وصل عليه وآله، وحرك نفسك واسع بقلبك وقالبك عند الدعاء إلى الصلاة، وما يوجب الفلاح، وما هو خير الأعمال وأفضلها، وجدد عهدك بعد ذلك بتكبير الله وتعظيمه، واختمه بذكره كما افتتحت به، واجعل مبدأك منه وعودك إليه وقوامك به، واعتمادك على حوله وقوته، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم[280].
الفصل العاشر: في الوقت
قال الشهيد الثاني رحمه الله[281]: استحضر عند دخوله أنه ميقات جعله الله لك، لتقوم فيه بخدمته، وتتأهل للسؤال في حضرته والفوز بطاعته، وليظهر على قلبك السرور وعلى وجهك البهجة عند دخوله، لكونه سبباً لقربك ووسيلة إلى فوزك، واستعد له بالطهارة والنظافة ولبس الثياب الصالحة للمناجاة، كما تتأهب عند القدوم على ملك من ملوك الدنيا، وتلقاه بالوقار والسكينة والخوف والرجاء، واستحضر عظمة الله وجلاله، ونقصان قدرك وكماله.
وقد روي أن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحدثنا ونحدثه فإذا حضرت الصلاة فكأنه لم يعرفنا ولم نعرفه شغلاً بالله عن كل شيء[282].
[280]رسائل الشهيد الثاني، زين الدين بن علي: 121، أسرار الصلاة.
[281]زين الدين بن علي بن أحمد العاملي. مرت ترجمته.
[282]عدة الداعي، ابن فهد الحلي: 152، ما يكون قبل الدعاء كالطهارة وشم الطيب واستقبال القبلة والصدقة. عوالي اللئالي، ابن أبي جمهور: 1/ 324، الباب الأول في الأحاديث المتعلقة بأبواب الفقه، المسلك الأول/ ح61.
وكان علي عليه السلام إذا حضر وقت الصلاة يتململ[283]ويتزلزل[284]، فيقال له: ما لك يا أمير المؤمنين؟ فيقول: «جاء وقت أمانة عرضها الله على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها[285]»[286].
وكان علي بن الحسين عليه السلام إذا حضر الوضوء اصفر لونه[287].[288]
الفصل الحادي عشر: في لباس المصلي
قال أبو حامد[289]: وأما ستر العورة فاعلم أن معناه تغطية مقابح بدنك عن أبصار الخلق، فإن ظاهر بدنك موقع نظر الخلق، فما رأيك في عورات باطنك وفضائح سرك التي لا يطلع عليها إلا ربك، فأحضر تلك الفضائح ببالك وطالب
[283]قيل: قد تململ، وهو تقلبه على فراشه، قال: وتململه وهو جالس أن يتوكأ مرة على هذا الشق، ومرة على ذاك، ومرة يجثو على ركبتيه.
لسان العرب، ابن منظور: 11/ 631، مادة "ملل".
[284]ابن الأعرابي: رجف البلد إذا تزلزل، وقد رجفت الأرض وأرجفت إذا تزلزلت.
لسان العرب، ابن منظور: 9/113، مادة "رجف".
واهتز،أي: تزلزل.
مجمع البحرين، الطريحي: 4/ 426، مادة "هزز".
[285]إشارة إلى قوله تعالى: ((إِنّا عَرَضْنا الأَمانَةَ عَلى السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبالِ فأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَها الإِنسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولاً)) سورة الأحزاب/ 72.
[286]أنظر: تفسير نور الثقلين، الحويزي: 4/ 313، تفسير سورة الأحزاب/ ح265.
[287]عوالي اللئالي، ابن أبي جمهور الأحسائي:1/ 324،الباب الأول في الأحاديث المتعلقة بأبواب الفقه، المسلك الأول/ ح63.
[288]أنظر: رسائل الشهيد الثاني، زين الدين بن علي: 119 ــ 120.
[289]محمد بن محمد بن محمد الطوسي الغزالي. مرت ترجمته.
نفسك بسترها، وتحقق أنه لا يسترها عن عين الله ساتر وإنما يكفرها الندم والحياء والخوف، فتستفيد بإحضارها في قلبك انبعاث جنود الخوف والحياء من مكامنها، فتذل به نفسك وتسكن تحت الخجلة قلبك.
