بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 138

العامل الأصلي لضلاله، هو نفس هؤلاء الأصدقاء المنحرفين، و مرضى‌ القلوب، و أن تأثيرهم عليه كان أشدّ من تأثير النداءات الإلهيّة: (طبعاً عند المنحرفين فقط).

و أمّا«الآية الأخيرة»:فقد تحدثت عن أصدقاء السوء، و عبّرت عنهم بجنود الشيطان و أنّهم من شياطين الإنس، والجدير بالذكر، أنّ التعبير عن تأسّف هذه الجماعة، ورد بجملة:

«وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ ...»، و هي أعلى مراحل التّأسف، ففي البداية، يعضّ الإنسان إصبعه بدافع الندم، و في مرحلةٍ أقوى يعضّ باطن كفّه، و في مرحلةٍ أشدّ يعضّ على يديه الإثنتين، وهو في الحقيقة نوعٌ من الإنتقام من نفسه، و أنّه لماذا قصّر في حقّ نفسه ورماها في التهلكة؟

فما يُستفاد من الآيات الآنفة الذّكر، هو أنّ الأصدقاء و الأصحاب، لهم أثرهم الكبير في سعادة أو شقاء الإنسان، ليس على مستوى التّأثير في السّلوك الأخلاقي فحسب، بل وعلى مستوى العقائد أيضاً، فهنا يجب على المرشد أن يهتم في عمليّة صيانة الأفراد من الزيغ و الإنحراف، و يرعاهم بتوجيهاته بعيداً عن أجواء التلوّث، و خصوصاً في عصرنا الحاضر، الذي إنتشرت فيه وسائل الفساد، عن طريق رِفاق السّوء بصورةٍ مُخيفةٍ، و أصبحت سبباً من أسباب الإنحراف و السّير في خطّ الباطل.

دور الأخلّاء في الرّوايات الإسلاميّة:

وردت روايات وأحاديث مستفيضة في هذا المضمار عن الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، و الأئمّة الأطهار عليهم السلام، تعكس أهميّة هذه المسألة، ففي حديث الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، أنّه قال:«المَرءُ عَلى دِينِ خَلِيلِهِ وَقَرِينِهِ»[1].

وجاء هذا المعنى أيضاً في حديثٍ آخر، نقل عن الإمام الصادق عليه السلام، أنّه قال:

«وَلْا تَصحَبُوا أَهْلَ البِدَعِ وَلْا تُجالِسُوهُم فَتَصيرُوا عِنْدَ النّاسِ كَواحِدٍ مِنْهُم».

[1]. اصول الكافي، ج 2، ص 375: باب مجالسة أهل المعاصي، ح 3.


صفحه 139

قالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه و آله: «المَرءُ عَلى دِينِ خَلِيلِهِ وَقَرِينِهِ»[1].

و نفس هذا المعنى ورد عن الإمام علي عليه السلام أيضاً، وفيه تصوير عن حالة التّأثير المُتقابل، في دائرة التّفاعل المشترك بين الأفراد فقال:

«مُجالَسةِ الأخيارِ تَلحَقُ الأَشرارِ بالأخيارِ وَمُجالِسةِ الأَبرارِ لِلفُجَّارِ تَلحَقُ الأبرارِ بِالفُجَّارِ».

وجاء في ذيل هذا الحديث، عبارةٌ في غاية الأهميّة، حيث يقول:«مَنْ إِشتَبَهَ عَلَيكُمِ أَمرُهُ وَلَم تَعرِفُوا دِينَهُ فانظُرُوا إِلى‌ خُلَطائِهِ»[2].

وفي بعض الروايات، ورد هذا المعنى في دائرة الّتمثيل، فقال:«صُحبَةُ الأَشرارِ تَكسِبُ الشَّرَّ كَالرِّيحِ إُذا مَرَّتْ بِالنَّتِنِ حَمَلَتْ نَتِناً»[3].

و يُستفاد من هذه التّعبيرات: أنّه وكما أنّ المعاشرة و الصّحبة للأراذل، تهيى‌ء الأرضية لحركة الإنسان نحو الانزلاق في طريق الشر، فإنّ المعاشرة مع الأَخيار تنير قلب الإنسان بضياء الهدى، و تحُيي فيه عناصر الخير.

ونقرأ هذا المعنى في حديث عن أميرالمؤمنين عليه السلام، أنّه قال:«عَمارَةُ القُلُوبِ في مُعاشَرَةِ ذَوِي العُقُولِ»[4].

