والتعيير، والمماراة[291]والمضادة، والعذر، وشدة الحرص على فضول المال والجاه. وهي بأجمعها أخلاق رديئة مذمومة شرعاً.
ولا خلاص عن الغضب مع بقاء هذه الأسباب، فلا بد من إزالتها بأضدادها، فينبغي أن يميت الزهو بالتواضع، والعجب بالمعرفة بنفسك, والفخر بمعرفة أنه من الرذائل وإنما الفخر بالفضائل، وأما الهزل فيزيله بالجد في طلب الفضائل والأخلاق الحسنة، وأما الهزء فيزيله بالتكرم عن إيذاء الناس وبصيانة النفس عن أن يُستهزأ بك، وأما التعيير فبالحذر عن قول القبيح وصيانة النفس عن مرِّ الجواب، وأما شدة الحرص على مزايا العيش فتزال بالقناعة بقدر الضرورة طلبا لعز الاستغناء وترفعاً عن ذل الحاجة.
وكل خلق من هذه الأخلاق يفتقر في علاجه إلى رياضة وتحمل مشقة، وأصل الرياضة في إزالة هذه الأخلاق يرجع إلى معرفة غوائلها لترغب النفس عنها وتنفر عن قبحها. ثم المواظبة على مباشرة أضدادها مدة مديدة حتى تصير بالعادة مألوفة هينة على النفس، فإذا انمحت عن النفس فقد زكت وطهرت عن هذه الرذائل وتخلصت عن الغضب الذي يتولد منها[292].
وعلاجه عند هيجانه ــ كما أشير إليه في الأخبار المتقدمة ــ الاستعاذة من الشيطان، والجلوس إن كان قائماً، والاضطجاع إن كان جالساً[293]، والوضوء أو
[291]الامتراء في الشيء: الشك فيه، وكذلك التماري. والمراء: المماراة والجدل.
لسان العرب، ابن منظور: 15/ 278، مادة "مرا".
[292]أنظر: الحقايق في محاسن الأخلاق، الفيض الكاشاني: 73 ــ 78، الباب الثالث في الغضب. إحياء علوم الدين، الغزالي: 3/ 147 ــ 160، كتاب ذم الغضب والحقد والحسد.
[293]إحياء علوم الدين، الغزالي: 3/ 156، كتاب ذم الغضب والحقد والحسد، بيان علاج الغضب بعد هيجانه. ونص الحديث: «إذا غضبت فإن كنت قائما فاقعد وإن كنت قاعدا فأتكئ وإن كنت متكئا فاضطجع».
الغسل بالماء البارد[294]. قال صلى الله عليه وآله وسلم: إذا غضب أحدكم فليتوضأ وليغتسل فإن الغضب من النار[295]. وأمر صلى الله عليه وآله وسلم بالاستعاذة من الشيطان، وأن يتفكر في ما ورد في فضائل كظم الغيظ والعفو والحلم والاحتمال[296]. قال الله في معرض المدح: ((وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ))[297]وقال صلى الله عليه وآله وسلم: من كف غضبه كف الله عنه عذابه، ومن اعتذر إلى ربه قبل الله عذره، ومن خزن لسانه ستر الله عورته[298].
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: أشدكم من ملك[299]نفسه عند الغضب، وأحلمكم من عفا عند القدرة[300].
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: من أحب السبيل إلى الله تعالى جرعتان: جرعة غيظ تردها بحلم، وجرعة مصيبة تردها بصبر[301].
[294]أنظر: بحار الأنوار، المجلسي: 70/ 272، كتاب الإيمان والكفر، باب 132 ذم الغضب ومدح التنمر في ذات الله.
[295]المصدر السابق.
[296]أنظر: ما ورد في الغيظ والعفو والحلم والاحتمال ما يلي: الكافي، الكليني: 2/ 109، كتاب الإيمان والكفر، باب كظم الغيظ، و 2/ 107، باب العفو، و 2/ 111، باب الحلم. من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق: 2/ 274. الاختصاص، المفيد: 342. غرر الحكم، الآمدي: 246. روضة الواعظين، النيسابوري: 2/ 376.
[297]سورة آل عمران/ 134.
[298]المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 5/ 308 ــ 309، كتاب آفة الغضب والحقد والحسد، فضيلة كظم الغيظ.
[299]في الإحياء: "غلب" بدل "ملك".
