بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 127

تهذيب النفس، بحيث إذا لم يكن تحرك الإنسان في خطّ التّهذيب النّفسي و التّزكية الأخلاقية، تحت إشراف المرشد، فسوف يختل برنامج التربية و الأخلاق و التّقوى، و يتعطل السّير و السّلوك في حركة الواقع النفسي والمعنوي لدى الفرد، لأنّ الكثير من الأشخاص إلتزموا بالرّوايات والآيات والأحاديث الإسلامية، و عملوا بها، و وصلوا إلى مقاماتٍ عالية و درجاتٍ كبيرةٍ دون الإستعانة بمرشدٍ أو معلّمٍ خاصٍ على مستوى التّربية الأخلاقيّة، و طبعاً لا يمكن إنكار فائدة الأساتذة و المرشدين و توجيهاتهم القيّمة، فهم عناصر جيّدة للوصول إلى المقصود من أقرب الطرّق، و معدّات فاعلةٌ لمواجهة المشاكل الأخلاقيّة لتحديات الواقع، و حلّها وفق مستجدّات الواقع و مستلزمات العقيدة.

و جاء في نهج البلاغة أيضاً:«أيُّها النّاسُ استَصبِحُوا مِنْ شُعْلَةِ مِصبَاحٍ، وَاعظٌ مُتَّعِظٌ»[1].

ولكن وللأسف نجد في كثير من الموارد، أنّ النّتيجة كانت عكسيّة، فكثير من الأشخاص عرّفوا أنفسهم بأنّهم مرشدون للناس في سلوك سبيل التّربية و التّهذيب، ولكن اتّضح بأنّهم قطّاع طُرق، وكمْ من الأشخاص الطّاهرين الطالبين للحقّ إنخدعوا بهم، و ساروا في طريق التّصوف أو الإنحراف، و سقطوا في منحدر الرّذيلة، و ارتكبوا مفاسد أخلاقية كبيرة؛ و عليه فنحن بدورنا نحذّر السّائرين على هذا الطّريق، إذا ما أرادوا الإستفادة من الحضور، عند استاذ و مرشدٍ في المسائل الأخلاقيّة، فيجب أن يتوخّوا جانب الحذر و الإحتياط، و ليتأكدوا من حقيقة الأمر، و لا يغترّوا بالمظاهر الخادعة، بل ليتفحّصوا عن سوابقهم، وليشاوروا أصحاب الفنّ في هذا المجال، كي يصلوا إلى غايتهم المنشودة.

دور الواعظ الداخلي (الباطني):

تكلّمنا عن دور الواعظ الخارجي بصورةٍ كافيةٍ، والآن جاء دور الواعظ الداخلي؛ حيث يستفاد من بعض الأخبار والروايات الإسلامية أنّ الضّمير الحيّ هو الواعظ الداخلي والباطني للإنسان، وله دور مهم في السّير على طريقِ التّكامل الأخلاقي و التّقوى، وبالأحرى‌

[1]. نهج البلاغة، الخطبة 105.


صفحه 128

لا يمكن السّير بدونه، في مواجهة التحديات الصّعبة و قوى الإنحراف.

فقد جاء في حديثٍ عن الإمام على بن الحسين عليهما السلام، أنّه قال:

«يا إبنَ آدمَ إِنَّكَ لاتَزَالُ بِخَيرٍ ما كانَ لَكَ وَاعِظٌ مِنْ نَفْسِكَ، وَما كانَتِ الُمحاسَبَةُ مِن هَمِّكَ»[1].

و نُقل أيضاً عنه عليه السلام، مشابهٌ لهذا المعنى، مع قليلٍ من الإختلاف‌[2].

وجاء في نهج البلاغة أيضاً، أنّ:

«وَاعَلَمُوا أَنَّهُ مَنْ لَمْ يُعَنْ عَلَى نَفْسِهِ حتّى‌ يَكُونَ لَهُ مِنْها وَاعِظٌ وَزَاجرٌ، لَم يَكُن لَهُ مِنْ غَيرِها لا زَاجرٌ وَلا واعِظٌ»[3].

