فيغلق عن نفسه باب الكبر بعد معرفته إياها، ويفر من الذنوب، ويفتح باب التواضع والندم والحياء، ويجتهد في أداء أوامره واجتناب نواهيه، طلباً لحسن المآب[228]وطيب الزلف[229]، ويسجن نفسه في سجن الخوف والصبر والكف عن الشهوات إلى أن يتصل بأمان الله في دار القرار ويذوق طعم رضاه، فإن المعول ذلك وما عداه لا شيء[230].
الفصل الخامس: في السواك
قال صلى الله عليه وآله وسلم: «صلاة على أثر سواك أفضل من خمس وسبعين صلاة بغير سواك»[231].
وقال الصادق عليه السلام: «إذا قمت بالليل فاستك، فإن الملك يأتيك فيضع فاه على فيك وليس من حرف تتلوه[232]إلا صعد به إلى السماء، فليكن قولك[233]طيب الريح»[234].
[228]المآب: المرجع.
غريب الحديث، ابن سلام: 2/ 69.
[229]الزلف والزلفة والزلفى: القربة والدرجة والمنزلة.
لسان العرب، ابن منظور: 9/ 138، مادة "زلف".
[230]رسائل الشهيد الثاني، الشهيد الثاني: 116 ــ 117، أسرار الصلاة.
[231]أعلام الدين، الديلمي: 273، فصل من كلام سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وفيه النص: «صلاة على اثر السواك خير من خمس وسبعين صلاة بغير سواك».
[232]في المصدر: "تتلوه وتنطق به".
[233]في المصدر: "فوك".
[234]الكافي، الكليني: 3/ 23، كتاب الطهارة، باب السواك/ ح7.
وفي مصباح الشريعة قال الصادق عليه السلام: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «السواك مطهرة[235])للفم، مرضاة للرب»[236]).
وجعلها من سننه المؤكدة، وفيها منافع للظاهر والباطن ما لا يحصى لمن عقل. وكما تزيل ما تلوث من أسنانك من مطعمك ومأكلك بالسواك كذلك فأزلنجاسة ذنوبك بالتضرع والخشوع والتهجد والاستغفار بالأسحار، وطهر باطنك وظاهرك من كدورات المخالفات وركوب المناهي كلها خالصاً لله تعالى،فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أراد باستعمالهمثلاً لأهل اليقظة،وهو أن المسواك نبات لطيف نظيف وغصن شجر عذب مبارك.
والأسنان خلق خلقه الله تعالى في الحلق آلة وأداة للمضغ وسبباً لاشتهاء الطعام وإصلاح المعدة، وهي جوهرة صافية تتلوث بما يمضغ من الطعام وتتغير بها رائحة الفم، ويتولد منها الفساد في الدماغ، فإذا استاك المؤمن الفطن بالنبات اللطيف ومسحه على الجوهرة الصافية أزال عنها الفساد والتغيير وعادت إلى أصلها، كذلك خلق الله القلب طاهراً صافياً، وجعل غذاءه الفكر والذكر والهيبة والتعظيم، وإذا شيب القلب الصافي فعدلته بالغفلة والكدر صقلبمصقلة التوبة ونظف بماء الإنابة، ليعود الى حالته الأولى، وجوهرته الأصلية الصافية. قال الله عزّوجل:((إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ))[237]).
وإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمرنا باستواك ظاهرالأسنانوأراد بهذا المعنى المثل، ومن أناخ تفكره على باب العبرة في استخراج مثلهذه الأمثال في الأصل والفرع فتح اللهله عيون الحكمة، والمزيد من فضل الله و((اللّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ))[238].
[235]في المصباح: "مطهر".
[236]مصباح الشريعة، الإمام الصادق عليه السلام: 123، الباب الثامن والخمسون في السواك.
[237]سورة البقرة/ 222.
[238]سورة التوبة/ 120.
الفصل السادس: في الوضوء
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «من توضأ فذكر اسم الله طهر جميع جسده، وكان الوضوء إلى الوضوء كفارة لما بينهما من الذنوب، ومن لم يسم لم يطهر جسده[239]إلا ما أصابه الماء»[240].
وكأن السر في ذلك أن التسمية تنبه القلب وتطهره عن الغفلة عن ذكر الله، وإذا طهر القلب الذي هو الرئيس طهرت جميع الأعضاء.
