وعن السجاد عليه السلام أنه كان إذا قرأ هذه الآية ((وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لا تُحْصُوها))[1124]قال: سبحان من لم يجعل في أحد من معرفة نعمه إلا المعرفة بالتقصير عن معرفتها كما لم يجعل في أحد من معرفة إدراكه أكثر من العلم بأنه لا يدركه[1125].
والجواب عن الأول: إن طلب الله من عباده الشكر كسائر التكاليف يرجع نفعه إليهم لا إليه.
وإن أردت إيضاح ذلك فاعلم أن ملكاً من الملوك لو أرسل إلى عبد قد بعد عنه مركوباً وملبوساً ونقداً لأجل زاده في الطريق حتى يقطع به مسافة البعد ويقرب من حضرة الملك، فذلك الملك يتصور له حالتان: الأولى أن يكون قصده من إحضار عبده القيام ببعض مهماته والحظ بخدمته، والثانية أن لا يكون له حظ في حضوره أبداً ولا يزيد حضوره في ملكه مثقال ذرة، ولكنه قصد بذلك أن يحظى العبد بالقرب منه وينال سعادة حضرته ليرجع النفع إلى العبد نفسه لا إلى الملك، وإرادة الله الشكر من عباده مثال الحالة الثانية.
الفصل الرابع: في طريق تحصيل الشكر
وهو مركب من العلم والعمل، بأن يعرف الله ويتفكر في مصنوعاته وينظر إلى الأدنى في الدنيا فيشكر الله، وإلى الأعلى في الدين فيجتهد في الوصول إلى مرتبته، ويشكر في المصائب على أنه لم يصب بأكبر منها، وأنها لم تكن مصيبة دينية بل دنيوية، وأنه قد عجلت عقوبتها ولم تدخر للآخرة وأن ثوابها خير له، وأنها تنقص من القلب حب الدنيا، بل ربما بغضت الدنيا التي حبها رأس كل
[1124]سورة النحل/ 18.
[1125]أنظر:تحف العقول،الحراني:283،وروي عن الإمام سيد العابدينعليه السلام في قصار هذه المعاني.
خطيئة إليه، فهي في الحقيقة نعم يجب الشكر عليها، إذ لا تخلو مصيبة عن تكفير خطيئة أو رياضة نفس أو رفع درجة[1126].
وليسأل الله العافية فإنها خير من البلاء[1127]، فكان النبي والأئمة عليهم السلام يستعيضون بالله من بلاء الدنيا وبلاء الآخرة[1128]، وكانوا يقولون: ((رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِيالآخِرَةِ حَسَنَةً))[1129]وكانوا يستعيذون من شماتة الأعداء ومن سوء القضاء ومن حلول البلاء[1130]، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: سلوا الله العافية، فما أعطي[1131]عبد أفضل من العافية إلا اليقين[1132]. وأشار باليقين إلى عافية القلب من مرض الجهل[1133].
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
الباب الخامس
الرجاء والخوف
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
في الرجاء والخوف
وهما جناحان يطير بهما المقربون إلى كل مقام محمود، ومطيتان بهما يقطع من طرق الآخرة كل عقبة كؤود، وتحقيقهما في فصول:
الفصل الأول
الرجاء هو ارتياح القلب لانتظار ما هو محبوب عنده، ولكن ذلك المحبوب متوقع لابد وأن يكون له سبب، فإن كان انتظاره لأجل حصول أكثر أسبابه فاسم الرجاء عليه صادق، وإن كان ذلك انتظاراً مع انخرام[1134]أسبابه واضطرابها فاسم الغرور والحمق عليه أصدق من اسم الرجاء، وإن لم تكن الأسباب معلومة الوجود ولا معلومة الانتفاء فاسم التمني أصدق على انتظاره من اسم الرجاء.
وأيما كان فلا يطلق اسم الرجاء والخوف إلا على ما يتردد فيه، أما ما يقطع به فلا، فلا يقال: أرجو طلوع الشمس وقت الطلوع وأخاف غروبها وقت الغروب، ويقال: أرجو نزول المطر وأخاف انقطاعه.
