«جُعِلَتْ الخَبَائِثُ في بَيتٍ وَجُعِلَ مِفتَاحُها الكِذْبُ»[1].
ونختم هذا الموضوع، بحديثٍ عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، حيث جاء رجل إلى رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، فقال له: يارسول اللَّه إنّي إرتكبت في السّر أربع ذنوبٍ، الزّنا و شرب الخمر و السّرقة والكذب،فأَيّتَهُنَّ شِئتَ تَركتُها لك،(لم يكن يريد أن يقلع عنها أجمع، وإكرماً للرّسول؛ يريد أن يقلع عن واحدةٍ فقط؟!.
فقال له الرسول صلى الله عليه و آله:«دَع الكَذِبَ».
فذهب الرجل، وكلما أراد أن يهمّ بالخطيئة، يتذكر عهده مع الرسول صلى الله عليه و آله، و يقول ربّما سألني، و عليّ أن أكون صادقاً في الجواب، فيجري عليّ الحدّ، و إن كذبت فقد نقضت العهد مع الرسول صلى الله عليه و آله، ممّا إضطّره أخيراً لتركها أجمع.
فرجع ذلك الرجل للرسول صلى الله عليه و آله، و قال له:
«قَدْ أَخَذتَ عَليَّ السَّبِيلَ كُلَّهُ فَقَد تَركتُهُنَّ أجمع»[2].
و نستنتج ممّا ذُكر آنفاً: أنّه في كثيرٍ من الموارد، ولأجل تربية و تهذيب النّفوس و الأخلاق، أو لإصلاح بعضها، يجب أن نبدأ من الجُذور، و كذلك الإستعانة بالمقارنات و الأخلاق الاخرى المتعلقة بها.
[1]. بحارالأنوار؛ ج 69، ص 263.
[2]. شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد؛ ج 6، ص 357.
8- من أين نبدأ؟
تعرفنا على كلّيات علم الأخلاق، و نتائجه وآثاره و مقاصده و فُروعه، والآن آن الأوان، وبما لدينا من المعلومات والمعارف الكلّية، البِدء في طريق تهذيب النّفس، أو الإنتقال من المسائل الذهنيّة إلى ميدان الممارسة و التّطبيق، ومن الكلّيات إلى الجزئيات.
ويجب التّوقف هنا، لتهيئة لوازم سفرنا الروحاني، حتى لا نصاب في سلوكنا لذلك الطّريقُ بالحيرة و الضّلالة وعدم التّنظيم و التّنظير، و عليه فلابدّ من الإلتفات إلى امور:
1-ثلاثة رُؤى في كيفيّة التعامل مع المسائل الأخلاقيّة.
2-هل يحتاج الإنسان في كل مرحلة إلى استاذٍ و مرشدٍ؟
3-دور الواعظ الخارجي والواعظ الداخلي.
4-الامور التي تُساعد الإنسان في عملية الوصول إلى هذا الهدف؛ مثل ذكر اللَّه والعبادة والأدعية، الزّيارات، النصائح المتكررة، التلقين.
5-طهارة المحيط.
ثلاث نظريّات في كيفيّة التعامل مع المسائل الأخلاقيّة:
النظريّة الأولى:
رأيٌ يقول: إنّ تهذيب النفس، نوع من الجهاد و محاربة أعداء الداخل، الّذين يتحرّكون
لإيقاع الإنسان في مستنقع الرّذيلة، و شراك الخطيئة.
هذا الرأي مقتبسٌ في الأصل، من حديث الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، المعروف، عندما خاطب الرسول صلى الله عليه و آله، قومٌ من المجاهدين، رجعوا لتوّهم من الغزو فقال:
«مَرحَباً بِقَومٍ قَضَوا الجِهادَ الأَصغَرَ وَبَقيَ عَلَيهِم الجِهادُ الأَكبَرُ، فَقِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ، ما الجِهادُ الأكبرُ، قالَ: جِهادُ النَّفسِ»[1].
وجاء في البحار في ذيل هذا الحديث: ثُمّ قَالَ صلى الله عليه و آله:
«أَفضَلُ الجِهادِ مَنْ جاهدَ نَفْسَهُ الَّتي بَينَ جَنْبَيهِ»[2].
هذا وقد فُسّرت بعض الآيات التي وردت في دائرة الجهاد، بالجهاد الأكبر، إمّا لأنّها تخصّ الجهاد مع النفس، أو لمدلولها العام في حركة السياق القرآني، الذي يتناول القِسمين للجهاد.