ومن البديهي أنّ الإنسان في هذا الطّريق يحتاج إلى واعظٍ قبل كلّ شي‌ء، ليكون معه في كلّ حال،: ويعلم أسراره الداخلية، ويكون رقيباً عليه ومعه دائماً، وأيّ عاملٍ أفضل من الواعظ الداخلي وهو الوجدان، يتولي القيام بهذا الدّور، و ينبّه الإنسان إلى منزلقات الطّريق، و تعقيدات المسير، و يصدّه عن الإنحراف و السّقوط في الهاوية.

ونقرأ في حديثٍ عن الإمام عليّ عليه السلام:

«إِجْعَلْ مِنْ نَفْسِكَ عَلى‌ نَفْسِكَ رَقِيباً»[4].

وجاء في حديثٍ آخر عنه عليه السلام:

«يَنبَغِي أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مُهَيمِناً عَلى‌ نَفْسِهِ مُراقِباً قَلْبَهُ، حافِظاً لِسانَهُ»[5].

[1]. بحارالأنوار، ح 75، ص 137.

[2]. المصدر السابق.

[3]. نهج البلاغة، الخطبة 90.

[4]. غرر الحكم.

[5]. المصدر السابق.


صفحه 129

11- العناصر اللّازمة لتربية الفضائل الأخلاقيّة

إضافةً لما ذكرنا من برنامج للصّعود بالإنسان في أجواء التربية الأخلاقيّة، يوجد هناك عناصر اخرى، لها أثرها الكبير في منح الإنسان قوّة التّصدي، لحالات الضعف أمام الرّذائل الأخلاقيّة، وتقوية اصول الفضائل في واقع الإنسان، و حركته التّكاملية في الحياة، و منها:

1- طهارة وصفاء المحيط

ممّا لا شك فيه أنّ المحيط الذي يعيش فيه الإنسان، يعكس أثره الكبير على سلوكيّات و روحيّات ذلك الإنسان، حيث يسترفد كثيراً من صفاته وأفعاله من المحيط الإجتماعي و الثّقافي، فالمحيط النّظيف و الطّاهر غالباً ما يفرز اناساً طاهرين، والعكس صحيح.

و رغم أنّ الإنسان يمكن أن يعيش نظيفاً وطاهراً في الوسط الملّوث، وبالعكس يمكنه أن يسير في طريق الرّذيلة والإثم في المحيط الطّاهر، و بعبارةٍ اخرى إنّ الظّروف الإجتماعيّة و الثّقافية التي يعيش فيها الإنسان، ليست العلّة التّامة في صلاح و إنحراف الإنسان، ولكنّها يمكن أن تُهيى‌ء الأرضية لذلك قطعاً، وهذا ممّا لا يقبل الإنكار.

و قد يقول البعض، بأنّ الإنسان يخضع لإجبار المحيط و المجتمع، «فيبقى الإنسان كما هو الموجود فعلًا»، ولكننا ننكره جملة و تفصيلًا، من دون أن ننكر دور العوامل القويّة في عمليّة


صفحه 130

إخضاع الفرد لمتطلبات الواقع و تحدياته، في أجواء التّفاعل الإجتماعي.

بعد هذه الإشارة نعود إلى القرآن الكريم، و نقرأ الآيات التي تؤيّد تأثير المحيط في شخصيّة الإنسان، بالدّلالة الإلتزاميّة، أو المطابقيّة للكلام، لنستوحي منها المفهوم القُرآني في هذا الإطار:

1-«وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَايَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ»[1].

2-«وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ»[2].

3-«وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَاتَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً»[3].

4-«يَا عِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّاىَ فَاعْبُدُونِ»[4].

5-«إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً»[5].

تفسير و إستنتاج:

«الآية الاولى»تحدّثت عن تأثير المحيط في أعمال وأفعال الإنسان، ببيانٍ لطيفٍ و جذّابٍ، و قد إختلف المفسّرون في تفسير هذه الآية، و ذهب كلّ واحدٍ منهم إلى رأي ...