وتقوم بين يدي الله قيام العبد المجرم المسيء الآبق[290]الذي ندم فرجع إلى مولاه ناكساً[291]رأسه من الحياء والخوف[292].
وفي مصباح الشريعة: قال الصادق عليه السلام: «أزين اللباس للمؤمنين لباس التقوى، وأنعمه الإيمان، قال الله عزّوجل:((وَلِباسُ التَّقْوَىَ ذلِكَ خَيْرٌ))[293]، وإما اللباس الظاهر فنعمة من الله يستر بها عورات بني آدم، وهي كرامة أكرم الله بها عباده ذرية آدم عليه السلام ما لم يكرم بها غيرهم، وهي للمؤمنين آلة لأداء ما افترض الله عليهم.
وخير لباسك ما لا يشغلك عن الله تعالى بل يقربك من شكره وذكره وطاعته، ولا يحملك على العجب والرياء والتزين والمفاخرة والخيلاء، فإنها من آفات الدين ومورثة القسوة في القلب، وإذا لبست ثوبك فاذكر ستر الله عليك ذنوبك برحمته.
[290]الإباق: هرب العبد من سيده.
لسان العرب، ابن منظور: 10/ 3، مادة "أبق".
[291]نكس أنكسته نكسا: قلبته.
كتاب العين، الفراهيدي: 5/313، مادة "نكس".
[292]إحياء علوم الدين، الغزالي: 1/ 158، بيان تفصيل ما ينبغي أن يحضر في القلب عند كل ركن وشرط من أعمال الصلاة.
[293]سورة الأعراف/ 26.
وألبس باطنك بالصدق كما ألبست ظاهرك بثوبك، وليكن باطنك في ستر الرهبة وظاهرك في ستر الطاعة، واعتبر بفضل الله عزّوجل، حيث خلق أسباب اللباس لتستر العورات الظاهرة، وفتح أبواب التوبة والإنابة لتستر بها عورات الباطن من الذنوب وأخلاق السوء.
ولا تفضح أحداً حيث ستر الله عليك أعظم منه، واشتغل بعيب نفسك، واصفح عما لا يعنيك حاله وأمره.
واحذر أن تفني عمرك بعمل غيرك، ويتجر برأس مالك غيرك وتهلك نفسك، فإن نسيان الذنوب من أعظم عقوبة الله تعالى في العاجل وأوفر أسباب العقوبة في الآجل، وما دام العبد مشتغلاً بطاعة الله ومعرفة عيوب نفسه وترك ما يشين في دين الله فهو بمعزل من الآفات، خائض في بحر رحمة الله، يفوز بجواهر الفوائد من الحكمة والبيان، وما دام ناسياً لذنوبه جاهلاً بعيوبه راجعاً إلى حوله وقوته لا يفلح أبداً»[294].
الفصل الثاني عشر: في مكان المصلي
قال الشهيد الثاني رحمه الله[295]: استحضر فيه أنك كائن بين يدي ملك الملوك، تريد مناجاته والتضرع إليه والتماس رضاه ونظره إليك بعين الرحمة، فانظر مكاناً يصلح لذلك كالمساجد الشريفة[296]والمشاهد المطهرة[297]مع الإمكان، فإنه تعالى
[294]أنظر:مصباح الشريعة،الإمام الصادق عليه السلام:30،الباب الثالث عشر في اللباس.رسائل الشهيد الثاني، زين الدين بن علي:117 ــ 118. المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني:1/379 ــ 380.
[295]مرت ترجمته.
[296]مثل المسجد النبوي الشريف.
[297]وهي مراقد أهل البيت عليهم السلام وأبنائهم البررة صلوات الله عليهم أجمعين.
جعل تلك المواضع محلاً لإجابته ومظنة لقبوله ورحمته، ومعدناً[298]لمرضاته ومغفرته، على مثال حضرة الملوك الذين يجعلونها وسيلة لذلك، فادخلها ملازماً للسكينة والوقار، ومراقباً للخشوع والانكسار، سائلاً أن يجعلك من خلص عباده، وأن يلحقك بالماضين منهم.