قال الشهيد الثاني[241]رحمه الله: أما الطهارة فليستحضر في قلبه أن تكليفه فيها بغسل الأطراف الظاهرة وتنظيفها لاطلاع الناس عليها، ولكون تلك الأعضاء مباشرة للأمور الدنيوية المنهمكة في الكدورات الدنية، فلأن يطهر مع ذلك قلبه الذي هو موضع نظر الحق تعالى، فإنه لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر الى قلوبكم[242]، ولأنه الرئيس الأعظم لهذه الجوارح والمستخدم لها في الأمور للبعدة عن جنابه تعالى وتقدس أولى وأحرى، بل هذا تنبيه واضح على ذلك وبيان شاف لما هنالك.
وليعلم من يطهر تلك الأعضاء عند الاشتغال بعبادة الله تعالى والإقبال عليه والالتفات عن الدنيا، فلذلك أمر بالتطهير من الدنيا عند الاشتغال والإقبال على الأخرى، فأمر في الوضوء بغسل الوجه لأن التوجه والإقبال بوجه القلب على الله به، وفيه أكثر الحواس الظاهرة التي هي أعظم الأسباب الباعثة على مطالب الدنيا، فأمر بغسله ليتوجه به وهو خال من تلك الأدناس، ويترقى بذلك الى تطهير ما هو الركن الأعظم في القياس.
[239]في المصدر: "لم يطهر من جسده".
[240]جامع الأخبار، الشعيري: 63، الفصل 29 في الوضوء.
[241]مرت ترجمته.
[242]أنظر: جامع الأخبار، الشعيري: 100، الفصل 56 في الإخلاص.
ثم أمر بغسل اليدين لمباشرتهما أكثر أحوال الدنيا الدنية والمشتهيات الطبيعية.
ثم أمر بمسح الرأس لأن فيه القوة المفكرة التي يحصل بواسطتها القصد إلى تناول المرادات الطبيعية، وتنبعث الحواس حينئذ إلى الإقبال على الأمور الدنيوية المانع من الإقبال على الآخرة السنية.
ثم بمسح الرجلين لأن بهما يتوصل إلى مطالبه، ويتوصل إلى تحصيل مآربه على نحو ما ذكر في باقي الأعضاء، وحينئذ فيسوغ له الدخول في العبادة والإقبال عليها فائزاً بالسعادة ــ انتهى[243].
وفي مصباح الشريعة قال الصادق عليه السلام: «إذا أردت الطهارة والوضوء فتقدم إلى الماء تقدمك الى رحمة الله، فإن الله قد جعل الماء مفتاح قربته ومناجاته، ودليلاً إلى بساط خدمته، وكما أن رحمته تطهر ذنوب العباد كذلك نجاسات الظاهر يطهرها الماء لا غيره»، قال الله تعالى:((وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنا مِنَ السَّماء مَاء طَهُورًا))[244]وقال عزّوجل:((وَجَعَلْنا مِنَ الْماء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ))[245]، فكما أحيا به كل شيء من نعيم الدنيا كذلك بفضله ورحمته حياة القلوب بالطاعات.
وتفكر في صفاء الماء ورقته وطهوره وبركته ولطيف امتزاجه بكل شيء وفي كل شيء، واستعمله في تطهير الأعضاء التي أمرك الله بتطهيرها، وآت بآدابها فرائضه وسننه، فإن تحت كل واحدة منها فوائد كثيرة، إذا استعملتها بالحرمة انفجرت لك عين فوائده عن قريب.
[243]رسائل الشهيد الثاني، زين الدين بن علي الشهيد الثاني: 113 ــ 114.
[244]سورة الفرقان/ 48.
[245]سورة الأنبياء/30.
ثم عاشر خلق الله كامتزاج الماء بالأشياء، يؤدي كل شيء حقه ولا يتغير عن معناه معتبراً لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مثل المؤمن الخاص كمثل الماء»[246].
ولتكن صفوتك مع الله في جميع طاعاتك كصفوة الماء حين أنزله من السماء وسماه طهوراً[247]، وطهر قلبك بالتقوى واليقين عند طهارة جوارحك بالماء[248].