[1134]ما خرم منه شيئا، أي: ما نقص وما قطع.
مختار الصحاح، الرازي: 98، مادة "خرم".
وقد علم أرباب القلوب والعرفان بالبيان والوجدان والعيان أن «الدنيا مزرعة الآخرة»[1135]والقلب كالأرض والإيمان كالبذر فيه والطاعات جارية مجرى تقليب الأرض وتطهيرها ومجرى الأنهار وسياق الماء إليها، والقلب المحب للدنيا كالأرض السبخة[1136]التي لا ينمو فيها البذر، ويوم القيامة يوم الحصاد، ولا يحصد أحد إلا ما زرع، ولا ينمى زرع إلا من بذر الإيمان، وقلما ينفع الإيمان مع خبث القلب بالأخلاق الرديئة، كما لا ينمى زرع في أرض سبخة فليقس رجاء العبد المغفرة برجاء صاحب الزرع.
فكل من طلب أرضاً طيبة وألقى فيها بذراً جيداً وأمده بما يحتاج إليه من سوق الماء في أوقاته ونقى الأرض عن الشوك والحشيش وسائر الموانع وجلس منتظراً من فضل الله دفع الصواعق المفسدة إلى أن يتم الزرع ويبلغ غايته سمي انتظاره رجاءً، وإن بث البذر في أرض صلبة سبخة مرتفعة لا ينصب إليها ماء ولم يشتغل بتعهد البذر أصلاً ثم انتظر الحصاد منه سمي انتظاره حمقاً وغروراً.
فينبغي للعبد أن يبث بذر الإيمان في القلب ويسقيه بماء الطاعات ويطهر القلب عن شوك الأخلاق الرديئة وينتظر من فضل الله تثبيته على ذلك إلى الموت وحسن الخاتمة المفضية إلى المغفرة، فإذا فعل ذلك كان انتظاره رجاءً محموداً، وإن قطع عن بذر الإيمان تعهده بماء الطاعات أو ترك القلب مشحوناً
[1135]عوالي اللئالي، ابن أبي جمهور الأحسائي: 1/ 267، الفصل العاشر في أحاديث تتضمن شيئا من الآداب الدينية/ ح66.
[1136]السباخ: جمع سبخة، وهي الأرض التي تعلوها الملوحة ولا تكاد تنبت إلا بعض الشجر. النهاية في غريب الحديث، ابن الأثير: 2/333، باب السين مع الباء، مادة "سبخ".
برذائل الأخلاق وانتظر المغفرة فانتظاره حمق وغرور لا رجاء، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: الدنيا مزرعة الآخرة[1137]. وقال صلى الله عليه وآله وسلم: الأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله تعالى[1138]. وقال تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هاجَرُواْ وَجاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ))[1139]أي أولئك ينبغي لهم أن يرجوا لا سواهم.
وقال تعالى: ((فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا))[1140].
وعن الصادق عليه السلام أنه قيل له: إن قوماً من مواليك يلمون بالمعاصي ويقولون: نرجو. فقال: كذبوا ليسوا لنا بموال، أولئك قوم ترجّحت بهم الأماني: من رجا شيئاً عمل له، ومن خاف شيئاً هرب منه[1141].
وقال عليه السلام[1142]: لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يكون خائفاً راجياً، ولا يكون خائفاً راجياً حتى يكون عاملاً لما يخاف ويرجو[1143].
[1137]عوالي اللئالي،ابن أبي جمهور الأحسائي: 1/ 267، المقدمة، الفصل العاشر في أحاديث تتضمن شيئا من الآداب الدينية/ ح66.
[1138]مجموعة ورام، ورام بن أبي فراس: 1/ 215، بيان آفة العجب. ونص الحديث: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله».
[1139]سورة البقرة/ 218.
[1140]سورة الأعراف/ 169.
[1141]أنظر:الكافي،الكليني:2/68 ــ 69،كتاب الإيمان والكفر، باب الخوف والرجاء/ح6.
[1142]أي: "الإمام الصادق عليه السلام".
[1143]الكافي، الكليني: 2/ 71، كتاب الإيمان والكفر، باب الخوف والرجاء/ ح11.