و جاء في حديثٍ آخر عنه عليه السلام، أنّه قال:«مُعاشَرَةُ ذَوِي الفَضائِلِ حَياةُ القُلُوبِ»[5].

فتأثير الُمجالسة على قدرٍ من الأهميّة، بحيث قال فيه النّبي سليمان عليه السلام:

«لا تَحْكُمُوا عَلى‌ رَجُلٍ بِشي‌ءٍ حَتّى‌ تَنْظُرُوا إِلى‌ مَنْ يُصاحِبُ فَإِنَّما يُعْرَفُ الرَّجُلُ بِأَشكَالِهِ وَأَقرَانِهِ؛ ويُنْسَبُ إِلى‌ أَصحابِهِ وَأَخدَانِهِ»[6].

ونقرأ في حديثٍ جاء عن لقمان الحكيم، في نصائحه لإبنه، فقال له:

[1]. اصول الكافي، ج 2، ص 375: باب مجالسة أهل المعاصي، ح 3.

[2]. كتاب صفات الشيعة، للصدوق، (طبقاً لنقل بحار الانوار، ج 71، ص 197).

[3]. غُرر الحِكم.

[4]. المصدر السابق.

[5]. المصدر السابق.

[6]. بحار الأنوار، ج 71، ص 188.


صفحه 140

«يا بُنَيَّ صاحِبِ العُلَماءَ، وأَقرِبْ مِنْهُم، وَجالِسهُم وَزُرهُم فِي بِيُوتِهِم، فَلَعَلَّكَ تَشْبَهُهُم فَتَكُونَ مَعَهُم»[1].

و على كلّ حال، فإنّ الرّوايات الشّريفة، مليئة بمثل هذه النصائح، في دائرة الإهتمام بالرّفقة و أثر الصّديق في أخلاق وسلوك الإنسان، ولو جُمعت في إطارٍ واحدٍ لأمكن تأليف بحثٍ شاملٍ كاملٍ في هذا المضمار.

و نختم الكلام بحديث عن الإمام علي عليه السلام، في وصاياه لإبنه الحسن الُمجتبى عليه السلام:

«قارِنْ أَهْلَ الخَيرِ، تَكُن مِنْهُم، وبايِنْ أَهْلَ الشَّرِّ تَبِنْ مِنْهُم»[2].

تأثير العِشرة في التحليلات المنطقيِّة:

يقولون: إنّ أحسن وأفضل دليلٍ لإمكان الشي‌ء، هو وقوعه، و في موضوع بحثنا، فإنّ رؤية نماذج عينيّة من مُعاشرة بعض الأفراد للأراذل، و كيف أنّها أصبحت مصدراً لأنواع المفاسد و الإنحرافات الخُلقيّة لهم، و بالعكس، فإنّ مُصاحبة الأخيار، ساهمت لدى البعض، على تطهير أنفسهم، من شوائب الرّذيلة و الزّيغ، و هذه الموارد هي خير دليلٍ على بحثنا هذا.

فالتشبيه القديم القائل: إنّ الأخلاق القبيحة، مثل الأمراض السّارِيَة، تنتشر بين الأصدقاء و الأقارب بسرعةٍ فائقةٍ، هو تشبيهٌ صحيحٌ، خصوصاً في الموارد التي يكون فيها الشخص، حَدث السّن أو ضعيف الإعتقاد و الإيمان، و تكون نفسه مستعدّةً لقبول أخلاق الآخرين، فالمُعاشرة لمثل هؤلاء الأفراد، مع أصدقاء السّوء، تكون بمثابة سهمٍ مُهلكٍ و قاتلٍ في دائرةِ الإيمان، و عناصر الخَير في الشّخصية، و قد شاهدنا الكثير من الأفراد والأشخاص من الطيّبين، الذين تغيّروا بالكامل بسبب معاشرتهم لرفقاء السوء، و تحوّل مجرى حياتهم من أجواء الخير إلى أجواء الشّر، و هُناك إثباتاتٌ و أدلّةٌ مختلفةٌ من تقرير هذه الحالةٌ في واقع الإنسان من النّاحية النّفسية و الرّوحية:

[1]. بحارالأنوار، ج 71، ص 189.

[2]. نهج البلاغة، وصيّة الإمام علي عليه السلام للإمام الحسن عليه السلام (رسالة 31).