وفي علل[249]الفضل بن شاذان[250]عن الرضا عليه السلام: «إنما أمر بالوضوء ليكون العبد طاهراً إذا قام بين يدي الجبار عند مناجاته إياه، مطيعاً له في ما أمره، نقياً من الأدناس والنجاسة، مع ما فيه من ذهاب الكسل وطرد النعاس، وتزكية الفؤاد للقيام بين يدي الجبار»[251].
[246]مصباح الشريعة، الإمام الصادق عليه السلام: 128 ــ 129، الباب الستون في الطهارة.
[247]إشارة إلى قوله تعالى في سورة الفرقان/ الآية 48. ونصها: ((وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنا مِنَ السَّماء ماء طَهُورًا)).
[248]مصباح الشريعة، الإمام الصادق عليه السلام: 128 ــ 129، الباب الستون في الطهارة.
[249]إن كتاب العلل الذي ينقل منه الشهيد الثاني، وعنه ينقل الفيض الكاشاني، ومنه يروي أحاديثه السيد شبر، وهو للعلامة الفضل بن شاذان النيشابوري المتوفي سنة 260 هـ، لا تتوفر له طبعة يتم الرجوع إليها لذا يتم مقابلة الحديث عمن نقله من نسخته، ومن نقل عنهم، منهم: محمد بن علي الصدوق في من لا يحضره الفقيه، وزين الدين بن علي الشهيد الثاني في رسائله، والفيض الكاشاني في المحجة البيضاء، وغيرهم.
[250]الفضل بن شاذان النيسابوري: أبو محمد متكلم فقيه جليل القدر، كان أبوه من أصحاب يونس، وروى عن أبي جعفر الثاني، وقيل عن الرضا عليه السلام أيضا، وكان أحد أصحابنا الفقهاء العظام المتكلمين، حاله أعظم من أن يشار إليها. رجال ابن داود، ابن داود: 272/ الرقم1179.
[251]أنظر: علل الشرائع، الصدوق: 1/257، باب 182 علل الشرائع وأصول الإسلام/ ح9. وسائل الشيعة، الحر العاملي: 1/ 367، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء، باب 1 وجوبه للصلاة ونحوها/ ح9.
وإنما وجب على الوجه واليدين والرأس والرجلين، لأن العبد إذا قام بين يدي الجبار فإنما ينكشف من جوارحه ويظهر ما وجب فيه الوضوء، وذلك أنه بوجهه يسجد ويخضع وبيده يسأل ويرغب ويرهب ويتبتل[252]وبرأسه يستقبله في ركوعه وسجوده وبرجليه يقوم ويقعد[253].
الفصل السابع: في أسرار الغسل والتيمم
قال الشهيد الثاني[254]: أمر في الغسل بغسل جميع البشرة، لأن أدنى حالات الإنسان وأشدها تعلقاً وتملكاً بالملكات الشهوية حالة الجماع وموجبات الغسل، ولجميع بدنه مدخل في تلك الحالة، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن تحت كل شعر جنابة»[255].
فحيث كان جميع بدنه بعيداً عن المرتبة العلية منغمساً[256]في اللذات الدنية كان غسله أجمع من أهم المطالب الشرعية، ليتأهل لمقابلة الجهة الشريفة والدخول في العبادة المنيفة[257]، ويبعد عن القوى الحيوانية واللذات الدنيوية.
[252]التبتل: الانقطاع عن النساء وترك النكاح.
النهاية في غريب الحديث، ابن الأثير: 1/95.
[253]أنظر: المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 1/ 308 ، كتاب أسرار الطهارة.
[254]مرت ترجمته.
[255]فقه الرضا عليه السلام، الإمام الرضا عليه السلام: 81 ، باب 3 الغسل من الجنابة وغيرها. وفيه النص: «أن تحت كل شعرة جنابة».
[256]غمس: الغمس: إرساب الشيء في الشيء السيال، أو الندى، أو في ماء،أو صبغ،غمسه يغمسه غمسا،أي: مقله فيه، وقد انغمس فيه واغمس.
لسان العرب، ابن منظور: 6/156، مادة "غمس".
[257]طود منيف: جبل عال.
مجمع البحرين، الطريحي: 3/ 68، مادة "طود".
ولما كان للقلب من ذلك الحظ الأوفر والنصيب الأكمل كان الاشتغال بتطهيره من الرذائل والتوجهات المانعة من درك الفضائل أولى من تطهير تلك الأعضاء الظاهرة عند اللبيب[258]العاقل.
