وقال عليه السلام[1349]أيضاً: إلهي من ذا الذي ذاق حلاوة محبتك فرام منك بدلاً، ومن ذا الذي آنس بقربك فابتغى عنك حولا. إلهي فاجعلني ممن اصطفيته لقربك وولايتك، وأخلصته لودك ومحبتك، وشوقته إلى لقائك، وأرضيته بقضائك، ومنحته النظر إلى وجهك، وحبوته برضاك وأعذته من هجرك وقلاك. ثم قال عليه السلام[1350]: وهيمت قلبه لإرداتك، واجتبيته لمشاهدتك، وأخليت وجهه لك، وفرغت فؤاده لحبك. ثم قال عليه السلام[1351]: اللهم اجعلنا ممن دأبهم الارتياح إليك والحنين، وديدنهم الزفرة والأنين، وجباههم ساجدة لعظمتك، ودموعهم سائلة من خشيتك، وقلوبهم معلقة بمحبتك، وأفئدتهم منخلعة من هيبتك. يا من أنوار قدسه لا تزال شارقة وسبحات نور وجهه لقلوب عارفيه شائقة، يا منتهى قلوب المشتاقين، ويا غاية آمال المحبين، أسألك حبك وحب من يحبك وحب كل عمل يوصل إلى قربك وأن تجعلك أحب إلى ممن سواك[1352].
وقال أيضاً[1353]: إلهي ما ألذ خواطر الإلهام بذكرك على القلوب، وما أحلى المسير إليك في مسالك العيوب، وما أطيب حبك، وما أعذب شرب قربك.[1354]إلى أن قال[1355]: وغلتي لا يبردها إلاّ وصلك، ولوعتي لا يطفئها إلا لقاؤك، وشوقي
[1349]أي: "الإمام زين العابدين عليه السلام".
[1350]أي: "الإمام زين العابدين عليه السلام".
[1351]أي: "الإمام زين العابدين عليه السلام".
[1352]أنظر:الصحيفة السجادية،الإمام زين العابدين عليه السلام:413 ــ 414،في مناجاة المحبين ليوم السبت.
[1353]أي: "الإمام السجاد عليه السلام".
[1354]أنظر: الصحيفة السجادية، الإمام زين العابدين عليه السلام: 418، في مناجاة العارفين ليوم الثلاثاء/ ذيل المناجاة.
[1355]أي: "الإمام زين العابدين عليه السلام".
إليك لا يبله إلا النظر إلى وجهك، وقراري لا يقر دون دنوي منك، ولهفتي لا يردها إلا روحك، وسقمي لا يشفيه إلا طبك، وغمي لا يزيله إلا قربك، وجرحي لا يبرئه إلا صفحك، وصدأ قلبي[1356]لا يجلوه إلا عفوك، ووسواس صدري لا يزيحه إلا منّك[1357].
الفصل الثالث: في معنى محبة الله سبحانه لعبده
يرجع معناها إلى كشف الحجاب عن قلبه حتى يراه بقلبه، وإلى تمكينه إياه من القرب إليه، وإلى إرادته ذلك به، وإلى تطهير باطنه من حب غيره وتخليته عن عوائق تحول بينه وبين مولاه حتى لا يسمع إلا بالحق ومن الحق ولا يبصره إلا به ولا ينطق إلا به، كما ورد في الحديث القدسي: لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به[1358].
فيكون تقربه بالنوافل سبباً لصفاء باطنه وارتفاع الحجاب عن قلبه وحصوله في درجة القرب من ربه، وكل ذلك من فضل الله ولطفه به، قال تعالى: ((يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ))[1359]وقال: ((إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا))[1360]وقال: ((إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ))[1361].
[1356]في الصحيفة السجادية: "ورين قلبي".
[1357]الصحيفة السجادية،الإمام زين العابدين:415، في مناجاة المفتقرين/ قطعة من المناجاة.
[1358]أنظر: الكافي، الكليني:2/352، كتاب الإيمان والكفر، باب من آذى المسلمين واحتقرهم/ح7.
[1359]سورة المائدة/ 54.
[1360]سورة الصف/ 4.
[1361]سورة البقرة/ 222.
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلاّ من يحب[1362].
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: إذا أحب الله عبداً ابتلاه، فإن صبر اجتباه وإن رضي اصطفاه[1363].
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: إذا أحب الله عبداً جعل له واعظاً من نفسه وزاجراً من قلبه يأمره وينهاه[1364].
وأخص علاماته حبه لله، فإن ذلك يدل على حب الله عزّوجل له.
وأما الفعل الدال على كونه محبوباً فهو أن يتولى الله أمره ظاهره وباطنه سره وجهره، فيكون هو المشير عليه والمدبر لأموره والمزين لأخلاقه والمستعمل لجوارحه والمسدد لظاهره وباطنه والجاعل لهمومه هماً واحداً، والمبغض للدنيا في قلبه والموحش له من غيره والمؤنس له بلذة المناجاة في خلواته والكاشف له عن الحجب بينه وبين معرفته.
