وأما العلاج العملي:فهو أن يحكم الحسد وكل ما يتقاضاه من قول أو فعل، فينبغي أن يكلف نفسه بنقيضها، فإن بعثه الحسد على القدح فيه كلف لسانه المدح له والثناء عليه، وإن حمله على التكبر ألزم نفسه التواضع والاعتذار إليه، وإن بعثه على كف الأنعام عنه ألزم نفسه الزيادة. ومهما فعل ذلك عن تكلف وعرفه المحسود طاب قلبه وأحبه، ومهما أحبه عاد الحاسد وأحبه وتولدت بينهما الموافقة التي تقطع مادة الحسد، ويصير ما تكلفه أولاً طبعاً آخر.
والأصل في العلاج قمع أسباب الحسد من الكبر وعزة النفس وشدة الحرص كما يأتي إن شاء الله تعالى.
واعلم أن الحاسد له في أعدائه ثلاثة أحوال:
الأولى:أن يحب مساءتهم بطبعه ولكنه يكره حبه لذلك وميل قلبه إليه بعقله، ويمقت[359]نفسه عليه ويودُّ أن يكون له حيلة في إزالة ذلك الميل، وهذا القسم معفو عنه قطعاً لأنه غير داخل تحت الاختيار.
الثانية:أن يحب ذلك ويظهر الفرح بمساءته إما بلسانه أو بجوارحه، وهذا هو الحسد المحظور[360]قطعاً.
الثالثة:وهي بين الطرفين أن يحسد بالقلب من غير مقته لنفسه على حسده ومن غير إنكار منه على قلبه، لكن يحفظ جوارحه من طاعة الحسد في مقتضاها،
[359]المقت: بغض من أمر قبيح ركبه، فهو مقيت.
كتاب العين، الفراهيدي: 5/ 132، مادة "مقت".
[360]الحظر: يطلق بمعنى المنع والقطع، ومنه قولهم: حظرت عليه كذا، أي: منعته منه. والحظر: فهو خطاب الشارع بما فعله سبب للذم شرعا بوجه ما، من حيث هو فعله. ومن أسمائه أنه محرم ومعصية وذنب.
الأحكام، الآمدي: 1/113، الفصل الثاني في المحظور.
وهذا محل خلاف بين العارفين: فقيل إنه لا يخلو عن إثم بقدر قوة ذلك الحب وضعفه، لأنك وإن كفيت ظاهرك بالكلية إلا أنك بباطنك تحب زوال النعمة، وليس في نفسك كراهة لهذه الحالة، فأنت أيضاً حسود عاصٍ لأن الحسد صفة القلب لا صفة الفعل[361]، قال تعالى: ((وَ لا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حااجَةً مِمّا أُوتُوا))[362]وقال: ((وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوااءً))[363]، والفعل ــ كالغيبة والوقيعة في المحسود ــ إنما هو عمل صادر عن الحسد لا عين الحسد.
وذهب ذاهبون إلى أنه لا يأثم إذا لم يظهر الحسد على جوارحه، ويرشد إليه كثير من الأخبار: فروي من طرق العامة[364]بأسانيد عديدة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: وضع عن أمتي تسع خصال: الخطأ، والنسيان، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطروا إليه، وما استكرهوا عليه، والطيرة[365]، والوسوسة في التفكير[366]في الخلق، والحسد ما لم يظهر بلسان أو يد[367].
[361]أنظر: الحقايق في محاسن الأخلاق، الفيض الكاشاني:80 ــ 85، الباب الثالث في الغضب، الفصل 4 ــ 7. إحياء علوم الدين، الغزالي: 3/ 167 ــ 179، كتاب ذم الغضب والحقد والحسد، القول في ذم الحسد وفي حقيقته وأسبابه ومعالجته وغاية الواجب في إزالته.
[362]سورة الحشر/ 9.
[363]سورة النساء/ 89.
[364]العامة: تطلق الكلمة على جميع المذاهب من غير الشيعة، والذين يطلق عليهم: الخاصة، وهم شيعة أمير المؤمنين عليه السلام، الذين يعتقدون بولايته وخلافته وولاية وخلافة أبنائه المعصومين عليهم السلام. وقد مر سابقا ترجمة كلمة الخاصة فراجع.