صفحه 141

1-من جملة الامور الّتي توصل إليها علماء النّفس، هو وجود روح الُمحاكاة في الإنسان، يعني أنّ الأفراد ينطلقون في حركة الحياة، من موقع الشّعور أو اللّأشعور، بمُحاكاة أصدقائهم وأقاربهم، فالأشخاص الّذين يعيشون حالة الفرح و السرور، ينشدون الفرحة و الحُبور من حواليهم، والعكس صحيح.

فالأفراد المُتشائمين، الذين يعيشون اليأس و سوء الظن، يؤثرون على أصحابهم، و يجعلونهم يعيشون حالة سوءِ الظّن، و هذا الأمر يبين لنا السّبب في تأثير الأصدقاء بعضهم بالبعض الآخر بسرعةٍ.

2-مَشاهدة القبائح و تكرارها، يُقلّل من قبحها في نظر المشاهد، و بالتدريج تصبح أمراً عاديّاً، ونحن نعلم أنّ إحدى العوامل المؤثّرة في ترك الذنوب و القبائح، هو الإحساس بقبحها في الواقع النّفسي للإنسان.

3-تأثير التّلقين في الإنسان غير قابل للإنكار، و أصدقاء السّوء يؤثرون دائماً على رفقائهم في دائرة الفكر و السّلوك من خلال عمليّة التلقين والايحاء، فيقلبون عناصر الشرّ في إعتقادهم إلى عناصر الخير، ويغيّرون حسّ التّشخيص لديهم لعناصر الخير و الشرّ في منظومة القيم، فتختلط عليهم الامور، في خطّ المستقبل و كيفيّة التعامل مع الغير.

4-المُعاشرة لرفاق السّوء، يشدّد سوء الظن في الإنسان مع الجميع، وتفضي به هذه الحالة النّفسية السلبيّة إلى السّقوط في وادي الذّنوب والفساد الأخلاقي، فنقرأ في حديث عن أمير المؤمنين عليه السلام:«مُجالَسَةُ الأَشرارِ تُورِثُ سُوءَ الظَّنِّ بالأَخيارِ»[1].

وجاء في حديث آخر عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، أنّ معاشرة رفاق السّوء تميت القلب، فقال:

«أَربَعٌ يُمِتنَ القَلبَ ... وَمُجالَسَةُ المَوتى‌؛ فَقِيلَ لَهُ يا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا المَوتى‌؟، قَالَ صلى الله عليه و آله: كُلُّ غَنِيٍّ مُسْرِفٍ»[2].

وهذا الموضوع، يعني سريان الحُسن و القُبح الأخلاقي بين الأصدقاء، في أجواء المُعاشرة إلى درجةٍ من الوضوح، ممّا حدى بالشّعراء إلى نظم الشعر في هذا المضمار، من قبيل قولهم:

[1]. صفات الشيعة، الصدوق نقلًا عن بحارالأنوار، ج 71، ص 197.

[2]. الخصال، (طبقاً لنقل بحار الأنوار، ج 71، ص 195).


صفحه 142

عن المرء لا تسلْ وسلْ عن قرينه‌

فكلّ قرينٍ بالمقارن يقتدي‌

3- تأثير الاسرة والوراثة في الأخلاق‌

من المعلوم أنّ أوّل مدرسةٍ لتعليم القيم الأخلاقيّة، يدخلها الإنسان هي الاسرة، فكثيرٌ من اسس الأخلاق، تنمو في واقع الإنسان هناك، فالمحيط السّليم أو الملّوث للُاسرة، له الأثر العميق في صياغة السّلوك الأخلاقي، لأفراد الاسرة، إنّ على مستوى الأخلاق الحسنة أو السيئة، فالحجر الأساس للأخلاق في واقع الإنسان يوضع هناك.

و تتبيّن أهميّة الموضوع، عندما يتّضح أنّ الطفل في حركته التكامليّة، و مسيرته في خط التّربية:

أولًا:يتقبّل ويتأثر بالمحيط بسرعةٍ كبيرةٍ.

ثانياً:إنّ ما يتعلمه الطّفل في صغره، سوف ينفذ إلى أعماق نفسه و روحه، و قد سمعنا الحديث الشريف عن أمير المؤمنين عليه السلام، يقول فيه:

«العِلمُ فِي الصِّغَرِ كالنَّقشِ فِي الحَجَرِ»[1].