وراقب الله كأنك على الصراط جائز، وكن متردداً بين الخوف والرجاء وبين القبول والطرد، فيخشع حينئذ قلبك ويخضع لبك، وتتأهل لأن يفيض عليك الرحمة وتنالك يد العاطفة، وترعاك عين العناية[299].
وفي مصباح الشريعة: قال الصادق عليه السلام: «إذا بلغت باب المسجد فاعلم أنك قصدت ملكاً عظيماً لا يطأ بساطه إلا المطهرون، ولا يؤذن بمجالسته إلا الصديقون، وهب القدوم إلى بساط خدمته هيبة الملك، فإنك على خطر عظيم إن غفلت.
واعلم أنه قادر على ما يشاء من العدل والفضل معك وبك، لأن عطف عليك بفضله ورحمته قبل منك يسير الطاعة وأجزل لك عليها ثواباً كثيراً جزيلاً وإن طالبك باستحقاقه الصدق والإخلاص عدلاً بك حجبك ورد طاعتك وإن كثرت، وهو ((فَعّالٌ لِما يُرِيدُ))[300].
واعترف بعجزك وتقصيرك وفقرك بين يديه، فإنك قد توجهت للعبادة له والمؤانسة به، واعرض أسرارك عليه، ولتعلم أنه لا يخفى عليه أسرار الخلائق أجمعين وعلانيتهم، وكن كأفقر عباده بين يديه.
[298]المعدن: مكان كل شيء يكون فيه أصله ومبدؤه نحو معدن الذهب والفضة والأشياء.
لسان العرب، ابن منظور: 13/ 279، مادة "عدن".
[299]أنظر: رسائل الشهيد، الشهيد الثاني: 118، أسرار الصلاة.
[300]سورة البروج/ 16.
وأخل قلبك عن كل شاغل يحجبك عن ربك، فإنه لا يقبل إلا الأطهر والأخلص، فانظر من أي ديوان يخرج اسمك، فإن ذقت من حلاوة مناجاته ولذيذ مخاطباته، وشربت بكأس رحمته وكراماته من حسن إقباله عليك وإجاباته وقد صلحت لخدمته، فادخل فلك الإذن والأمان، وإلا فقف وقوف مضطر قد انقطع عنه الحيل وقصر عنه الأمل وقضى الأجل، فإذا علم الله من قلبك صدق الالتجاء إليه نظر إليك بعين الرأفة والرحمة،والعطف،ووفقك لما يحب ويرضى، فإنه كريم يحب الكرامة لعباده المضطرين إليه المحترقين على بابه لطلب مرضاته. قال الله تعالى:((أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ))[301].[302]
الفصل الثالث عشر: في الاستقبال
قال أبو حامد[303]): وأما الاستقبال فهو صرف لظاهر وجهك عن سائر الجهات إلى جهة بيت الله، أفترى أن صرف القلب من سائر الأمور إلى أمر الله ليس مطلوباً منك؟! هيهات فلا مطلوب سواه.
وإنما هذه الظواهر تحريكات للبواطن وضبط للجوارح وتسكين لها بالإثبات في جهة واحدة حتى لا تبغى على القلب، فإنهاإذا بغت وظلمت في حركاتها إلى جهاتها استبغت القلب وانقلبت به عن وجه الله، فليكن وجه قلبكمع وجه بدنك.
[301]سورة النمل/ 62.
[302]أنظر: مصباح الشريعة، الإمام الصادقعليه السلام: 130 ــ 131، الباب الواحد والستون في دخول المسجد.
[303]مرت ترجمته.
واعلم أنه كما لا يتوجه الوجه إلى جهة البيت إلا بالصرف عن غيرها فلا ينصرف القلب إلى الله تعالى إلا بالتفرغ عما سوى الله، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا قام العبد إلى صلاته وكان هواه وقلبه إلى الله[304]انصرف كيوم ولدته أمه»[305]ــ انتهى[306].
وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «أما يخاف الذي يحول وجهه في الصلاة أن يحول الله وجهه وجه حمار»[307].
قيل: هذا نهي عن الالتفات عن الله وملاحظة عظمته في حال الصلاة، فإن الملتفت يميناً وشمالاً ملتفت عن الله تعالى وغافل عن مطالعة أنوار كبريائه ومن كان كذلك فيوشك أن تدوم تلك الغفلة عليه فيتحول وجه قلبه كوجه قلب الحمار في قلة عقله للأمور العلوية وعدم فهمه للعلوم.
