والشهادة مع أنها من أفضل القربات، وهذا ونحوه وإن أطلق عليه لفظ الدنيا لدنوه ولكنه من الدنيا الممدوحة التي هي العون على الآخرة لا المذمومة.
الثاني:نقيض الأول، وهو كل ما فيه حظ عاجل وليس له ثمرة في الآخرة، كالتلذذ بالمعاصي بل المباحات الزائدة على قدر الضرورة والتنعم بالقناطير[587]المقنطرة[588]من الذهب والفضة والخيل المسومة[589][590]وهذه هي الدنيا المذمومة.
[587]قال أبو عبيدة: القناطير: واحدها قنطار، ولا تجد العرب تعرف وزنه، ولا واحد للقنطار من لفظه.
وقال ثعلب: المعمول عليه عند العرب الأكثر أنه أربعة آلاف دينار، فإذا قالوا قناطير مقنطرة، فهى اثنا عشر ألف دينار.
وقيل: إن القنطار ملء جلد ثور ذهبا. و قيل: ثمانون ألفا. وقيل: هو جملة كثيرة مجهولة من المال.
النهاية في غريب الحديث، ابن الأثير: 4/ 113.
[588]المقنطرة: المكملة، كما تقول بدرة مبدرة، وألف مؤلف، أي تام. وعن الفراء: المقنطرة المضعفة ككون القناطير ثلاثة والمقنطرة تسعة.
مجمع البحرين، الطريحي: 3/ 523، مادة "قطر".
[589]السومة، بالضم: العلامة تجعل على الشاة، وفي الحرب أيضا، تقول: منه تسوم. وقوله تعالى: ((حِجارَةً مِن طِينٍ (33) مُسَوَّمَةً)) سورة الذاريات/ 33 ــ 34، أي: عليها أمثال الخواتيم.
الصحاح، الجوهري: 5/ 1955، مادة "سوم".
لسان العرب، ابن منظور: 12/ 312، مادة "سوم".
[590]إشارة إلى قوله تعالى: ((زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ)) سورة آل عمران/ الآية 14.
الثالث:وهو متوسط بين الطرفين، وهو كل حظ عاجل معين على أعمال الآخرة، وهو ما لابد منه للإنسان بحسب زيه وزمانه ومكانه من المأكول والملبوس والمشروب، فإذا تناوله الإنسان بقصد الاستعانة على العلم والعمل والطاعات والعبادات وحفظ الحياة وصيانة العرض ونحو ذلك مما أمر الشارع به في الشريعة المقدسة، فليس من الدنيا المذمومة في شيء وإن قصد به الترفه والتلذد[591]والتنعم، أو استعان به على المعاصي فهو من الدنيا، ولهذا ورد الحث على طلب الحلال وتحصيل المال للكفاف[592]، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: العبادة سبعون جزءاً أفضلها طلب الحلال[593].
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ملعون من ألقى كله على الناس[594].
وقال السجاد عليه السلام: الدنيا دنياءان: دنيا بلاغ، ودنيا ملعونة[595].
وقال الباقر عليه السلام: من طلب الرزق في الدنيا استعفافاً عن الناس وسعياً[596]على أهله وتعطفاً على جاره لقي الله عزّوجل[597]ووجهه مثل القمر ليلة البدر[598].
[591]لعله خطأ الناسخ وما يناسب سياق الجملة: «التلذذ».
[592]أنظر: جامع السعادات، النراقي: 2/ 25 ــ 46. إحياء علوم الدين، الغزالي: 3/ 191 ــ 196، كتاب ذم الدنيا.
[593]تهذيب الأحكام،الشيخ الطوسي:6/324،كتاب المكاسب،باب 93 المكاسب/ح12.
[594]تحف العقول، ابن شعبة الحراني: 37، ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قصار المعاني.
[595]الكافي، الكليني: 2/ 131، كتاب الإيمان والكفر، باب ذم الدنيا والزهد فيها/ ذيل الحديث 11.
[596]في الكافي: "وتوسيعا".
[597]في الكافي: "لقي الله عزّوجل يوم القيامة".
