این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
الباب الرابع
الغضب
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
في الغضب
وهو شعلة من النار اقتبست من ((نارُ اللّهِ الْمُوقَدَةُ))[255]إلا أنها لا ((تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ))[256]وإنها لمستكنة في طي[257]الفؤاد استكنان[258]الجمر تحت الرماد، ويستخرجها الكبر الدفين من قلب ((كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ))[259]، كما يستخرج الحجر النار من الحديد، وتستخرجها حمية الدين من قلوب المؤمنين.
وسببه ثوران نار الغضب، وهي الحرارة المودعة في الإنسان واشتعالها، فيغلي بها دم القلب وينتشر في العروق ويرتفع إلى أعالي البدن كما ترتفع النار وكما يرتفع الماء الذي يغلي في القدر، ولذلك ينصب إلى الوجه فيحمر الوجه والعين والبشرة لصفائها تحكي ما وراءها من حمرة الدم كما تحكي الزجاجة لون ما فيها.
[255]سورة الهمزة/ 6.
[256]سورة الهمزة/ 7.
[257]الطية تكون نزلا، وتكون منتوي، تقول: مضى فلان لطيته، أي: لنيته التي نواها.
كتاب العين، الفراهيدي: 7/465، مادة "طوي".
[258]منه الحديث: "على ما استكن"، أي: استتر.
النهاية في غريب الحديث، ابن الأثير: 4/ 206.
[259]سورة إبراهيم/ 15.
وإنما ينبسط الدم إذا غضب على من دونه واستشعر القدرة عليه، فإن صدر الغضب على من هو فوقه وكان معه يأس من الانتقام تولد منه انقباض الدم من ظاهر الجلد إلى جوف القلب وصار حزناً، ولذلك يصفر اللون، وإن كان الغضب على نظير يشك فيه تولد منه تردد بين انقباض وانبساط فيحمر ويصفر ويضطرب.
وقوة الغضب محلها القلب، ومعناها غليان دم القلب لطلب الانتقام، وإنما تتوجه هذه القوة عند ثورانها إلى دفع المؤذيات قبل وقوعها، وإلى التشفي والانتقام بعد وقوعها، والانتقام فوت هذه القوة وشهوتها وفيه لذتها ولا تسكن إلا به.
والناس في هذه القوة على درجات ثلاث في أول الفطرة من التفريط[260]والإفراط[261]والاعتدال[262]:
أما التفريط:فبفقد هذه القوة أو ضعفها، وذلك مذموم، وهو الذي يقال فيه إنه لا حمية له، ومن ثمرته عدم الغيرة على الحرام، واحتمال الذل وصغر النفس والخور[263]والسكوت عند مشاهدة المنكرات. وقد وصف الله تعالى خيار الصحابة بالشدة والحمية فقال:((أَشِدّاء عَلَىالْكُفّارِ))[264]وقال تعالى:((يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ
[260]فرط في الأمر يفرط فرطا، أي: قصر فيه وضيعه حتى فات، وكذلك التفريط.
لسان العرب، ابن منظور: 7/ 368، مادة "فرط".
[261]الإفراط: إعجال الشيء في الأمر قبل التثبت. وأفرط فلان في أمره،أي: عجل فيه جاوز القدر. كتاب العين، الفراهيدي: 7/419، مادة "فرط".
[262]الاعتدال: توسط حال بين حالين في كم أو كيف، وكل ما تناسب فقد اعتدل وكل ما أقمته فقد عدلته وعدلته.
القاموس المحيط، الفيروز آبادي: 4/ 13، مادة "العدل".
[263]الخور: رخاوة وضعف في كل شيء، تقول خار يخور خورا، ورجل خوار، وخور تخويرا. كتاب العين، الفراهيدي: 4/ 302، مادة "خور".
[264]سورة الفتح/ 29.
الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ))[265]والشدة والغلظة من آثار قوة الغضب[266].
والإفراط:هو أن تغلب هذه الصفة حتى تخرج من سياسة العقل والدين وطاعتهما فلا يبقى للمرء معها بصيرة ونظر وفكر واختيار، ويعمى ويصم عن كل موعظة، ومن آثاره تغير اللون وشدة الرعدة في الأطراف وخروج الأفعال عن الترتيب والنظام واضطراب الحركة والكلام وانطلاق اللسان بالفحش والشتم[267]وقبح الكلام والضرب والتهجم[268]، ولذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم: الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الخل العسل[269].
وعن ميسر[270]قال: ذكر الغضب عند أبي جعفر عليه السلام فقال: إن الرجل ليغضب فما يرضى أبداً حتى يدخل النار، فأيما رجل غضب على قوم وهو قائم فليجلس من فوره ذلك، فإنه سيذهب عنه رجز الشيطان، وأيما رجل غضب على ذي رحم فليدن منه فليمسه، فإن الرحم إذا مست سكنت[271].
[265]سورة التوبة/ 73.
[266]أنظر: بحار الأنوار، المجلسي: 70/ 269، كتاب الإيمان والكفر، باب 132 ذم الغضب ومدح التنمر في ذات الله.
[267]الشتم: السب، والاسم الشتيمة.
الصحاح، الجوهري: 5/ 1985، مادة "شتم".
