بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 131

الباب العاشر

الدنيا والآخرة


صفحه 132

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة


صفحه 133

في الدنيا والآخرة

وفيه فصول

الفصل الأول: في معرفة الدنيا والآخرة

إعلم أن معرفة الدنيا والآخرة صعب شديد قد تحيّر فيه الفحول وتاه فيه أولو العقول: زعم قوم أن الدنيا عبارة عن المال، والحال أنه قد ورد مدحه في الكتاب والسنة كثيراً، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: نعم العون على طاعة[575]الله المال[576].

وزعم قوم أن الدنيا هي الحياة الدنيا، مع أنه بها يتوصل إلى السعادات الأبدية ويتخلص من الشقاوة السرمدية[577]، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: نعم العون على الآخرة الدنيا[578].

[575]في الكنز: "تقوى" بدل "طاعة".

[576]كنز العمال، المتقي الهندي: 3/ 239، في فوائد المال والدنيا المحمودة/ ح6342.

[577]السرمد: الدائم الذي لا ينقطع.

لسان العرب، ابن منظور: 3/ 212، مادة "سرمد".

[578]الكافي، الكليني: 5/ 72، كتاب المعيشة، باب الاستعانة بالدنيا على الآخرة/ ح9.


صفحه 134

وزعم آخرون أن الدنيا المذمومة عبارة عن المآكل اللذيذة والمطاعم الجيدة والثياب الفاخرة والديار العامرة والخدم والحشم والأصحاب والأعوان مع أن بعض الأنبياء والأولياء كانوا كذلك ــ كيوسف وسليمان ــ.

والتحقيق أن من كان مشغولاً بالعلم والعبادة والحج والجهاد والصدقات وأداء الزكوات وقضاء الحوائج وزيارة الإخوان وعيادة المرضى وتشييع الجنائز وحضور الجمعة والجماعة والمواظبة على النوافل وسائر الطاعات قد يكون في بحبحة[579])الدنيا، ويصدق عليه أنه طالب الدنيا وأنه ملعون وأعماله ملعونة مردودة غير مقبولة، حيث لم يقصد بها وجه الله تعالى، ورب رجل كثير المال والخدم والحشم حسن المطعم والمشرب جيد الزي والملبس ذي ديار وسيعة وعمارات عالية ونساء جميلة ومراكب حسنة و((سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ(13)وَأَكْواابٌ مَوْضُوعَةٌ(14)وَنَماارِقُ[580]مَصْفُوفَةٌ(15)وَزَراابِيُّ[581]مَبْثُوثَةٌ[582]))[583])، وهو منأهل الآخرة وأعماله مقبولة وسعيه مشكور، حيث قصد بجميع ذلك التوصل إلى رضاء الله تعالى.

[579]بحبوحة الدار: وسطها.

يقال: تبحبح، إذا تمكن وتوسط المنزل والمقام.

النهاية في غريب الحديث، ابن الأثير: 1/99، باب الباء مع الحاء.

[580]الفراء في قوله تعالى: "ونمارق مصفوفة" سورة الغاشية/ 15.

هي: الوسائد، واحدتها: نمرقة، قال: وسمعت بعض كلب يقول: نمرقة، بالكسر.

وفي الحديث: اشتريت نمرقة، أي: وسادة، وهي بضم النون والراء وبكسرهما وبغير هاء، وجمعها: نمارق.

لسان العرب، ابن منظور: 10/ 361، مادة "نمرق".

[581]قال الفراء: الزرابي: الطنافس. وقال أبو عبيدة، هي: البسط.

غريب الحديث، ابن قتيبة: 2/ 171.

[582]مبثوثة: مفرقة في مجالسهم بكثرة.

مجمع البحرين، الطريحي: 2/ 273، مادة "زرب".

[583]سورة الغاشية/ 13 ــ 16.


صفحه 135

فحينئذ الدنيا عبارة عن كل شيء يوجب البعد عن الله وإن كان صلاة وصوماً وحجاً وجهاداً وإنفاقاً وزهداً وقناعة، والآخرة كل شيء يوجب القرب من الله تعالى وإن كان مالاً ونساءً وخدماً وحشماً.