وجاء في تفسير القمي، في ذيل الآية (6) من سورة العنكبوت: «وَمَنْ جاهَدَ فَإنّما يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ»، قَالَ عليه السلام:«و من جاهد نَفْسَهُ عَنِ الشَّهَواتِ وَاللَّذَّاتِ وَ المَعاصِي»[3].
ويمكن أن نستوحي هذا المعنى من هذه الآية، من حيث إنّ فائدة الجهاد تعود على الإنسان نفسه، ويتّضح ويتجلّى أكثر في الجهاد مع النفس، وخصوصاً أنّ الآية التي جاءت قبلها، تكلّمت عن لقاء اللَّه: «وَمَنْ كَانَ يَرجُوا لِقاءَ اللَّهِ ...»، ونعلم أنّ لقاء اللَّه، و الشهود و القرب منه، هو الهدف الأصلي للجهاد مع النفس.
و كذلك جاء في آخر آيةٍ من سورة العنكبوت: «وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُم سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الُمحسِنِينَ».
وهذه الآية أيضاً ناظرةٌ حسب الظاهر إلى الجهاد الأكبر، وذلك لقرينة:(فينا)، و جملة:
«لَنَهْدِيَنَّهُم سُبُلَنا»، أو تتضمن مفهوماً عاماً يستوعب كلا النَّحوين من الجهاد.
وجاء أيضاً في الآية (78) من سورة الحج: «و جاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُم وَمَا
[1]. وسائل الشيعة، ج 11، ص 122 (باب 1، جهاد النفس).
[2]. بحار الأنوار، ج 67، ص 65.
[3]. تفسير القمي، ج 2، ص 148؛ بحار الانوار، ج 67، ص 65.
جَعَلَ عَلَيكُم فِي الدِّينِ مِنْ حَرجٍ».
فقد فسّر أغلب المفسّرين كلمة الجهاد بمعناها ومفهومها العام، الذي يشمل الجهاد الأصغر والأكبر، أو بخصوص معنى الجهاد الأكبر، وكما قال المرحوم العلّامة الطّبرسي في كتابه مجمع البيان، أنّ أكثر المفسّرين ذهبوا إلى أنّ المقصود من حقّ الجهاد، هو إخلاص النيّة والأعمال والطّاعات للَّهتعالى[1].
وقد ذكر العلّامة المجلسي رحمه الله هذه الآية، في زمرة الآيات النّاظرة للجهاد الأكبر[2]كذلك.
و جاء في الحديث المعروف عن أبي ذرّ رحمه الله أنّه قال:قُلتُ يا رسُولَ اللَّهِ أَيُّ الجِهادِ أَفضَلُ؟
فَقالَ صلى الله عليه و آله: «أَنْ يُجاهِدَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ وَهَواهُ»[3].
وكما ورد في حديث: جنود العقل وجنود الجهل، هذا المعنى أيضاً، إذ يُشبّه حياة الإنسان بساحةِ حربٍ، العقلُ جنوده في جهةٍ، و الجهلُ و هوى النّفس و جنودهما في الجهة المقابلة، فهذان المعسكران، يعيشان دائماً في حالة حربِ سِجالٍ، و من خلال هذا النّزاع، و معطيات حالات الصّراع في أعماق النّفس، تتولد الكمالات المعنويّة للإنسان، وذلك عندما ينتصر العقل وجنوده، و النّصر الآني، هو السّبب في التّقدم النّسبي للكمالات الإنسانيّة.
النظريّة الثّانية: نظريّة الطّب الرّوحاني
فقد ذهبوا إلى أنّ الرّوح كجسم الإنسان، تُصاب بأنواع الأمراض، و لأجل الشّفاء يتوجب اللّجوء إلى أطبّاء النّفس و الرّوح، والإستعانة بأدوية الأخلاق الخاصّة، حتى تبقى الرّوح سالمةً و نشطةً و فعّالةً.
و الجدير بالذكر، أنّ القرآن الكريم أشار إلى الأمراض الأخلاقية و الروحية، في إثنى عشر موضعاً، و عبّر عَنها بالمرض[4]، ومنها الآية (10) من سورة البقرة، إعتبرت النِّفاق من
[1]. مجمع البيان، ج 7، ص 97.
[2]. بحار الأنوار، ج 67، ص 63.