وفي مصباح الشريعة: قال الصادق عليه السلام: «إذا استقبلت القبلة فأيئس من الدنيا وما فيها والخلق وما هم فيه، واستفرغ قلبك من كل شاغل يشغلك عن الله تعالى، وعاين بسرك عظمة الله، واذكر وقوفك بين يديه ((يوم تَبْلُو[308]كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَرُدُّواْ إِلى اللّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ))[309]، وقف على قدم الخوف والرجاء[310].
[304]في المستدرك: "إلى الله تعالى".
[305]مستدرك الوسائل، النوري: 3/ 59، كتاب الصلاة، باب 16 تأكد استحباب المداومة على النوافل والإقبال بالقلب على الصلاة/ ح11.
[306]أنظر: إحياء علوم الدين، الغزالي: 1/ 158، كتاب أسرار الصلاة.
[307]عوالي اللئالي، ابن أبي جمهور: 1/ 322، الباب الأول في الأحاديث المتعلقة بأبواب الفقه، المسلك الأول/ ح58.
[308]النص في القرآن الكريم: ((هُنالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مّا أَسْلَفَتْ وَرُدُّواْ إِلى اللّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مّا كانُواْ يَفْتَرُونَ)).
[309]سورة يونس/30.
[310]أنظر: مصباح الشريعة، الإمام الصادق عليه السلام: 87، باب 39 في افتتاح الصلاة.
الفصل الرابع عشر: في القيام
قال أبو حامد[311]: وأما الاعتدال قائماً فهو مثول بالقلب والشخص بين يدي الله تعالى، فليكن رأسك الذي هو أرفع أعضائك مطرقاً متطأطئاً منكساً، وليكن وضع الرأس عن ارتفاعه تنبيها على إلزام القلب التواضع والتذلل والتبري عن الترؤس والتكبر، وليكن على ذكرك هنا خطر المقام بين يدي الله في هول المطلع عند التعرض للسؤال.
واعلم في الحال أنك قائم بين يدي الله تعالى وهو مطلع عليك، فقم بين يديه قيامك بين يدي بعض ملوك الزمان إن كنت تعجز عن معرفة كنه جلاله، بل قدر في دوام قيامك في صلواتك أنك ملحوظ ومرقوب بعين كالئة[312]من رجل صالح من أهلك أو ممن ترغب في أن يعرفك بالصلاح، فإنه تهدأ عند ذلك أطرافك وتخشع جوارحك ويسكن جميع أجزائك، خيفة أن ينسبك ذلك العاجز المسكين إلى قلة الخشوع.
وإذا أحسست من نفسك التماسك عند ملاحظة عبد مسكين فعاتب نفسك وقل لها: إنك تدعين معرفة الله وحبه أفلا تستحين من اجترائك عليه مع توقيرك عبداً من عباده أو تخشين الناس ولا تخشينه، وهو أحق أن يخشى؟![313].
[311]مرت ترجمته.
[312]كلأه يكلؤه وكلاء وكلاءة، بالكسر: حرسه وحفظه.
لسان العرب، ابن منظور: 1/ 146، مادة "كلأ".
[313]أنظر: إحياء علوم الدين، الغزالي: 1/ 158 ــ 159، كتاب أسرار الصلاة ومهماتها، بيان تفصيل ما ينبغي أن يحضر في القلب عند كل ركن وشرط من أعمال الصلاة. أسرار الصلاة، الشهيد الثاني: 113 ــ 115، أسرار أركان الصلاة وآدابها، الفصل الثاني في المقارنات. الحقايق في محاسن الأخلاق، الفيض الكاشاني: 233، الفصل الثامن القيام في الصلاة. المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 1/ 382 ـــ 383، كتاب أسرار الصلاة، بيان تفصيل ما ينبغي أن يحضر في القلب عند كل ركن وشرط من أعمال الصلاة. أسرار العبادات، الفيض الكاشاني: 112، الآداب المعنوية لسائر مقدمات الصلاة وأفعالها، الآداب المعنوية للاعتدال. جامع السعادات، النراقي: 3/ 344 ـــ 345، فصل القيام.