نعم في أغلب الأوقات وأكثر الأشخاص لا يتمكن الإنسان من التقرب إلى الله تعالى والإخلاص له إلاّ بترك المباحات فضلاً عن الشبهات والمحرمات، ولذلك حث الأنبياء الناس على ترك ما يوجب الميل إلى الدنيا وإن كان يمكن أن يتوصل به إلى الآخرة، لأن النفوس ضعيفة والشيطان قوي.

وبتقرير آخر نقول: الدنيا والآخرة عبارتان عن حالتين من أحوال قلبك، والقريب الداني منهما يسمى دنياً لدنوه، وهو كل ما قبل الموت، والمتراخي المتأخر يسمى آخرة، وهو ما بعد الموت، فكل ما لك فيه حظ وغرض ونصيب وشهوة ولذة في عاجل الحال قبل الوفاة فهي الدنيا في حقك، إلا أن جميع ما لك إليه ميل وفيه نصيب وحظ فليس بمذموم، بل هو على ثلاثة أقسام:

الأول:ما يصحبك في الدنيا وتبقى معك ثمرته بعد الموت، وهو العلم بالله وصفاته وأفعاله، ((وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ))[584]وشرائعه وأحكامه والعمل الخالص لوجه الله، وقد يلتذ الإنسان في الدنيا بالعلم والعبادة ويكونان عنده ألذ الأشياء، ولذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم: حبب إلي من دنياكم ثلاث: الطيب، والنساء وقرة عيني في الصلاة[585]. فجعل الصلاة من جملة الدنيا لدخولها في عالم الحس[586]

[584]سورة البقرة/ 285.

[585]معدن الجواهر، أبو الفتح الكراجكي: 31، باب ذكر ما جاء في ثلاثة.

[586]قال حميد الدين: "كان عالم العقل والنفس سابقا في الإبداعية على عالم الحس الذي هو الدنيا".

مصابيح الإمامة، حميد الدين الكرماني: 42، المصباح الرابع في إثبات صورة السياسة الربانية التي هي دار الجزاء ووجوبها، وأن دارها غير دار الدنيا التي هي العالم الطبيعي.


صفحه 136

والشهادة مع أنها من أفضل القربات، وهذا ونحوه وإن أطلق عليه لفظ الدنيا لدنوه ولكنه من الدنيا الممدوحة التي هي العون على الآخرة لا المذمومة.

الثاني:نقيض الأول، وهو كل ما فيه حظ عاجل وليس له ثمرة في الآخرة، كالتلذذ بالمعاصي بل المباحات الزائدة على قدر الضرورة والتنعم بالقناطير[587]المقنطرة[588]من الذهب والفضة والخيل المسومة[589][590]وهذه هي الدنيا المذمومة.

[587]قال أبو عبيدة: القناطير: واحدها قنطار، ولا تجد العرب تعرف وزنه، ولا واحد للقنطار من لفظه.

وقال ثعلب: المعمول عليه عند العرب الأكثر أنه أربعة آلاف دينار، فإذا قالوا قناطير مقنطرة، فهى اثنا عشر ألف دينار.

وقيل: إن القنطار ملء جلد ثور ذهبا. و قيل: ثمانون ألفا. وقيل: هو جملة كثيرة مجهولة من المال.

النهاية في غريب الحديث، ابن الأثير: 4/ 113.

[588]المقنطرة: المكملة، كما تقول بدرة مبدرة، وألف مؤلف، أي تام. وعن الفراء: المقنطرة المضعفة ككون القناطير ثلاثة والمقنطرة تسعة.

مجمع البحرين، الطريحي: 3/ 523، مادة "قطر".

[589]السومة، بالضم: العلامة تجعل على الشاة، وفي الحرب أيضا، تقول: منه تسوم. وقوله تعالى: ((حِجارَةً مِن طِينٍ (33) مُسَوَّمَةً)) سورة الذاريات/ 33 ــ 34، أي: عليها أمثال الخواتيم.

الصحاح، الجوهري: 5/ 1955، مادة "سوم".

لسان العرب، ابن منظور: 12/ 312، مادة "سوم".

[590]إشارة إلى قوله تعالى: ((زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ)) سورة آل عمران/ الآية 14.