[598]الكافي،الكليني:5/78، كتاب المعيشة،باب الحث على الطلب والتعرض للرزق/ح5.
وقال الصادق عليه السلام: الكاد على عياله كالمجاهد في سبيل الله[599].
وقال عليه السلام[600]في رجل قال: لأقعدن في بيتي ولأصلين ولأصومنَّ ولأعبدن ربي فأما رزقي فسيأتي قال: هذا أحد الثلاثة الذين لا يستجاب لهم[601].
وقال عليه السلام[602]): إن الله[603])ليحب الاغتراب في طلب الرزق[604]).
وقال له رجل[605]): والله إنا لنطلب الدنيا ونحب أن نؤتاها. فقال: تحب أن تصنع بها ماذا؟ قال: أعود بها على نفسي وعيالي وأصل بها وأتصدق بها وأحج وأعتمر. فقالعليه السلام: ليس هذا طلب الدنياهذا طلب الآخرة[606]).
وقال عليه السلام[607]): ليس منا من ترك دنياه لآخرته[608]).
[599]الكافي، الكليني: 5/ 88، كتاب المعيشة، باب من كد على عياله/ ح1.
[600]أي: "الإمام الصادق عليه السلام".
[601]أنظر: مستطرفات السرائر، ابن إدريس الحلي: 634.
[602]أي: "الإمام الصادق عليه السلام".
[603]في الفقيه: "الله تبارك وتعالى".
[604]من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق: 3/ 156، كتاب المعيشة، باب المعايش والمكاسب والفوائد والصناعات/ ح6.
[605]في الكافي: "عن عبد الله بن أبي يعفور، قال: قال رجل لأبي عبد الله عليه السلام: ... الحديث".
[606]الكافي، الكليني: 5/ 72، كتاب المعيشة، باب الاستعانة بالدنيا على الآخرة/ ح10.
[607]أي: "الإمام الصادق عليه السلام".
[608]من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق: 3/ 156، كتاب المعيشة، باب المعايش والمكاسب والفوائد والصناعات/ ح 3. نص الحديث: "ليس منا من ترك دنياه لآخرته ولا آخرته لدنياه".
الفصل الثاني: في ما ورد في ذم الدنيا
قال رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر[609].
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء[610].
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ما كان لله منها[611].
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه فآثروا ما يبقى على ما يفنى[612].
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: حب الدنيا رأس كل خطيئة[613].
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: يا عجباً كل العجب للمصدق بدار الخلود وهو يسعى لدار الغرور[614].
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: من أصبح والدنيا أكبر همه فليس من الله في شيء، وألزم الله قلبه أربع خصال: هماً لا ينقطع عنه أبداً، وشغلاً لا يتفرغ منه أبداً، وفقراً لا ينال غناه أبداً، وأملاً لا يبلغ منتهاه أبداً[615].
[609]جامع الأخبار، الشعيري: 85، الفصل الحادي والأربعون في معرفة المؤمن وعلاماته.
[610]عوالي اللئالي، ابن أبي جمهور الأحسائي: 4/ 81، الجملة الثانية في الأحاديث المتعلقة بالعلم وأهله وحامليه/ ح85.
[611]شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد:19/330، نبذ مما قيل في حال الدنيا وهوانها واغترار الناس بها.
[612]مجموعة ورام، ورام ابن أبي فراس: 1/ 128، باب ذم الدنيا.
[613]التحصين، ابن فهد الحلي: 27، القطب الثالث في فوائدها.
[614]شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد:19/330، نبذ مما قيل في حال الدنيا وهوانها واغترار الناس بها.
[615]المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 5/ 355، كتاب ذم الدنيا، بيان ذم الدنيا.