فبعضهم قال: إنّ المراد منها، أنّ ماء الوحي الرّقراق كقطرات المطر، ينزل على أرض‌

[1]. سورة الاعراف، الآية 58.

[2]. سورة الأعراف، الآية 138.

[3]. سورة نوح، الآية 26 و 27.

[4]. سورة العنكبوت، الآية 56.

[5]. سورة النساء، الآية 97.


صفحه 131

القلوب فترتوي منه القلوب الطاهرة، و تنبتُ ورود المعرفة وفواكه التّقوى و الطّاعة اللّذيذة، ولكن القلوب السّوداء والملوثة، لا تتأثر به من موقع الإستفادة في حركة الحياة، وعندما نرى أنّ ردود الفعل، قبال دعوات الأنبياء، و تعاليم الوحي ليست متساوية عند الجميع، فهذا لا يدلّ على وجود النقص والخلل في فاعليّة الفاعل، بل أنّ الإشكال إنّما هو في قابليّة القابل‌[1].

و الأمر الآخر أنّ الغرض من بيان هذا المثال، هو أن يكون طلب الفضائل والمحاسن من محلّها المناسب، لأنّ السّعي في المحل غير المناسب ليس هو إلّاإهدار و تضييع للطاقات‌[2].

الإحتمال الثالث، في تفسير هذه الآية و يمكن الإستفادة منه هنا، هو أنّ في هذا المثال شبّه الإنسان بالنبات، ولكن الأرض التي تنبت فيها النباتات إمّا حلوة أو سبخة، ممّا تنعكس تأثيراته على النّبات أيضاً، و في المحيط الملّوث، لا يمكن تربية الإنسان في إطار التعاليم الإلهيّة والقيم الأخلاقيّة، مهما كانت التعليمات وأساليب التربية قويّةٌ و مؤثرةٌ، فكما أنّ قطرات المطر المُوجبة لبعث الحياة للأرض، لا يمكن أن تؤثر في الأرض السّبخة، فكذلك الحال في عناصر التربية في المحيط الملّوث، وبناءاً عليه، يجب علينا أن نهتم بإصلاح المحيط الإجتماعي، و الثّقافي، الذي نعيشه ونتفاعل معه دائماً، للتوصل إلى تهذيب النفوس، و تحكيم الأخلاق الصالحة، في واقع الإنسان والحياة.

و بالطّبع لا يوجد تقاطع بين التفسيرات الثلاثة المتقدّمة، والمثال الآنف الذّكر، يمكن أن يكون ناظراً لهذه التفسيرات الثّلاثة على السّواء.

نعم، فإنّ المحيط الإجتماعي الملّوث بالرذيلة، هو عدوّ للفضائل الأخلاقيّة، والحال أنّ المحيط السّالم و الطّاهر، يهيى‌ء أحسن و أفضل الفرص، لغرض تهذيب النّفوس، في معارج الكمال الرّوحي والمعنوي.

و قد ورد في الحديث المعروف عن الرّسول الأعظم صلى الله عليه و آله مُخاطباً أصحابه:

«إِيّاكُم وَخَضراءِ الدِّمَنِ»، قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ خَضراءُ الدِّمَنِ قال صلى الله عليه و آله: «المَرأةُ

[1]. هذا التفسير جاء به الفخر الرازي، و أتى به بعنوان الإحتمال الأول في معنى الآية،: (تفسير الفخر الرازي، ج 14، ص 114) ونقله جماعَة اخرى عن إبن عباس‌

[2]. جاء هذا التفسير في مجمع البيان، في تفسيره لسورة الحديد في ذيل الآية الآنفة الذكر.


صفحه 132

الحَسناءِ فِي مَنْبَتِ السُّوءِ»[1].

هذا التّشبيه البليغ، يمكن أن يكون إشارةً، لتأثير المحيط الصّالح و السّي‌ء في شخصية الإنسان، على المستوى الإيجابي و السّلبي، أو هو إشارةٌ لمسألة الوراثة، و تأثيرها على مُجمل الشّخصية، أو إشارةٌ للإثنين معاً.