[300]إحياء علوم الدين،الغزالي:3/157،كتاب ذم الغضب والحقد والحسد،فضيلة كظم الغيظ.
[301]المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني:5/310،كتاب آفة الغضب والحقد والحسد،فضيلة كظم الغيظ.
وعن السجاد صلى الله عليه وآله وسلم قال: ما أحب أن لي بذل نفسي حمر النعم[302]، وما تجرعت جرعة أحب إلى من جرعة غيظ لا أكافي بها صاحبها[303].
وعن الباقر عليه السلام قال: من كظم غيظاً وهو يقدر على إمضائه حشا الله قلبه أمناً وإيماناً يوم القيامة[304].
وعن الصادق عليه السلام قال: نعم الجرعة[305]الغيظ[306]لمن صبر عليها، فإن عظيم الأجر لمن عظم[307]البلاء، وما أحب الله قوماً إلا ابتلاهم[308].
وعنه عليه السلام[309]: ما من عبد كظم[310]غيظا إلا زاده الله تعالى عزاً في الدنيا وعزاً في الآخرة[311].
[302]في الحديث "ما أحب بذل نفسي حمر النعم " هي بضم حاء وسكون ميم الإبل الحمر، وهي أنفس أموال النعم وأقواها وأجلدها، فجعلت كناية عن خير الدنيا كله.
مجمع البحرين، الطريحي: 1/ 573، باب الحاء.
[303]الكافي، الكليني: 2/109، كتاب الإيمان والكفر، باب كظم الغيظ/ ح1.
[304]الكافي، الكليني: 2/110، كتاب الإيمان والكفر، باب كظم الغيظ/ ح7.
[305]جرع الغيظ: كظمه. وجرعه غصص الغيظ فتجرعه، أي:كظمه.
لسان العرب، ابن منظور: 8/ 46، مادة "جرع".
[306]الغيظ: غضب كامن للعاجز.
الصحاح، الجوهري: 3/ 1176، مادة "غيظ".
[307]في مجموعة ورام: "عظيم" بدل "عظم".
[308]مجموعة ورام، ورام بن أبي فراس: 2/ 189.
[309]أي: "الإمام الصادق عليه السلام".
[310]كظم الرجل غيظه: اجترعه.
كتاب العين، الفراهيدي: 5/ 345، مادة "كظم".
[311]أنظر: مشكاة الأنوار، الطبرسي: 217، الباب الرابع في آداب المعاشرة مع الناس وما يتصل بها، الفصل الحادي عشر في الحلم وكظم الغيظ والغضب.
وعنه عليه السلام[312]: من كظم غيظاً ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه يوم القيامة رضاه[313].
وعن الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما أعز الله بجهل قط، ولا أذل بحلم قط[314].
وعن حفص[315]قال: بعث الصادق عليه السلام غلاماً له في حاجة فأبطأ، فخرج عليه السلام في أثره فوجده نائماً، فجلس عند رأسه يروحه حتى انتبه فقال له أبو عبد الله عليه السلام: يا فلان والله ما ذلك لك تنام الليل والنهار، لك الليل ولنا منك النهار[316].
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
الباب الخامس
الحقد
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
في الحقد
إعلم أن الغضب إذا لزم كظمه لعجز عن التشفي في الحال رجع إلى الباطن واحتقن فيه فصار حقداً، ومعنى الحقد أن يلزم قلبه استثقاله والبغضة له والتنفر عنه، وأن يدوم على ذلك ويبقى، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: المؤمن ليس بحقود[317]. والحقد ثمرة الغضب، والحقد يثمر ثمانية أمور:
الأول:الحسد، وهو أن يحملك الحقد على أن تتمنى زوال النعمة منه.
الثاني:أن تزيد على إضمار الحسد في الباطن فتشمت بما يصيبه من البلاء.
الثالث:أن تهجره وتقطعه وإن أقبل عليك.
الرابع:أن تعرض عنه استصغاراً له.
الخامس:أن تتكلم فيه بما لا يحل من كذب وغيبة وإفشاء سر وهتك ستر وغيره.
[317]منية المريد، الشهيد الثاني: 321، الباب الثالث في المناظرة وشروطها وآدابها وآفاتها، الفصل الثاني في آفات المناظرة وما يتولد منها من مهلكات الأخلاق.