الشروع فيه ولا يقع عن سهو وغفلة، وهذا المعنى لا يتصور خلو الفاعل العاقل غير الذاهل عنه، ولهذا قال بعض المحققين: لو كلفنا الله بإيقاع الأفعال بلا نيّة لكان تكليفاً بما لا يطاق[152].
والرابع:الداعي والباعث على الفعل، وهذا هو الحق والمأمور به، فإن كان الداعي للإنسان على عبادته وأفعاله صحيحاً مأموراً به كانت نيته صحيحة وعمله مقبولاً وإن لم يخطر تلك الألفاظ والمعاني بخاطره، وإن كان الداعي والباعث له أمراً فاسداً ــ من رياء ونحوه ــ كان عمله باطلاً وإن أخطر القربة بخاطره وتصور معاني تلك الألفاظ بقلبه.
وهذه النية غير داخلة تحت الاختيار، لما عرفت من أنها انبعاث النفس وتوجهها إلى ملائم ظهر لها أن فيه غرضها إما عاجلاً أو آجلاً، وما لم يعتقد الإنسان أن غرضه منوط بفعل من الأفعال فلا يتوجه نحوه قصده، وذلك مما لا يتمكن من اعتقاده في كل حين بل لا بد له من رياضة واجتهاد، وإذا اعتقد فإنما يتوجه القلب إذا كان فارغاً غير مصروف عنه بغرض شاغل أقوى منه، وذلك لا يمكن في كل وقت.
[152]أنظر: الحبل المتين، البهائي: 220. الحدائق الناضرة، البحراني: 11/ 469.
والدواعي والصوارف لها أسباب كثيرة بها تجتمع، ويختلف ذلك بالأشخاص والأحوال والأعمال، فإذا غلبت شهوة النكاح ولم يعتقد غرضاً صحيحاً في الولد لم يمكنه أن يتزوج على نية الولد، بل لا يمكن إلا على نية قضاء الشهوة إذ النية هي إجابة الباعث ولا باعث إلا الشهوة فكيف ينوي الولد.
نعم طريق اكتساب هذه النية مثلاً أن يقوى أولاً إيمانه بالشرع، ويقوى إيمانه بعظم ثواب من سعى في تكثير أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويدفع عن نفسه جميع المنفرات[153]عن الولد من ثقل المؤونة وطول التعب وغيره، وإذا فعل ذلك فربما انبعث من قلبه رغبة الى تحصيل الولد للثواب، فتحركه تلك الرغبة وتحرك أعضاءه لمباشرة العقد، وإذا انتهضت القدرة المحركة للسان بقبول العقد طاعة لهذا الباعث الغالب على القلب كان ناوياً، وإذا لم يكن كذلك فما يقدره في نفسه ويردده في قلبه من قصد الولد وسواس وهذيان[154].
ولهذا امتنع جمع من العارفين من الطاعات، حيث لم تحضرهم النية، وكانوا يعتذرون بعدم حضور النية، فإن النية روح الأعمال، والعمل بغير نية صادقة رياء أو تكلف، وهو سبب المقت لا القرب[155].
[153]نفر ينفر نفورا ونفارا: إذا فر وذهب.
لسان العرب، ابن منظور: 5/ 224، مادة "نفر".
[154]الهذيان: كلام غير معقول. مثل كلام المبرسم والمعتوه.
كتاب العين، الفراهيدي: 4/ 81، مادة "هذي".
[155]قال أمير المؤمنين عليه السلام: «ستة أشياء لم يتبينها أحد قبلي، ولم يبينها أحد بعدي، الإسلام هو التسليم، والتسليم هو اليقين، واليقين هو التصديق، والتصديق هو الإقرار، والإقرار هو العمل، والعمل هو النية».
معدن الجواهر، الكراجكي: 54، باب ذكر ما جاء في ستة.
عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث: «والنية أفضل من العمل ألا وأن النية هي العمل، ثم تلا قوله تعالى: ((قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ)) سورة الإسراء /84، يعني: على نيته».
وسائل الشيعة، الحر العاملي: 1/ 51، أبواب مقدمة العبادات، باب استحباب نية الخير والعزم عليه/ ح97.
عن علي بن الحسين عليه السلام قال: «لا عمل إلا بنية».
وقال العلامة محمد باقر المجلسي في بيان هذا الحديث:"تبيين لا عمل إلا بنية، أي: لا عمل صحيحة كما فهمه الأكثر إلا بنية، وخص بالعبادات، لأنه لو كان المراد مطلق تصور الفعل وتصور فائدته والتصديق بترتب الغاية عليه وانبعاث العزم من النفس إليه فهذا لازم لكل فعل اختياري، ومعلوم أنه ليس غرض الشارع بيان هذا المعنى بل لابد أن يكون المراد بها نية خاصة خالصة بها يصير العمل كاملا أو صحيحا، والصحة أقرب إلى نفي الحقيقة الذي هو الحقيقة في هذا التركيب، فلا بد من تخصيصها بالعبادات لعدم القول باشتراط نية القربة وأمثالها في غيرها، ولذا استدلوا به وبأمثاله على وجوب النية وتفصيله في كتب الفروع.