[3]. ميزان الحكمة، ج 2، ص 141.
[4]. سورة البقرة، الآية 10؛ سورة المائدة، الآية 52؛ سورة الأنفال، الآية 49؛ سورة التوبة، الآية 125؛ سورة الحج، الآية 53؛ سورة النور، الآية 50؛ سورة الأحزاب، الآية 12 و 32 و 60؛ سورة محمد، الآية 20 و 29؛ سورة المدثر، الآية 31.
زمرة الأمراض الروحية، فقالت: «فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ فَزَادَهُم اللَّهُ مَرَضاً»؛ بسبب إصرارهم على النّفاق.
وفي الآية (32) من سورة الأحزاب، و صفت عبيد الشّهوة بمرضى القلوب، الذين يتحيّنون الفرص لإصطياد النّساء العفيفات، حيث خاطب الباري تعالى نساء النبي صلى الله عليه و آله، فقال: «فَلا تَخْضَعنَ بِالقَولِ فَيَطمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ».
وجاء في الآيات الاخرى نفس هذا المعنى، أو أوسع منه، بحيث تناولت الآيات، جميع الإنحرافات الأخلاقيّة و العقائديّة.
و في معنى عميق آخر، عبّر القرآن الكريم، عن القلوب المليئة بنور المعرفة والأخلاق و التّقوى: بالقلوب السليمة. و جاء ذلك على لسان النّبي إبراهيم عليه السلام، حيث قال: «وَ لا تُخْزِنِي يَومَ يُبعَثُونَ* يَومَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ* إلّامَنْ أَتىْ اللَّهَ بِقَلبٍ سَلِيمٍ»[1].
«السّليم»من مادة«السّلامة»، و تقع في مقابل الفساد و الإنحراف والمرض، و «القلب السّليم» كما جاء في الرّوايات عن المعصومين عليهم السلام، في تفسير هذه الآية، أنّه القلب الذي خَلا من غير اللَّه تعالى، (منزّه من كلّ مرضٍ أخلاقي وروحي).
قال القرآن الكريم في مكانٍ آخر: إنّ إبراهيم عليه السلام عندما طلب من الباري تعالى: القلب السّليم، (كما أشارت الآيات الآنفة الذّكر)، تحقّق له ما يُريد، و شملته رحمة ولطف اللَّه تعالى، وأصبح ذا قلبٍ سليمٍ، فنقرأ في الآيات (83 و 84) من سورة الصافات:
«وإِنَّ مِنْ شَيعَتِهِ لَإبراهيم* إذْ جاء رَبَّهُ بِقَلبٍ سَليمٍ».
نعم، فإنّ إبراهيم عليه السلام كان يتمنى أن يكون ذا قلبٍ سليمٍ، و بالسّعي و الإيثار و محاربة الشرك، و هو النفس من موقع عبادة اللَّه، إستطاع أن يصل بالنّهاية إلى ذلك المقام.
و نجد في الأحاديث الإسلامية، إشاراتٌ كثيرةٌ حول هذا الموضوع، ومنها:
[1]. سورة الشعراء، الآية 87 الى 89.
1-يصف الإمام علي عليه السلام، الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله في نهج البلاغة، فيقول:«طَبِيبٌ دَوّارٌ بِطِبّهِ قَدْ أَحْكَمَ مَراهِمَهُ وَأَحمَى مَواسِمَهُ يَضَعُ ذِلِكَ حَيثُ الحاجة إِلَيهِ مِنْ قُلُوبٍ عُمىوآذانٍ صُمٍّ وَأَلسِنَةٍ بُكْمٍ، مُتَتَبِّعٌ بِدوَائِهِ مَواضِعَ الغَفلَةِ وَمَواطِنَ الحَيرَةِ»[1].
2-ورد في تفسير القلب السّليم، الذي ذُكر في الايتين الشّريفتين أعلاه، رواياتٌ كثيرةٌ، فنقرأ أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، سئل:ما القَلبُ السّلِيم.
فقال صلى الله عليه و آله:«دِينٌ بِلا شَكٍّ وَهُوىً، وَعَمَلٌ بِلا سُمْعَةٍ وَرِياءٍ»[2].
ونقرأ في حديث آخر عن الإمام الباقر عليه السلام:«لا عِلْمَ كَطَلَبِ السَّلامَةِ، ولاسَلامَةَ كَسَلامَةِ القَلبِ»[3].