وأمر بالتيمم بمسح تلك الأعضاء بالتراب عند تعذر غسلها بالماء الطهور وضعاً لتلك الأعضاء الرئيسية وهضماً لها بتلقيها بأثر التربة الخسيسة.
وهكذا يخطر بباله أن القلب إذا لم يمكن تطهيره من الأخلاق الرذيلة وتحليته بالأوصاف الجميلة فليقمه في مقام الهضم والإزراء ويسقه بسياط الذل والإغضاء[259]، عسى أن يطلع عليه مولاه الرحيم وسيده الكريم، وهو منكسر متواضع، فيهبه نفحة من نفحات نوره اللامع، فإنه عند القلوب المنكسرة[260]كما ورد في الأثر، فترق من هذه الإشارات ونحوها إلى ما يوجب لك الإقبال وتلافي سالف الإهمال ـ انتهى[261].
وقال الرضا عليه السلام في تتمة الرواية السابقة: «وأمر بالغسل من الجنابة دون الخلاء لأن الجنابة من نفس الإنسان، وهو شيء يخرج من جميع جسده، والخلاء ليس هو من نفس الإنسان، إنما هو غذاء يدخل من باب ويخرج من باب»[262].
[258]لبيب: عاقل ذو لب.
لسان العرب، ابن منظور: 1/730، مادة "لبب".
[259]الاغضاء: التغافل عن الشيء.
مجمع البحرين، الطريحي: 3/ 317، مادة "غضي".
[260]إشارة إلى قوله تعالى في الحديث القدسي: «أنا عند المنكسرة قلوبهم».
منية المريد، الشهيد الثاني: 123، فصل 6 في فضل العلم من الآثار وتحقيقات بعض العلماء.
[261]أنظر: رسائل الشهيد الثاني، زين الدين بن علي الشهيد الثاني: 113. المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 1/306 ــ 307، كتاب أسرار الصلاة.
[262]علل الشرائع، الشيخ الصدوق:1/ 258، باب 182 علل الشرايع وأصول الإسلام/ح9. وفيه النص:أن الجنابة من نفس الإنسان ... الحديث. والنص كما في المتن في رسائل الشهيد الثاني، زين الدين بن علي: 115.
وفي رواية أخرى عنه عليه السلام[263]: «وعلة التخفيف في البول والغائط أنه أكثر وأدوم من الجنابة فرضي فيه بالوضوء لكثرته ومشقته ومجيئه بغير إرادة منه ولا شهوة، والجنابة لا تكون إلا بالاستلذاذ منهم لأنفسهم[264]»[265].
الفصل الثامن: في الاستحمام
قال أمير المؤمنين عليه السلام: «نعم البيت الحمام، يذكر فيه[266]النار ويذهب بالدرن»[267].
قيل: فيه إشارة إلى أنه ينبغي للعاقل أن لا يغفل عن ذكر الآخرة في لحظاته، فإنها مصيره ومستقره، فيكون له في كل ما يراه من ماء أو نار أو غيرهما عبرة وموعظة، فإن نظر إلى ظلمة تذكر ظلمة اللحد، وإن سمع صوتاً هائلاً تذكر نفخة الصور[268]، وإن رأى شيئاً حسناً تذكر نعيم الجنة[269]، وإن سمع
[263]أي: "الإمام الرضا عليه السلام".
[264]في الفقيه والوسائل: "والإكراه لأنفسهم".
[265]من لا يحضره الفقيه، الصدوق: 1/ 67 ــ 77، كتاب الطهارة، باب العلة التي من اجلها وجب الغسل من الجنابة ولم يجب من البول والغائط/ ح2. وسائل الشيعة، الحر العاملي: 2/ 178، كتاب الطهارة، أبواب الجنابة، باب 2 وجوب الغسل من الجنابة وعدم وجوبه من البول والغائط/ ح1.
[266]ليس في المصدر: "فيه".
[267]الكافي، الكليني: 6/496، كتاب الزي والتجمل، باب الحمام/ ح1.
[268]إشارة إلى قوله تعالى: ((وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّماوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاّ مَن شاء اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ)) سورة النمل/ 87.
[269]إشارة إلى قوله تعالى: ((وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ (29) وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ (30) وَماء مَّسْكُوبٍ (31) وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (33) وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ)) سورة الواقعة/ 27 ــ 34.