الفصل الثالث: في الميزان والمعيار الذي يعرف به الإنسان نفسه هل هو متواضع أو متكبر
وإلا فقد يزعم الإنسان أنه متواضع وليس فيه كبر مع أنه متكبر عند الله وقد ضل سعيه، والامتحانات لذلك في الموازين، وهي خمسة:
الأول:أن يناظر في مسألة مع واحد من أقرانه، فإن ظهر شيء من الحق على لسان صاحبه فثقل عليه قبوله والانقياد له والاعتراف به والشكر له على تنبيهه فذلك يدل على أن فيه كبراً وترفعاً، فليتق الله وليشتغل بعلاجه بالعلم بخبث نفسه وخطر عاقبته، والعمل بأن يكلف نفسه ما يثقل عليه من الاعتراف بالحق وإطلاق اللسان بالحمد والثناء، ويقر على نفسه بالعجز ويشكره على الاستفادة.
الثاني:أن يجتمع مع الأقران والأمثال في المحافل ويقدمهم على نفسه ويجلس في الصدر تحتهم، فإن ثقل ذلك عليه فهو متكبر، فليواظب عليه تكلفاً حتى يسقط عنه ثقله، وههنا للشيطان مكيدة، وهي أن يجلس في صف النعال أو يجعل بينه وبين الأقران بعض الأرذال، فيظن أن ذلك تواضع وهو عين الكبر، فإن ذلك يخف على نفوس المتكبرين، إذ يوهمون أنهم إنما تركوا مكانهم بالاستحقار والتفضيل، فيكون قد تكبر وتكبر بإظهار التواضع أيضاً.
الثالث:أن يجيب دعوة الفقير ويمر إلى السوق في حاجة الرفقاء والأقارب، فإن ثقل ذلك عليه فهو كبر.
الرابع:أن يحمل حاجة نفسه وحاجة أهله ورفقائه من السوق إلى البيت، فإن أبت نفسه ذلك فهو كبر ورياء.
الخامس:أن لا يبالي بلبس الثياب البذلة، فإن نفور النفس من ذلك في الملأ رياء وفي الخلوة كبر. وفي هذه الثلاثة يشترط الاعتياد في الأزمنة والأمكنة والأشخاص.
واعلم أن المحمود من التواضع أن يتواضع في غير مذلة ومن غير تخاسس[570]فإن كلا الطرفين مذموم و«خير الأمور أوسطها»[571]، فمن تقدم على أمثاله فهو متكبر ومن تأخر عنهم فهو متواضع ، وأما إذا تواضع العالم للإسكاف[572]وأجلسه مكانه وسوى نعله فهو ملق[573]وتذلل و تخاسس[574].
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
الباب العاشر
الدنيا والآخرة
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
في الدنيا والآخرة
وفيه فصول
الفصل الأول: في معرفة الدنيا والآخرة
إعلم أن معرفة الدنيا والآخرة صعب شديد قد تحيّر فيه الفحول وتاه فيه أولو العقول: زعم قوم أن الدنيا عبارة عن المال، والحال أنه قد ورد مدحه في الكتاب والسنة كثيراً، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: نعم العون على طاعة[575]الله المال[576].
وزعم قوم أن الدنيا هي الحياة الدنيا، مع أنه بها يتوصل إلى السعادات الأبدية ويتخلص من الشقاوة السرمدية[577]، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: نعم العون على الآخرة الدنيا[578].
[575]في الكنز: "تقوى" بدل "طاعة".
[576]كنز العمال، المتقي الهندي: 3/ 239، في فوائد المال والدنيا المحمودة/ ح6342.
[577]السرمد: الدائم الذي لا ينقطع.
لسان العرب، ابن منظور: 3/ 212، مادة "سرمد".
[578]الكافي، الكليني: 5/ 72، كتاب المعيشة، باب الاستعانة بالدنيا على الآخرة/ ح9.
وزعم آخرون أن الدنيا المذمومة عبارة عن المآكل اللذيذة والمطاعم الجيدة والثياب الفاخرة والديار العامرة والخدم والحشم والأصحاب والأعوان مع أن بعض الأنبياء والأولياء كانوا كذلك ــ كيوسف وسليمان ــ.