وفي‌«الآية الثانية»:إشارةٌ لقوم بني إسرائيل، الّذين بقوا لسنواتٍ طويلةٍ، تحت إشراف وتعليمات النّبي موسى عليه السلام، في عمليّة الهداية الرّوحية و المعنويّة، و في مجال التوحيد و سائر الاصول الدينيّة، ورأوا بامّ أعينهم المعجزات الإلهيّة، كإنفلاق البحرلهم، ونجاتهم من براثن فرعون وجنوده، ولكن وبمجرد أن صادفوا في طريقهم للشام والأرض المقدسة، قوماً يعبدون الأصنام، تأثّروا بهم و بمحيطهم الملّوث، وقالوا: «يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ».

فتعجّب موسى عليه السلام من هذا الإنقلاب، و غضب غضباً شديداً، من قولهم هذا وقال لهم:

«إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ».

وأخذ يبيّن لهم مفاسد عبادة الأصنام.

والعجيب أنّ قوم بني إسرائيل، و بعد التّوضيحات الصّريحة و المكرّرة لموسى عليه السلام، بقوا تحت تأثير هذا المحيط المسموم السّلبي، بحيث إستطاع السّامري أن يتحرك من موقع إغوائهم، و تفعيل عناصر الإنحراف لديهم في غيبة موسى عليه السلام، و الّتي إستغرقت عدّة أيّام، حيث صنع لهم صنماً من ذهبٍ، و تبعه الغالبيّة من هؤلاء القوم، و تحوّلوا من أجواء التّوحيد إلى أجواء الشّرك.

فهذا الأمر يمثل علامةً واضحةً على تأثير المحيط السّلبي، في صياغة السّلوك الإنساني، من موقع الانحراف والزيغ في دائرة المسائل الأخلاقية، بل و حتّى العقائديّة أيضاً، ولا شك أنّ بني إسرائيل وقبل مرورهم باولئك القوم، كانت لديهم الأرضيّة المساعدة لعبادة الأصنام، وذلك إثر بقائهم مع الوثنييّن المصرييّن لمدةٍ طويلةٍ، فعندما رأوا ذلك المنظر، عادوا في دائرة الذّاكرة إلى ذلك الماضي الأسود، وعلى كل حال فإنّ كلّ هذه الامور، هي دليل واضح على تأثير

[1]. وسائل الشيعة، ج 14، ص 19، ح 7- بحار الانوار، ج 100، ص 232، ح 10.


صفحه 133

المحيط الإجتماعي، في أخلاق و عقائد الإنسان في حركة الواقع النّفسي.

وفي‌«الآية الثالثة»:نجد شاهداً آخر على تأثير المحيط على أفكار وأفعال الإنسان، و هو ما نراه في سلوك نوح عليه السلام، و دعاؤه على قومه الكفّار بالفناء و الَمحق.

إنّ نوحاً عليه السلام لم ينطلق في دعائه عليهم من موقع الذات والانفعال، بل من موقع العقل و البرهان، فقال الله تعالى‌ في القرآن الكريم، على‌ لِسان نوحٍ: «إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً».

فهم في الحال الحاضر كفّار ومنحرفون، و في حالة إستمرارهم في التّكاثر و التّناسل فسوف يؤثّرون على أولادهم في عمليّة الإيحاء لهم بالكفر، و يربّوهم تربيةً منحرفةً.

و من‌«الآيتين الرابعة والخامسة»، نستوحي لزوم الهجرة من المجتمع والمحيط المنحرف، حيث يخاطب الباري تعالى عباده في الآية الرابعة، يقول: «يَا عِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّاىَ فَاعْبُدُونِ».

وفي الآية الخامسة، يحذّر المؤمنين من البقاء في المجتمع الغارق في الضّلالة، و يؤكّد لهم لزوم الهجرة، و أنّ عذرهم غير مقبول في حالة البقاء والتكاسل، فقال: «إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً».