فالطفل يستلهم كثيراً من سجايا أبيه وامّه واخوته وأخواته، فالشّجاعة و السّخاء و الصّدق و الوفاء، و غيرها من الصّفات و السّجايا الأخلاقيّة الحميدة، يأخذها و يكسبها الطّفل من الكبار بسهولةٍ، و كذلك الحال في الرّذائل، حيث يكسبها الطّفل من الكبار بسهولةٍ أيضاً.

و بالإضافة إلى ذلك، فإنّ الطّفل يكسب الصّفات من أبويه عن طريقٍ آخر، و هو الوراثة، فالكروموسومات لا تنقل الصفات الجسمانية فحسب، بل تنقل الصفات الأخلاقيّة أيضاً، ولكن من دون تدخل عنصر الإجبار، حيث تكون هذه الصّفات قابلةٌ للتغيير، ولا تسلب المسؤوليّة من الأولاد أيضاً.

و بعبارةٍ اخرى، أنّ الأبوين يؤثران على الطّفل أخلاقياً من طريقين، طريق التّكوين، و

[1]. بحار الأنوار، ج 1، ص 224.


صفحه 143

طريق التّشريع، و المراد من التّكوين هو الصفات و السّجايا المزاجيّة و الأخلاقيّة المتوفرة في الكروموسومات و الجينات، و الّتي تنتقل لا إرادياً للطفل في عمليّة الوراثة.

و الطريق التشريعي يتمثل في إرشاد الأبناء، من خلال أساليب التّعليم و التّربية للصفات الأخلاقيّة، التي يكتسبها الطفل من الأبوين بوعي وشعور.

و من المعلوم أنّ أيّاً من هذين الطّريقين، لا يكون على مستوى الإجبار، بل كلّ منهما يُهيّى‌ء الأرضيّة لنمو و رشد الأخلاق في واقع الإنسان، ورأينا في كثيرٍ من الحالات أفراداً صالحين و طاهرين، لأنّ بيئتهم كانت طاهرةً و سليمةً، والعكس صحيح أيضاً. ولا شك من وجود إستثناءات في الحالتين تبيّن أنّ تأثير هذين العاملين، و هي: «التربية والوراثة»، لا يكون تأثيراً على مستوى جَبر، بل يخضع لأدوات التّغيير و عنصر الإختيار.

و نعود بعد هذه الإشارة إلى أجواء القرآن الكريم، لنستوحي من آياته الكريمة ما يرشدنا إلى الحقيقة:

1-«إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً»[1].

2-«فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا»[2].

3-«إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ* ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ»[3].

4-«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ»[4].

5-«يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً»[5]

تفسير و استنتاج:

«الآية الاولى»:تتحدث عن نوح ودعائه على قومه بالهلاك، حيث إستدلّ على ذلك‌

[1]. سورة نوح، الآية 27.

[2]. سورة آل عمران، الآية 37.

[3]. سورة آل عمران، الآية 33 و 34.

[4]. سورة التحريم، الآية 6.

[5]. سورة مريم، الآية 28.


صفحه 144

بقوله: «إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً».

فهذا الكلام يدلّ على أنّ الفجار و المنحرفين، لا يلدون إلّاالفجّار و المنحرفين، و لا يستحقون الحياة الكريمة من موقع الرّحمة، بل يجب أن ينزل عليهم العذاب أينما وجدوا وحلّوا، و الحقيقة أنّ البيئة، و تربية الاسرة وكذلك الوراثة، كلّها عوامل تؤثر في الأخلاق و العقيدة، في حركة الحياة والإنسان، والمهم في الأمر أنّ نوحاً عليه السلام، قطع بكفر وفساد أولادهم اللّاحقين، لأنّ الفساد إنتشر في المجتمع بصورةٍ كبيرةٍ جدّاً، فلا يمكن لأحدٍ أن يفلت منه بسهولةٍ، و طبعاً وجود مثل هذه العوامل، لا يعني سلب الإرادة من الإنسان، وقد ذهب البعض إلى أنّ نوح عليه السلام، توجّه لهذه الملاحظة عن طريق الوحي الإلهي، عندما قال له الباري تعالى: «إنَّهُ لَن يُؤمِنَ مِن قَومِكَ إلّامَن آمن»[1].