والتحقيق أن من كان مشغولاً بالعلم والعبادة والحج والجهاد والصدقات وأداء الزكوات وقضاء الحوائج وزيارة الإخوان وعيادة المرضى وتشييع الجنائز وحضور الجمعة والجماعة والمواظبة على النوافل وسائر الطاعات قد يكون في بحبحة[579])الدنيا، ويصدق عليه أنه طالب الدنيا وأنه ملعون وأعماله ملعونة مردودة غير مقبولة، حيث لم يقصد بها وجه الله تعالى، ورب رجل كثير المال والخدم والحشم حسن المطعم والمشرب جيد الزي والملبس ذي ديار وسيعة وعمارات عالية ونساء جميلة ومراكب حسنة و((سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ(13)وَأَكْواابٌ مَوْضُوعَةٌ(14)وَنَماارِقُ[580]مَصْفُوفَةٌ(15)وَزَراابِيُّ[581]مَبْثُوثَةٌ[582]))[583])، وهو منأهل الآخرة وأعماله مقبولة وسعيه مشكور، حيث قصد بجميع ذلك التوصل إلى رضاء الله تعالى.
[579]بحبوحة الدار: وسطها.
يقال: تبحبح، إذا تمكن وتوسط المنزل والمقام.
النهاية في غريب الحديث، ابن الأثير: 1/99، باب الباء مع الحاء.
[580]الفراء في قوله تعالى: "ونمارق مصفوفة" سورة الغاشية/ 15.
هي: الوسائد، واحدتها: نمرقة، قال: وسمعت بعض كلب يقول: نمرقة، بالكسر.
وفي الحديث: اشتريت نمرقة، أي: وسادة، وهي بضم النون والراء وبكسرهما وبغير هاء، وجمعها: نمارق.
لسان العرب، ابن منظور: 10/ 361، مادة "نمرق".
[581]قال الفراء: الزرابي: الطنافس. وقال أبو عبيدة، هي: البسط.
غريب الحديث، ابن قتيبة: 2/ 171.
[582]مبثوثة: مفرقة في مجالسهم بكثرة.
مجمع البحرين، الطريحي: 2/ 273، مادة "زرب".
[583]سورة الغاشية/ 13 ــ 16.
فحينئذ الدنيا عبارة عن كل شيء يوجب البعد عن الله وإن كان صلاة وصوماً وحجاً وجهاداً وإنفاقاً وزهداً وقناعة، والآخرة كل شيء يوجب القرب من الله تعالى وإن كان مالاً ونساءً وخدماً وحشماً.
نعم في أغلب الأوقات وأكثر الأشخاص لا يتمكن الإنسان من التقرب إلى الله تعالى والإخلاص له إلاّ بترك المباحات فضلاً عن الشبهات والمحرمات، ولذلك حث الأنبياء الناس على ترك ما يوجب الميل إلى الدنيا وإن كان يمكن أن يتوصل به إلى الآخرة، لأن النفوس ضعيفة والشيطان قوي.
وبتقرير آخر نقول: الدنيا والآخرة عبارتان عن حالتين من أحوال قلبك، والقريب الداني منهما يسمى دنياً لدنوه، وهو كل ما قبل الموت، والمتراخي المتأخر يسمى آخرة، وهو ما بعد الموت، فكل ما لك فيه حظ وغرض ونصيب وشهوة ولذة في عاجل الحال قبل الوفاة فهي الدنيا في حقك، إلا أن جميع ما لك إليه ميل وفيه نصيب وحظ فليس بمذموم، بل هو على ثلاثة أقسام:
الأول:ما يصحبك في الدنيا وتبقى معك ثمرته بعد الموت، وهو العلم بالله وصفاته وأفعاله، ((وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ))[584]وشرائعه وأحكامه والعمل الخالص لوجه الله، وقد يلتذ الإنسان في الدنيا بالعلم والعبادة ويكونان عنده ألذ الأشياء، ولذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم: حبب إلي من دنياكم ثلاث: الطيب، والنساء وقرة عيني في الصلاة[585]. فجعل الصلاة من جملة الدنيا لدخولها في عالم الحس[586]
[584]سورة البقرة/ 285.
[585]معدن الجواهر، أبو الفتح الكراجكي: 31، باب ذكر ما جاء في ثلاثة.
[586]قال حميد الدين: "كان عالم العقل والنفس سابقا في الإبداعية على عالم الحس الذي هو الدنيا".
مصابيح الإمامة، حميد الدين الكرماني: 42، المصباح الرابع في إثبات صورة السياسة الربانية التي هي دار الجزاء ووجوبها، وأن دارها غير دار الدنيا التي هي العالم الطبيعي.