وفي الحقيقة إنّ مسألة الهجرة هي من الاصول الأساسيّة في الإسلام، و قد شيّد الإسلام دعائمه عليها، حيث تتضمن عمليّة الهجرة، حكمٌ و غاياتٌ عديدةٌ و أهمّها الهروب و الفرار من المحيط الملّوث، و النجاة من تأثيراته السيّئة على واقع الإنسان و محتواه الداخلي.

و ليست الهجرة مختصة بزمان صدر الإسلام، كما يعتقد البعض، بل هي جارية في كلّ عصرٍ و زمانٍ يتعرض فيها المسلمون لضغوط قوى‌ الشرك و الفساد و الكفر، التي تشكّل عناصر ضغطٍ على الرّوح المنفتحة على اللَّه والخير، وليفّروا بدينهم وأخلاقهم وعقائدهم من أجواء المحيط الملّوث، فجاء في الحديث عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله:

«مَنْ فَرَّ بِدِينِهِ مِنْ أَرْضٍ إِلى‌ أَرْضٍ وَإِنْ كانَ شِبراً مِنَ الأَرضِ إِستَوجَبَ الجَنَّةَ وَكانَ‌


صفحه 134

رَفِيقَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه و آله وَإِبراهِيمَ عليه السلام»[1].

فالتأكيد على مقدار الشّبر، إنّما يدلّ على أهميّة المسألة في دائرة الإحتفاظ بالإيمان؛ فلو تسنّى للإنسان ذلك، و بأيّ مقدارٍ وأيّ زمانٍ و مكانٍ، فمعناه التوافق مع رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و إبراهيم عليه السلام في خطّ الرّسالة و الدّين.

و الخلاصة، أنّ المحيط والمجتمع الذي يعيش فيه الإنسان، كان ولا يزال عاملًا مهمّاً في تكوين وصياغة شخصية الإنسان، و أخلاقه و مؤثّراً فيها، وإن كان الأمر ليس على وجه الجَبر، وبناءاً على ذلك فإنّ تطهير أجواء المحيط الإجتماعي من أهم العوامل لتهذيب الأخلاق وتربية الملكات الفاضلة في المحتوى الداخلي للإنسان.

و إذا لم يستطع أنّ يغيّر الإنسان من أجواء المحيط شيئاً، فيجب عليه أن يُهاجر و يترك ذلك المحيط الغارق في الزّيغ و الضّلالة، و كما أنّ الإنسان، و عندما تتعرض حياته المادية للخطر، يتحرك من موقع الإبتعاد والهجرة من أرضه، فكذلك عليه أن يُهاجر منها، عندما تتعرض قِيمَهُ الأخلاقيّة و حياته المعنويّة، التي هي أهم من حياته الماديّة، للخطر ...، و لا ينبغي أن يتذرّع بأنواع الحجج و الأعذار، ليبقى فيها بحجّة أنّها أرضي و أرضَ آبائي ...، وغير ذلك من الأعذار و التّبريرات الواهية، و يستسلم لعناصر التّلوث و الإنحراف التي تؤثر عليه و على أولاده، في الدائرة السّلبية و لا يهاجر منها؟

فيتوجب على جميع علماء الأخلاق، أن يتحركوا في عمليّة التربية، لغرض إحياء الفضائل الأخلاقية، و تفعيل عناصر الخير و الإيمان، من خلال إصلاح المحيط والمجتمع، و بدون ذلك، فإنّ السّعي الفردي و الآني في هذا الخط، سيكون أثره ضعيفاً في حركة التّربية و التّهذيب.

2- دور الأصدقاء والعِشرة

و الموضوع الآخر، الذي أثبتت التجربة تأثيره العميق على السلوك الأخلاقي، و إتّفق عليه جميع علماء الأخلاق والتربية والتعليم، هو عنصر الأصدقاء ودور المعاشرة معهم، ففي‌

[1]. نور الثقلين. ج 1، ص 541.