وروي أن عيسى عليه السلام اشتد به المطر والرعد والبرق يوماً، فجعل يطلب بيتاً يلجأ إليه، فرفعت إليه خيمة من بعيد فأتاها فإذا فيها امرأة فحاد عنها، فإذا هو بكهف في جبل فأتاه فإذا فيه أسد فوضع يده على رأسه وقال: إلهي جعلت لكل شيء مأوى ولم تجعل لي مأوى. فأوحى الله إليه: مأواك في مستقر من رحمتي لأزوجنك يوم القيامة ألف حوراء خلقتها بيدي، ولأطعمن في عرسك أربعة آلاف عام يوم منها كعمر الدنيا، ولآمرن منادياً ينادي: أين الزهاد في الدنيا زوروا عرس الزاهد عيسى بن مريم[616].
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الدنيا دار من لا دار له، ولها يجمع من لا عقل له[617].
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ما لي والدنيا[618]، إنما مثلي ومثلها كمثل راكب[619]رفعت له شجرة في يوم صائف فقال[620]تحتها ثم راح وتركها[621].
وقيل لأمير المؤمنين عليه السلام: صف لنا الدنيا. فقال: وما أصف لك من دار من صح فيها ما أمن[622]، ومن سقم فيها ندم، ومن افتقر فيها حزن، ومن استغنى فيها فتن، في حلالها الحساب وفي حرامها العقاب[623].
[616]المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 5/ 357 ــ 358، كتاب ذم الدنيا، بيان ذم الدنيا.
[617]الكافي، الكليني:2/129، كتاب الإيمان والكفر، باب ذم الدنيا والزهد فيها / قطعة من الحديث 8.
[618]في الكافي: "وللدنيا".
[619]في الكافي: "الراكب".
[620]القائلة: الظهيرة. يقال: أتانا عند القائلة، وقد يكون بمعنى القيلولة أيضا، وهي: النوم في الظهيرة. تقول: قال يقيل قيلولة، وقيلا، ومقيلا، وهو شاذ، فهو قائل وقوم قيل، مثل: صاحب وصحب. الصحاح، الجوهري: 5/1808، مادة "قيل".
[621]الكافي، الكليني: 2/ 134، كتاب الإيمان والكفر، باب ذم الدنيا والزهد فيها/ ح19.
[622]في مجموعة ورام:"من صح فيها أمن".
[623]مجموعة ورام، ورام بن أبي فراس: 137، باب ذم الدنيا.
وقال عليه السلام[624]: إنما هي ستة أشياء مطعوم ومشروب وملبوس ومركوب ومنكوح ومشموم: فأشرف المطعومات العسل وهو مذقة[625]ذباب، وأشرف المشروبات الماء يستوي فيه البر والفاجر، وأشرف الملبوسات الحرير وهو نسج دودة، وأشرف المركوبات الفرس وعليه يقتل الرجال، وأشرف المنكوحات المرأة وهي مبال[626]في مبال، والله إن المرأة لتزين[627]أحسن شيء منها ويراد أقبح شيء منها، وأشرف المشمومات المسك وهو دم حيوان[628].
وقال الصادق عليه السلام: ما أعجب رسول الله[629]لشيء[630]من الدنيا إلا أن يكون فيها جائعاً خائفاً[631].
وقال لقمان لابنه: يا بني بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعاً، ولا تبع آخرتك بدنياك فتخسرهما[632]جميعاً[633].
[624]أي: "الإمام أمير المؤمنين عليه السلام".
[625]المذق: المزج والخلط.
النهاية في غريب الحديث، ابن الأثير: 4/ 311، مادة "مذق".
[626]المبال: الفرج.
تاج العروس: الزبيدي: 7/ 237.
[627]في المحجة: "ليزين".
[628]المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 5/ 362، كتاب ذم الدنيا، بيان ذم الدنيا.
[629]في الكافي: "رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم".
[630]في الكافي: "شيء".
[631]الكافي، الكليني : 2/ 129، كتاب الإيمان والكفر، باب ذم الدنيا والزهد فيها/ ح7.
[632]في مجموعة ورام: "تخسرهما".
[633]مجموعة ورام، ورام ابن أبي فراس: 1/ 137، باب ذم الدنيا.