وقال المحقق الطوسيP في بعض رسائله:النية،هي:القصد إلى الفعل وهي واسطة بين العلم والعمل إذ ما لم يعلم الشئ لم يمكن قصده وما لم يقصده لم يصدر عنه،ثم لما كان غرض السالك العامل الوصول إلى مقصد معين كامل على الإطلاق وهو الله تعالى لابد من اشتماله على قصد التقرب به.
وقال بعض المحققين: يعني لا عمل يحسب من عبادة الله تعالى ويعد من طاعته بحيث يصح أن يترتب عليه الأجر في الآخرة إلا ما يراد به التقرب إلى الله تعالى والدار الآخرة، أعني: يقصد به وجه الله سبحانه أو التوصل إلى ثوابه أو الخلاص من عقابه. وبالجملة امتثال أمر الله تعالى فيما ندب عباده إليه ووعدهم الأجر عليه، وإنما يأجرهم على حسب أقدارهم ومنازلهم ونياتهم، فمن عرف الله بجماله وجلاله ولطف فعاله فأحبه واشتاق إليه وأخلص عبادته له لكونه أهلا للعبادة ولمحبته له
أحبه الله وأخلصه واجتباه وقربه إلى نفسه وأدناه قربا معنويا ودنوا روحانيا كما قال في حق بعض من هذه صفته: ((وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ)) سورة ص/ 25.
بحار الأنوار، المجلسي: 67/ 185 ــ 186، كتاب الإيمان والكفر، أبواب مكارم الأخلاق، باب 53 النية وشرائطها ومراتبها/ ح1.
.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
وعن الصادق عليه السلام: «أنه أتاه مولىً له فسلم عليه وجلس، فلما انصرف انصرف معه الرجل، فلما انتهى إلى باب داره دخل وترك الرجل فقال له ابنه إسماعيل: يا أبه ألا كنت قد عرضت عليه الدخول؟ فقال: لم يكن من شأني إدخاله. قال: فهو لم يكن يدخل؟ قال: يا بني إني أكره أن يكتبني الله عراضاً»[156].
الفصل الثاني: في الإخلاص
وهو تجريد النية من الشوائب والمفاسد. قال الله تعالى:((وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ))[157]وقال تعالى:((أَلا لِلّهِ الدِّينُ الْخالِصُ))[158]وقال:((إِلاّ الَّذِينَ تابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُواْ بِاللّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلّهِ))[159].
وفي الكافي عن الرضا عليه السلام: إن أمير المؤمنين عليه السلام كان يقول: «طوبى لمن أخلص لله العبادة والدعاء، ولم يشغل قلبه بما ترى عيناه، ولم ينس ذكر الله بما تسمع أذناه، ولم يحرك[160]صدره بما أُعطي غيره»[161].
وعن الصادق عليه السلام في قوله تعالى:((لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً))[162]قال: «ليس يعني أكثرهم عملاً وإنما الإصابة خشية الله والنية الصادقة والخشية». ثم قال:
[156]المحاسن، البرقي: 2/ 417، كتاب المآكل من المحاسن، باب 22 العرض على أخيك/ ح180. وفيه: "أتاه مولى له فسلم عليه ومعه ابنه إسماعيل فسلم عليه وجلس فلما انصرف أبو عبداللهعليه السلام انصرف معه الرجل فلما انتهى أبو عبد الله عليه السلام إلى باب داره ... الحديث".
[157]سورة البينة/ 5.
[158]سورة الزمر/ 3.
[159]سورة النساء/ 146.
[160]في الكافي: "يحزن".
[161]الكافي، الكليني: 2/16، كتاب الإيمان والكفر، باب الإخلاص/ ح3.
[162]سورة هود/ 7.
«الإبقاء على العمل حتى يخلص أشد من العمل، والعمل الخالص الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلا الله عزّوجل، والنية أفضل من العمل، ألا وإن النية هي العمل»، ثم تلا قوله تعالى:((قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شاكِلَتِهِ))[163]يعني على نيته[164].
وعن المهدي[165]عن الباقر عليهما السلام قال: «ما أخلص عبد الإيمان بالله أربعين يوماً» ــ أو قال: «ما أجمل عبد ذكر الله أربعين يوماً ــ إلا زهده الله في الدنيا، وبصره داءها ودواءها، وأثبت الحكمة في قلبه، وأنطق بها لسانه»[166].
واعلم أن الإخلاص له مراتب متفاوتة:
أولها:مرتبة الشاكرين، وهم الذين يعبدون الله تعالى شكراً على نعمائه غير المتناهية، كما قال تعالى:((وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لا تُحْصُوهَا))[167]. وقال أمير المؤمنين عليه السلام في النهج:«إن قوماً عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار، وإن
[163]سورة الإسراء/ 84.