[268]هجم على القوم يهجم هجوما: انتهى إليهم بغتة. وقيل: دخل بغير إذن. وقال الجوهري وغيره: وهجمت أنا على الشيء بغتة أهجم هجوما وهجمت غيري، يتعدى ولا يتعدى.
لسان العرب، ابن منظور: 12/600 ــ 601، مادة "هجم".
[269]الكافي، الكليني: 2/ 302، كتاب الإيمان والكفر، باب الغضب/ ح1.
[270]ميسر بن عبد العزيز: بياع الزطي، مات في حياة الصادق عليه السلام، وقيل: ميسر بفتح الميم، من أصحاب الباقر والصادق عليهما السلام.
وقال الكشي: قال علي بن الحسن: إن ميسر بن عبد العزيز كان كوفيا وكان ثقة.
نقد الرجال، التفرشي: 4/ 446، الرقم 2.
[271]الكافي، الكليني: 2/ 302، كتاب الإيمان والكفر، باب الغضب/ ح2.
وعن أبي حمزة الثمالي[272]عنه عليه السلام[273]قال: إن الغضب جمرة من الشيطان توقد في جوف ابن آدم، وإن أحدكم إذا غضب احمرت عيناه وانتفخت أوداجه ودخل الشيطان فيه، فإذا خاف أحدكم ذلك من نفسه فليلزم الأرض، فإن رجز الشيطان يذهب عنه عند ذلك[274].
وعن الصادق عليه السلام: الغضب مفتاح كل شر[275].
وعنه عليه السلام[276]قال: من كف غضبه ستر الله عورته[277].
وعنه عليه السلام[278]قال: إن في التوراة مكتوب: ابن آدم[279]اذكرني حين تغضب أذكرك عند غضبي فلا أمحقك في ما أمحق[280]، وإذا ظلمت بظلمة فارض بانتصاري لك فإن انتصاري لك خير من انتصارك لنفسك[281].
[272]ثابت بن دينار: أبو حمزة الثمالي، ودينار أبوه يكنى بأبي صفية، كوفي، ثقة، لقي علي بن الحسين وأبا جعفر وأبا عبد الله وأبا الحسن عليهم السلام، وروى عنهم، وكان من خيار أصحابنا، وثقاتهم، ومعتمدهم في الرواية والحديث.
نقد الرجال، التفرشي: 1/ 311 ــ 312، ثابت بن دينار/ الرقم 14.
[273]الإمام الباقر عليه السلام.
[274]أنظر:الكافي،الكليني:2/304 ــ 305،كتاب الإيمان والكفر، باب الغضب/ح12.
[275]إرشاد القلوب، الديلمي: 1/ 177، الباب الحادي والخمسون في أخبار عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الأطهار عليهم السلام.
[276]الإمام الصادق عليه السلام.
[277]الكافي، الكليني: 2/ 303، كتاب الإيمان والكفر، باب الغضب/ ح6.
[278]أي: "الإمام الصادق عليه السلام".
[279]في الكافي: "يا ابن آدم".
[280]في الكافي: "فلا أمحقك فيمن أمحق".
[281]الكافي، الكليني: 2/ 304، كتاب الإيمان والكفر، باب الغضب/ ح 10.
وقال عليه السلام[282]: من لم يملك غضبه لم يملك عقله[283].
وعنه عليه السلام[284]في ما ناجى الله به موسى: يا موسى أمسك غضبك عمن ملكتك عليه أكف عنك غضبي[285].
واعلم أن قمع أصل الغيظ من القلب غير ممكن، بل التكليف إنما هو بكسر سورته[286]وتضعيفه حتى لا يشتد هيجان الغيظ في الباطن، وينتهي ضعفه إلى أن يظهر أثره في الوجه، بل ينبغي للإنسان أن يكون غضبه تحت إشارة العقل والشرع، فيغضب في محل الغضب ويحلم في محل التحلم، ولا يخرجه غضبه عن الاختيار. قال تعالى:((وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ))[287]ولم يقل: والفاقدين الغيظ.
والأسباب المهيجة للغضب: الزهو[288]، والعجب، والهزل[289]، والهزء[290], والذل
[282]أي: "الإمام الصادق عليه السلام".
[283]الكافي، الكليني: 2/ 305، كتاب الإيمان والكفر، باب الغضب/ ح13.
[284]الإمام الباقر عليه السلام.
[285]أنظر: الكافي، الكليني: 2/ 303، كتاب الإيمان والكفر، باب الغضب/ ح7.
[286]سورة كل شيء: حده.
لسان العرب، ابن منظور: 4/ 387، مادة "سور".
[287]سورة آل عمران / 134.
[288]الزهو: الكبر والعظمة. و المزهو: المعجب بنفسه.
كتاب العين، الفراهيدي: 4/ 73، مادة "زهو".
[289]الهزل: نقيض الجد. ورجل هزل ككتف: كثيره. والهزالة: الفكاهة.
القاموس المحيط، الفيروز آبادي: 4/ 69، فصل الهاء، مادة "الهزل".
[290]الهزء والهزؤ: السخرية.
لسان العرب، ابن منظور: 1/ 183، مادة "هزأ".