[365]الطيرة: بكسر الطاء وفتح الياء، وقد تسكن: هي التشاؤم بالشيء. وهو مصدر تطير. يقال: تطير طيرة، وتخير خيرة.
النهاية في غريب الحديث، ابن الأثير: 3/ 152، حرف الطاء.
[366]في الكافي: "التفكر" بدل "التفكير".
[367]الكافي، الكليني: 2/ 463، كتاب الإيمان والكفر، باب ما رفع عن الأمة/ ح2.
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: ثلاث لا ينجو منهن أحد: الظن، والطيرة، والحسد. وسأحدثكم بالمخرج من ذلك: إذا ظننت فلا تحقق، وإذا تطيرت فامض، وإذا حسدت فلا تبغ[368][369].
وفي رواية أخرى: ثلاث لا ينجو منهن أحد وقلّ من ينجو منهن... إلى آخرها[370].
وفي رواية أخرى: ثلاثة في المؤمن له منهن مخرج، ومخرجه من الحسد أن لا يبغى[371].
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
الباب السابع
الرياء
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
في الرياء
وتحقيق الكلام فيه في فصول
الفصل الأول: في ذمه وحرمته
قال الله تعالى: ((وَيْلٌ[372]لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سااهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرااؤُنَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمااعُونَ))[373]وقال تعالى: ((يُرااؤُنَ النّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاّ قَلِيلاً))[374]وقال تعالى: ((كَالَّذِي يُنْفِقُ ماالَهُ رِئاءَ النّاسِ))[375]وقال تعالى: ((فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِباادَةِ رَبِّهِ أَحَداً))[376].
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر. قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء[377]، يقول الله تعالى يوم القيامة إذا
[372]في النص القرآني: "فويل".
[373]سورة الماعون/ 4 ــ 7.
[374]سورة النساء/ 142.
[375]سورة البقرة/ 264.
[376]سورة الكهف/ 110.
[377]في المنية: "هو الرياء".
جازى العباد بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون لهم[378])في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم الجزاء![379]).
وقالصلى الله عليه وآله وسلم: يقول الله تعالى: من عمل عملاً أشرك فيه غيري فهو له كله وأنا منه برئ، وأنا أغنى الأغنياء عن الشرك[380]).
وقالصلى الله عليه وآله وسلم: لا يقبل الله عملاً فيه مقدار ذرة من رياء[381]).
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: إن أدنى الرياء شرك[382]).
وعن الصادق عليه السلام قال: قال الله تعالى[383]): أنا خير شريك، من أشرك معي غيري في عمل عمله لم أقبله إلا ما كان لي خالصاً[384]).
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم قال[385]: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: سيأتي على الناس زمان تخبث فيه سرائرهم وتحسن فيه علانيتهم طمعاً في الدنيا، لا يريدون به ما عند ربهم، يكون دينهم رياء، لا يخالطهم خوف، يعمهم الله بعقاب فيدعونه دعاء الغريق فلا يستجاب[386]لهم[387].
[378]ليس في المنية: "لهم".
[379]منية المريد، الشهيد الثاني: 317 ــ 318، الباب الثالث في المناظرة وشروطها وآدابها وآفاتها، الفصل الثاني في آفات المناظرة وما يتولد منها من مهلكات الأخلاق.
[380]المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 6/ 140، كتاب ذم الجاه والرياء، بيان ذم الرياء.
[381]عدة الداعي، ابن فهد الحلي: 228، الباب الرابع في كيفية الدعاء، القسم الثالث في الآداب المتأخرة عن الدعاء. وفيه النص: "إن الله لا يقبل عملا فيه مثقال ذرة من رياء".
[382]عيون الحكم والمواعظ، الليثي: 141، الفصل الثاني عشر.
[383]في الكافي:"عن علي بن سالم، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: قال الله عزّوجل: ... الحديث".
[384]الكافي، الكليني: 2/ 295، كتاب الإيمان والكفر، باب الرياء/ ح 9.
[385]في الكافي: "عن أبي عبد الله عليه السلام، قال ... الحديث".
[386]في الكافي: "فلا يستجيب".
[387]الكافي، الكليني: 2/ 296، كتاب الإيمان والكفر، باب الرياء/ ح 14.