ثم اعلم أن الطريق إلى تحصيل المحبة وتقويتها تطهير القلب عن شواغل الدنيا وعلائقها والتبتل إلى الله بالذكر والفكر، ثم إخراج حب غير الله منه، فإن القلب مثل الإناء الذي لا يسع للخل مثلاً ما لم يخرج منه الماء، و((ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ))[1365].
[1362]المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 8/ 63 ــ 64، كتاب المحبة والشوق والرضا والأنس، بيان محبة الله عزّوجل للعبد ومعناها.
[1363]أنظر: مسكن الفؤاد، الشهيد الثاني: 84، الباب الثالث في الرضا.
[1364]المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 8/ 67، كتاب المحبة والشوق والرضا والأنس، بيان محبة الله عزّوجل للعبد ومعناها.
[1365]سورة الأحزاب/ 4.
وكمال الحب في أن يحب الله بكل قلبه، وما دام يلتفت إلى غيره فزاوية من قلبه مشغولة لغيره، فبقدر ما يشتغل بغير الله ينقص منه حب الله، إلا أن يكون التفاته الى الغير من حيث إنه صنع الله وفعل الله ومظهر من مظاهر أسماء الله.
وبالجملة أن يحبه لله وفي الله كحب الأنبياء المرسلين والأئمة الطاهرين والأولياء والصالحين.
اللهم ارزقنا حبك وحب من يحبك وحب ما يقرب الى حبك، وهيئ لنا أسباب حبك حتى نحبك ونحب من يحبك بمحمد وآله[1366].
الباب الثامن
اليقين
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
في اليقين
وفيه فصلان
الفصل الأول: في فضله
قال الله تعالى: ((وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ))[1367].
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: من[1368]أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر، ومن أوتي حظه منهما لم يبال ما فاته من صيام النهار وقيام الليل[1369].
وقال صلى الله عليه وآله وسلم لما قيل له: رجل حسن اليقين كثير الذنوب، ورجل مجتهد في العبادة قليل اليقين؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ما آدمي إلا وله ذنوب، ولكن من كان غريزته العقل وسجيته اليقين لم تضره الذنوب، لأنه كلما أذنب ذنباً تاب واستغفر وندم، فيكفّر ذنوبه ويبقى له فضل يدخل به الجنة[1370].
[1367]سورة البقرة/ 4.
[1368]ليس في جامع السعادات: "من".
[1369]جامع السعادات، النراقي: 1/ 154، اليقين.
[1370]أنظر: إحياء علوم الدين، الغزالي: 1/ 72، كتاب العلم، الباب السادس في آفات العلم وبيان علامات علماء الآخرة والعلماء السوء.
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: اليقين الإيمان كله[1371].
وفي الكافي عن الصادق عليه السلام قال: ليس شيء إلا وله حد. قيل له: جعلت فداك فما حد التوكل؟ قال: اليقين. قيل: فما حد اليقين؟ قال: ألا يخاف مع الله شيئاً[1372].
وقال عليه السلام[1373]: من صحة يقين المسلم أن لا يُرضي الناس بسخط الله ولا يلومهم على ما لم يؤته الله، فإن الرزق حرص حريص ولا يرده كراهية كاره، ولو أن أحدكم فرّ من رزقه كما يفرّ من الموت لأدركه رزقه كما يدركه الموت، ثم قال عليه السلام[1374]: إن الله بعدله وقسطه جعل الروح والراحة في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط[1375].
أراد عليه السلام[1376]بقوله: bولا يلومهم على ما لم يؤته اللهv أن لا يشكوهم على ترك صلتهم إياه بالمال ونحوه، فإن ذلك شيء لم يقدره الله له ولم يرزقه إياه، ومن كان من أهل اليقين عرف أن ذلك كذلك فلا يلوم أحداً بذلك، وعرف أن ذلك مما اقتضته ذاته بحسب استحقاقه وما أوجبته حكمة الله في أمره[1377].
وقال عليه السلام[1378]: إن العمل الدائم القليل على اليقين أفضل عند الله من العمل الكثير على غير يقين[1379].
[1371]إرشاد القلوب، الديلمي: 1/ 127، الباب الثامن والثلاثون في الصبر.
[1372]أنظر: الكافي، الكليني: 2/ 57، كتاب الإيمان والكفر، باب فضل اليقين/ ح1.
[1373]أي: "الإمام الصادق عليه السلام".
[1374]أي: "الإمام الصادق عليه السلام".
[1375]أنظر: الكافي، الكليني: 2/ 57، كتاب الإيمان والكفر، باب فضل اليقين/ ح2.
[1376]أي: "الإمام الصادق عليه السلام".
[1377]أنظر: بحار الأنوار، المجلسي: 67/ 143، كتاب الإيمان والكفر، باب 52 اليقين والصبر على الشدائد/ بيان العلامة المجلسي على الحديث 7.
[1378]أي: "الإمام الصادق عليه السلام".
[1379]الكافي، الكليني: 2/ 57، كتاب الإيمان والكفر، باب فضل اليقين/ ح3.