وجاء في حديثٍ آخر عن أمير المؤمنين عليه السلام:«إِذا أَحَبَّ اللَّهُ عَبداً رَزَقَهُ قَلبَاً سَلِيماً وَخُلْقاً قَويمَاً»[4].
3-وقد ورد التعبير عن الأخلاق الرّذيلة، في الروايات بأمراض القلب.
فورد في حديث عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، أنّه قال:
«إِيّاكُم وَالمراءَ وَالخُصُومَةَ فإنّهما يُمرِضانِ القُلُوبَ عَلَى الإِخوانِ، وَ يَنْبُتُ عَلَيهما النِّفاقَ»[5].
وجاء أيضاً عن الإمام الصّادق عليه السلام أنّه قال:
«ما مِنْ شَيءٍ أَفْسَدَ لِلقَلبِ مِنْ خَطِيئَتِهِ»[6].
4-ونقرأ عن الإمام علي عليه السلام أيضاً:
«أَلا وَ مِنَ البَلاءِ الفاقَةُ، وَأَشَدُّ مِنَ الفاقَةِ مَرَضُ البَدَنِ، وَأَشَدُّ مِنْ مَرَضِ البَدنِ مَرَضُ القَلبِ».[7]
[1]. نهج البلاغة، الخطبة 108.
[2]. مستدرك الوسائل، ج 1، ص 103 (الطبعة الجديدة).
[3]. بحارالأنوار، ج 75، ص 164.
[4]. غُرر الحِكم، ج 3، ص 167، (طبعة جامعة طهران).
[5]. بحار الأنوار، ج 70، ص 399.
[6]. المصدر السابق، ص 312.
[7]. نهج البلاغة، الكلمات القصار، كلمة 388.
5-وجاء أيضاً عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، في معرض حديثه عن الحسد، و أنّه كان ولا يزال على طول التأريخ مرضٌ نفسي عضال، فقال:
«أَلا إنَّهُ قَدْ دَبَّ إِلَيكُم داءُ الامَمِّ مِنْ قَبلِكُم وَهُوَ الحَسَدُ، لَيسَ بِحالِقِ الشَّعْرِ، لَكِنَّهُ حالِقُ الدِّينِ، ويُنجِي فِيهِ أَنْ يَكُفَّ الإِنسانُ يَدَهُ وَيَحْزُنَ لِسانَهُ وَلا يَكُونَ ذا غَمزٍ عَلَى أَخِيهِ المُؤمِنُ»[1].
6-و قد ورد في التّعبير عن الرذائل الأخلاقيّة، في كثيرٍ من الرّوايات ب: «الدّاء» و مفهومها المرض، وجاء مثلًا في الخطبة (176) من نهج البلاغة، حيث يصف الإمام عليه السلام فيها القرآن الكريم:
«فَإسْتَشفُوهُ مِنْ أَدوائِكُم ... فَإِنَّ فِيهِ شِفاءً مِنْ أَكْبَرِ الدَّاءِ وَهُوَ الكُفْرُ وَالنِّفَاقُ وَالغيُّ والضَّلالُ».
ونرى أيضاً هذا التعبير في روايات كثيرة اخرى.
و خلاصة القول، إنّ الفضائل و الرّذائل، و طبقاً لهذه النظرية و الرؤية، علامةٌ لسلامة و مرض الرّوح عند الإنسان، والأنبياء عليهم السلام والأئمّة المعصومين عليهم السلام، كانوا معلمي أخلاق، و أطباء نفسيين، و تعاليمهم تجسّد في مضمونها الدّواء النّافع و العلاج الشافي.
و على هذا، فكما هو الحال في الطّب المادي، ولأجل الوصول إلى الشّفاء الكامل، يحتاج المريض إلى الدواء، و يحتاج إلى الحُمية من بعض الأكلات، فكذلك في الطّب النّفسي و الرّوحي الأخلاقي، يحتاج إلى الإمتناع عن أصدقاء السّوء، و المحيط الملّوث بالمفساد الأخلاقيّة، و كذلك الإمتناع عن كلّ ما يَساعد على تفّشي الفساد، في واقع الإنسان النفسي، و محتواه الداخلي.
فالطّب المادي جعل العمليّة الجراحيّة كعلاجٍ لبعض الحالات، و كذلك جعل الطّب
[1]. ميزان الحكمة، ج 1، ص 630.