صفحه 137

الثالث:وهو متوسط بين الطرفين، وهو كل حظ عاجل معين على أعمال الآخرة، وهو ما لابد منه للإنسان بحسب زيه وزمانه ومكانه من المأكول والملبوس والمشروب، فإذا تناوله الإنسان بقصد الاستعانة على العلم والعمل والطاعات والعبادات وحفظ الحياة وصيانة العرض ونحو ذلك مما أمر الشارع به في الشريعة المقدسة، فليس من الدنيا المذمومة في شيء وإن قصد به الترفه والتلذد[591]والتنعم، أو استعان به على المعاصي فهو من الدنيا، ولهذا ورد الحث على طلب الحلال وتحصيل المال للكفاف[592]، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: العبادة سبعون جزءاً أفضلها طلب الحلال[593].

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ملعون من ألقى كله على الناس[594].

وقال السجاد عليه السلام: الدنيا دنياءان: دنيا بلاغ، ودنيا ملعونة[595].

وقال الباقر عليه السلام: من طلب الرزق في الدنيا استعفافاً عن الناس وسعياً[596]على أهله وتعطفاً على جاره لقي الله عزّوجل[597]ووجهه مثل القمر ليلة البدر[598].

[591]لعله خطأ الناسخ وما يناسب سياق الجملة: «التلذذ».

[592]أنظر: جامع السعادات، النراقي: 2/ 25 ــ 46. إحياء علوم الدين، الغزالي: 3/ 191 ــ 196، كتاب ذم الدنيا.

[593]تهذيب الأحكام،الشيخ الطوسي:6/324،كتاب المكاسب،باب 93 المكاسب/ح12.

[594]تحف العقول، ابن شعبة الحراني: 37، ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قصار المعاني.

[595]الكافي، الكليني: 2/ 131، كتاب الإيمان والكفر، باب ذم الدنيا والزهد فيها/ ذيل الحديث 11.

[596]في الكافي: "وتوسيعا".

[597]في الكافي: "لقي الله عزّوجل يوم القيامة".

[598]الكافي،الكليني:5/78، كتاب المعيشة،باب الحث على الطلب والتعرض للرزق/ح5.


صفحه 138

وقال الصادق عليه السلام: الكاد على عياله كالمجاهد في سبيل الله[599].

وقال عليه السلام[600]في رجل قال: لأقعدن في بيتي ولأصلين ولأصومنَّ ولأعبدن ربي فأما رزقي فسيأتي قال: هذا أحد الثلاثة الذين لا يستجاب لهم[601].

وقال عليه السلام[602]): إن الله[603])ليحب الاغتراب في طلب الرزق[604]).

وقال له رجل[605]): والله إنا لنطلب الدنيا ونحب أن نؤتاها. فقال: تحب أن تصنع بها ماذا؟ قال: أعود بها على نفسي وعيالي وأصل بها وأتصدق بها وأحج وأعتمر. فقالعليه السلام: ليس هذا طلب الدنياهذا طلب الآخرة[606]).

وقال عليه السلام[607]): ليس منا من ترك دنياه لآخرته[608]).

[599]الكافي، الكليني: 5/ 88، كتاب المعيشة، باب من كد على عياله/ ح1.

[600]أي: "الإمام الصادق عليه السلام".

[601]أنظر: مستطرفات السرائر، ابن إدريس الحلي: 634.

[602]أي: "الإمام الصادق عليه السلام".

[603]في الفقيه: "الله تبارك وتعالى".

[604]من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق: 3/ 156، كتاب المعيشة، باب المعايش والمكاسب والفوائد والصناعات/ ح6.

[605]في الكافي: "عن عبد الله بن أبي يعفور، قال: قال رجل لأبي عبد الله عليه السلام: ... الحديث".

[606]الكافي، الكليني: 5/ 72، كتاب المعيشة، باب الاستعانة بالدنيا على الآخرة/ ح10.

[607]أي: "الإمام الصادق عليه السلام".

[608]من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق: 3/ 156، كتاب المعيشة، باب المعايش والمكاسب والفوائد والصناعات/ ح 3. نص الحديث: "ليس منا من ترك دنياه لآخرته ولا آخرته لدنياه".