الفصل الثالث: في ما ورد عن الأنبياء والأوصياء والحكماء في أمثلة الدنيا
كان الحسن بن على عليه السلام يقول[634]:
يــــا أهــــــل لـــذات دنــيــا لا بـــقــاء لها *** *** إن اغــتــراراً بــظـل زائــــل حـــمـــــق[635]
مثلها بالظلّ من حيث إنه متحرك في الحقيقة ساكن في الظاهر، ولا تدرك.
ومثلها النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حيث الاغترار بخيالاتها والإفلاس منها بقوله صلى الله عليه وآله وسلم:«الدنيا حلم وأهلها عليها مجازون معاقبون»[636]ومن حيث تلطفها لأهلها أولاً وإهلاكهم آخراً.
روي أن عيسى عليه السلام كوشف بالدنيا فرآها في صورة عجوز هتماء[637]عليها من كل زينة، فقال لها: كم تزوجت؟ قالت: لا أحصيهم. قال: فكلهم مات عنك أو كلهم طلقك؟ قالت: بل كلهم قتلت. فقال عليه السلام: بؤساً لأزواجك الباقين كيف لا يعتبرون بالماضين، كيف تهلكينهم واحداً بعد واحد ولا يكونون منك على حذر[638].
[634]في الأعلام: "يتمثل" بدل "يقول".
[635]أعلام الدين، الديلمي: 241، فيما أنزل الله على عيسى ابن مريم عليه السلام من الوعظ.
[636]مجموعة ورام، ورام بن أبي فراس: 1/ 145، باب ذم الدنيا.
[637]: رجل أثرم، وامرأة ثرماء، وفيها الهتم، وهو: أن يسقط مقدم الأسنان، يقال: رجل أهتم، وامرأة هتماء، ويقال: ضربه فهتم فاه.
الكنز اللغوي، ابن السكيت: 192.
[638]أنظر: مجموعة ورام، ورام بن أبي فراس: 1/ 146، باب ذم الدنيا.
ومن حيث إنها خلقت للاعتبار لا للعمار ورد فيها bإنها جسر[639]فاعبروها ولا تعمروهاv[640].
وقال عيسى عليه السلام: الدنيا قنطرة[641]فاعبروها ولا تعمروها[642]. وذلك لأن الميل الأول الذي هو على رأس القنطرة المهد، والميل الثاني اللحد، وبينهما مسافة محدودة، منهم من قطع ثلثها ونصفها وثلثيها، ومنهم من لم يبق له إلا خطوة واحدة، وهذا محتمل لكل أحد.
ومن زينها بأنواع الزينة واتخذها موطناً وهو عابر عليها بسرعة فهو في غاية من الحمق والجهل.
ومن حيث حسن منظرها وقبح مخبرها قال فيها أمير المؤمنين عليه السلام في ما كتب إلى سلمان: مثل الدنيا مثل الحية لين مسها ويقتل سمها، فأعرض عما يعجبك منها لقلة ما يصحبك منها، وضع عنك همومها لما أيقنت من فراقها، وكن أسر ما تكون منها أحذر ما تكون منها، فإن صاحبها كلما اطمأن بها إلى سرور أشخصته عنه مكرهاً ــ والسلام[643].
ومن حيث تعذر الخلاص عن تبعاتها بعد الخوض فيها قال فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إنما مثل صاحب الدنيا كمثل الماشي في الماء، هل يستطيع الذي يمشي في الماء أن لا تبتل قدماه[644].
[639]في التفسير: "معبر" بدل "جسر".
[640]تفسير البحر المحيط، أبي حيان الأندلسي: 8/ 68، تفسير سورة الأحقاف.
[641]القنطرة، معروفة: الجسر.
لسان العرب، ابن منظور: 5/ 118، مادة " قنطر".
[642]التحصين، ابن فهد الحلي: 30، القطب الثالث.
[643]أنظر: الإرشاد، الشيخ المفيد: 1/233،باب طرف من أخبار أمير المؤمنين عليه السلام، فصل ومن كلامه عليه السلام في صفة الدنيا و التحذير منها.
[644]المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 6/ 12، كتاب ذم الدنيا، بيان صفة الدنيا بالأمثلة.