و من الواضح، أنّ هذه الآية لا تشمل الأجيال القادمة، لكنّه لا يُستبعد أنّه عليه السلام حكم عليهم بالإعتماد على الامور الثلاثة السّابقة الذّكر، و هي: (البيئة، وتربية الاسرة، و عامل الوراثة).

و قد ورد في بعض الرّوايات أنّ الكفّار من القوم، كانوا يأتون بصبيانهم المميزين عند نوح عليه السلام، و يقول الأب لإبنه؛ أترى هذا الشّيخ يا بُني؟ إنّه شيخٌ كذّاب، فلا تقترب منه، هكذا أوصاني أبي، «وإفعل أنت ذلك مع إبنك أيضاً».

و ظلّ الأمر على هذا المنوال على تعاقب الأجيال‌[2].

و في‌«الآية الثانية»: يحدثنا القرآن الكريم عن السيّدة مريم عليها السلام، والتي تعتبر من أهم وأبرز الشخصيات النسائية في العالم، و قد ورد في النّصوص الدينيّة، ما يبيّن أنّ مسألة التربية والوراثة و البيئة، لها أهميّة كبيرةٌ في رسم وصياغة شخصيّة الإنسان، في خطّ الحقّ أو الباطل، و لأجل تربية أفرادٍ صالحين، يجب علينا التّوجه لتلك الامور.

و من جملتها، حالة الام في زمان الحَمل، فترى أنّ امّ مريم كانت تستعيذ باللَّه تعالى من‌

[1]. سورة هود، الآية 36.

[2]. تفسير الفَخر الرازي، و المُراغي، للآية مَورد بحثنا.


صفحه 145

الشّيطان الرجيم، وكانت تتمنى دائماً أن يكون من خُدّام بيت اللَّه، بل نذرت أن يكون وليدها كذلك.

فتقول الآية الكريمة: «فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً».

تشبيه الإنسان الطّاهر بالنبات الحَسن، هو في الحقيقة إشارةٌ إلى أنّ الإنسان كالنبات، يجب ملاحظته ملاحظةً دقيقةً، فالنبات ولأجل أن ينبت نباتاً حسناً مثمراً، يجب في بادى‌ء الأمر الإستفادة من البذور الصّالحة، و الإعتناء به من قبل الفلّاح في كل مراحل رشده، إلى أن يصبح شجرةً مثمرةً، فكذلك الطفل في عَمليّة التربية، حيث ينبغي التّعامل معه من منطلق الرّعاية و العناية، و تربيته تربيةً صحيحةً، لأنّ عامل الوراثة يؤثر في نفسه وروحه، و الاسرة التي يعيش فيها، و كذلك البيئة والمحيط الذي يَتعايش معه، كلّها تمثل عناصر ضاغطة في واقعه النّفساني و المزاجي.

و الجدير بالذّكر، أنّ اللَّه سبحانه جاء بجملة: «وكَفّلَها زكَريا» في ذيل الآية، وهي الكفالة لمريم عليها السلام‌[1]، و معلوم حال من يتربى‌ على يد نبيٍّ من أنبياء اللَّه تعالى، بل اللَّه تعالى هوالذي إختاره لكفالتها ورعايتها.

فلا غرابة والحال هذه، أن تصل مريم عليها السلام لدرجاتٍ ساميةٍ، من الإيمان و التّقوى، و الأخلاق و التربية، ففي ذيل هذه الآية، يقول القرآن الكريم:

«كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الِمحرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ».

نعم فإنّ التربية الإلهيّة: تُثمر الأخلاق الإلهيّة، و الرزق من اللَّه في طريق التّكامل المعنوي للإنسان.

وقد ورد في‌«الآية الثالثة»: مقدّمةٌ لقضية مريم عليها السلام، و كفالة زكريّا عليه السلام لها، وفيها الكلام عن تأثير العامل الوراثي، و عامل التربية في تكريس الطهارة و التقوى و الفضيلة، في مضمون‌

[1]. يجب التنويه إلى أنّ «كفل»، إذا قُرى‌ء بدون التّشديد، يعنى: التّعهد بالإدارة والكفالة، وا ذا قُرى‌ء بالتّشديد بمعنى: إختيار الكفيل لآخر، وبناءً على ذلك فإنّ اللَّه تعالى إختار زكريّا عليه السلام لتربية مريم عليها السلام، «وكفّل»: أخذ مفعولين، أحدهما: (هاء)، يعود إلى مريم عليها السلام، و الآخر إلى: زكريا عليه السلام.