وحكي أن زليخا[1547]لما خلت بيوسف قامت فغطت وجه صنمها، فقال يوسف: ما لك تستحين من مراقبة جماد ولا أستحي من مراقبة الملك الجبار[1548].
والمراقبة تحصل من معرفة الله ، والعلم بأنه تعالى مطلع على الضمائر عالم بما في السرائر، بمرأى منهم وبمسمع، وهم بمرأى منه ومسمع.
والموقنون بهذه المعرفة مراقبتهم على درجتين:
إحداهما:مراقبة المقربين، وهي مراقبة التعظيم والجلال، وهي أن يصير القلب مستغرقاً بملاحظة ذلك الجلال ومنكسراً تحت الهيبة، فلا يبقى فيه متسع للالتفات إلى الغير، وهذا هو الذي صار همه هماً واحداً وكفاه الله سائر الهموم.
والثانية:مراقبة الورعين من أصحاب اليقين، وهم قوم غلب يقين اطلاع الله على ظواهرهم وبواطنهم ولكن لم يدهشهم ملاحظة الجمال والجلال بل بقيت قلوبهم على حد الاعتدال متسعة للتلفت الى الأحوال والأعمال والمراقبة فيها، وغلب عليهم الحياء من الله فلا يقدمون ولا يحجمون[1549]إلا بعد التثبت، ويمتنعون
[1547]زليخا: هي زليخا، وقيل: زلخا، وقيل: راعيل، وقيل: فكة بنت ملك المغرب هيموس، وقيل: رعاييل، وقيل: بوش، وأمها أخت الملك الريان بن الوليد صاحب مصر. (زوجة قطفير، وقيل: أطفير، وقيل: هو طيفار بن رجيب وزير ملك مصر، وكان يلقب بالعزيز، وهي تعرف بامرأة العزيز. تزوجها (النبي يوسف عليه السلام) وكانت قد تقدم بها السن، فطلبت منه أن يسأل الله أن يرد عليها شبابها وصباها، فطلب يوسف عليه السلام ذلك من الله سبحانه، فرد الله عليها شبابها وجمالها. أنجبت له ولدين : أفرايم ومنشا.
أعلام القرآن، عبد الحسين الشبستري: 401 ــ 402، زليخا.
[1548]أنظر: مجموعة ورام، ورام بن أبي فراس: 1/ 236، باب محاسبة النفس.
[1549]الإحجام: ضد الإقدام. أحجم عن الأمر: كف أو نكص هيبة.
لسان العرب، ابن منظور: 12/ 116، مادة "حجم".
عن كل ما يفتضحون به في القيامة، فإنهم يرون الله مطلعاً عليهم، فلا يحتاجون إلى انتظار القيامة.
فإن العبد لا يخلو إما أن يكون في طاعة أو معصية أو مباح. فمراقبته في الطاعة بالإخلاص والإكمال ومراعاة الأدب وحراستها عن الآفات، ومراقبته في المعصية بالتوبة والندم والإقلاع والحياء والاشتغال بالتكفير، ومراقبته في المباح بمراعاة الأدب، بأن يقعد مستقبل القبلة وينام على اليد اليمنى مستقبلاً الى غير ذلك، فكل ذلك داخل في المراقبة. وبشهود المنعم في النعمة وبالشكر عليها، وبالصبر على البلاء، فإن لكل واحد منها حدوداً لابد من مراعاتها بدوام المراقبة «ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه»[1550].[1551]
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
الباب الثاني عشر
التفكر والتدبر
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
في التفكر والتدبر
قال الله تعالى: ((وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ))[1552]وقال تعالى: ((أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها))[1553].
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: تفكر ساعة خير من عبادة سنة[1554].
وقال أمير المؤمنين عليه السلام: التفكر يدعو الى البر والعمل به[1555].
وقال عليه السلام[1556]: نبه بالتفكر قلبك، وجاف[1557]عن الليل جنبك، واتق الله ربك[1558].