[164]الكافي، الكليني: 2/16، كتاب الإيمان والكفر، باب الإخلاص/ ح4. وفيه النص: «عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام فِي قَوْلِ اللَّهِ عزّوجل: ((لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً)) سورة هود/ 7. قالَ: لَيْسَ يَعْنِي أَكْثَرَ عَمَلاً وَلَكِنْ أَصْوَبَكُمْ عَمَلاً، وَإِنَّمَا الإِصَابَةُ خَشْيَةُ اللَّهِ وَالنِّيَّةُ الصَّادِقَةُ وَالْحَسَنَةُ، ثُمَّ قالَ: الإِبْقَاءُ عَلى الْعَمَلِ حَتَّى يَخْلُصَ أَشَدُّ مِنَ الْعَمَلِ، وَالْعَمَلُ الْخالِصُ الَّذِي لا تُرِيدُ أَنْ يَحْمَدَكَ عَلَيْهِ أَحَدٌ إِلاَّ اللَّهُ عزّوجل، وَالنِّيَّةُ أَفْضَلُ مِنَ الْعَمَلِ، أَلا وَإِنَّ النِّيَّةَ هِيَ الْعَمَلُ، ثُمَّ تَلا قَوْلَهُ عزّوجل: ((قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ)) سورة الإسراء/ 84 . يَعْنِي عَلى نِيَّتِهِ».
[165]في المستدرك: "عن السدي".
[166]مستدرك الوسائل، المحدث النوري: 5/295، كتاب الصلاة، أبواب الذكر، باب 5 استحباب كثرة الذكر بالليل والنهار/ ح17.
[167]سورة النحل/ 18.
قوماً عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وإن قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار»[168].
ثانيها:عبادة المقربين، وهم الذين يعبدون الله تقرباً إليه، والمراد بالقرب إما بحسب المنزلة والرتبة والكمال، حيث إن واجب الوجود كامل من جميع الجهات والممكن ناقص من جميع الجهات[169]، فإذا سعى العبد في إزالة النقائص والرذائل عنه قرب قرباً معنوياً، كما ورد في الحديث: «تخلقوا بأخلاق الله»[170]. وأما القرب من حيث المحبة والمصاحبة كما إذا كان شخص بالمشرق وآخر بالمغرب وبينهما كمال المحبة والارتباط ولا يغفل أحدهما عن ذكر صاحبه ونشر مدائحه وكمالاته يقال: بينهما كمال القرب. وإذا كانا متقاربين في المكان وبينهما ضد ذلك يقال: بينهما كمال البعد. ويراد بالقرب والبعد المعنويان.
ثالثها:عبادة المستحين، وهم قوم يبعثهم على الأعمال والطاعات الحياء من الله تعالى، حيث علموا بأنه مطلع على ضمائرهم وعالم بما في خواطرهم ومحيط بدقائق أمورهم، فاستحوا من أن يبارزوه بالمعاصي وبادروا إلى الطاعات والعبادات، كما ورد «أعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك»[171]. وفي وصية لقمان لولده: يا بني إذا أردت أن تعصي ربك فاعمد إلى مكان لا يراك الله فيه[172].
[168]نهج البلاغة، الشريف الرضي: 510، حكم أمير المؤمنين عليه السلام/ ح237.
([169]) الله تعالى واجب الوجود لذاته،بمعنى:انه لا يفتقر في وجوده إلى غيره ولا يجوز عليه العدم،بدليل أنه لو كان ممكن الوجود لافتقر إلى صانع كافتقار هذا العالم،وذلك محال على المنعم المعبود.
الرسائل العشر، الشيخ الطوسي: 93، مسائل كلامية، مسائل التوحيد.
([170]) جامع السعادات ، النراقي : 3 / 116 . شرح الأسماء الحسنى ، السبزواري : 2/41.
([171]) مصباح الشريعة، الإمام الصادق عليه السلام: 8 ، الباب الثاني.
([172]) جامع الأخبار، الشعيري: 130 ــ 131، الفصل 89 في الموعظة، وفيه النص: «عن علي بن الحسين عليه السلام: أنه جاء رجل، وقال: أنا رجل عاص ولا أصبر عن المعصية فعظني بموعظة، قال عليه السلام: افعل خمسة أشياء وأذنب ما شئت: فأول ذلك لا تأكل رزق الله وأذنب ما شئت، والثاني أخرج من ولاية الله وأذنب ما شئت، والثالث اطلب موضعا لا يراك الله وأذنب ما شئت، والرابع إذا جاء ملك الموتليقبض روحك فادفعه عن نفسك وأذنب ما شئت، والخامس إذا أدخلك ملك في النار فلا تدخل في النار وأذنب ما شئت».