[1552]سورة آل عمران/ 191.
[1553]سورة محمد/ 24.
[1554]تفسير العياشي، العياشي: 2/ 208، تفسير سورة الرعد/ ح 26.
[1555]مجموعة ورام، ورام بن أبي فراس: 2/ 184.
[1556]أي: "الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام".
[1557]جفا الشيء يجفو جفاء وتجافى:لم يلزم مكانه،كالسرج يجفو عن الظهر،وكالجنب يجفو عن الفراش. لسان العرب، ابن منظور: 14/ 147، مادة "جفا".
[1558]الكافي، الكليني: 2/ 54، كتاب الإيمان والكفر، باب التفكر/ ح1.
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: تفكروا في آلاء[1559]الله ولا تفكروا في الله، فإنكم لن تقدروا قدره[1560].
وقال الباقر عليه السلام: إياكم والتفكر في الله، ولكن إذا أردتم أن تنظروا إلى عظمته[1561]فانظروا إلى عظم خلقه[1562].
وقال الصادق عليه السلام: من نظر في الله كيف هو هلك[1563].
واعلم أن التفكر الذي أشار إليه أمير المؤمنين عليه السلام أنه يدعو الى البر والعمل به قد يكون في الحسنات والسيئات بأن يتفكر العبد في حسناته هل هي تامة أو ناقصة، موافقة للسيئة أو مخالفة لها، خالصة عن الشرك والشك أو مشوبة بهما، فيدعوه هذا التفكير لا محالة إلى إصلاحها وتدارك ما فيها، وكذا إذا تفكر في سيئاته وما يترتب عليها من العقوبات والبعد عن الله، فيدعوه ذلك إلى الانتهاء عنها وتداركها بالتوبة والندم.
وقد يكون بالتفكر في صفات الله وأفعاله، من لطفه بعباده وإحسانه إليهم بسوابغ[1564]النعماء وبسطة الآلاء، والتكليف دون الطاقة، والوعد بالثواب الجزيل
[1559]((آلاء الله)) سورة الأعراف/ 69، أي:نعمه، واحدها "ألى". وقيل: "الآلاء" هي: النعم الظاهرة. مجمع البحرين، الطريحي: 1/ 97، مادة "ألى".
[1560]بحار الأنوار، المجلسي: 68/ 322، كتاب الإيمان والكفر، أبواب مكارم الأخلاق، باب80 التفكر والاعتبار والاتعاظ/ ح3. وفيه النص: «تفكروا في آلاء الله فإنكم لن تقدروا قدره».
[1561]في التوحيد: "إلى عظمة الله".
[1562]التوحيد،الشيخ الصدوق:458،باب 67 النهي عن الكلام والجدل والمراء في الله عزّوجل/ ح20.
[1563]المحاسن،البرقي: 1/ 237، باب 24 جوامع من التوحيد/ ح3.
[1564]نعمة سابغة، وأسبغ الله عليه النعمة: أكملها وأتمها ووسعها.
لسان العرب، ابن منظور: 8/ 433، مادة "سبغ".
والثناء الجميل على العمل الحقير القليل، وتسخيره له ما في السماوات والأرض وما بينهما[1565]ونحو ذلك، فيدعوه ذلك الى البر والعمل به، والرغبة في الطاعات والانتهاء عن المعاصي.
وهذا تفكير المتوسطين، وإليه الإشارة بقول الرضا عليه السلام: ليس العبادة كثرة الصلاة والصوم، إنما العبادة التفكر في أمر الله[1566].[1567]
وسئل الصادق عليه السلام عما يروي الناس «إن تفكر ساعة خير من قيام ليلة» قيل: كيف يتفكر؟ قال: تمر بالخربة أو بالدار فتقول: أين ساكنوك وأين بانوك ما لك لا تتكلمين؟[1568].
وهذا التفكر دون الأولين في الفضل، وللناس فيه مراتب[1569].