بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 161

منزلقات الخطيئة، و الإنحدار في هاوية الرذائل الأخلاقية، ومنها:

1-«وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَايَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَاتَعْلَمُونَ»[1].

2-«وَإِذَا قِيلَ لَهُم اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَايَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلَا يَهْتَدُونَ»[2].

3-«إِذْ قَالَ لِابِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ الَّتمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ* قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَها عَابِدِينَ»[3].

4-«وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ»[4].

5-«وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ»[5].

6-«وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ* يَتَوَارَى مِنْ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ»[6].

7-«مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيَماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ»[7].

تفسير و إستنتاج:

ما نستوحيه من الآيات الكريمة محلّ البحث، هو أنّ ثقافة الأقوام والامم السّالفة، لها دورٌ

[1]. سورة الأعراف، الآية 28.

[2]. سورة البقرة، الآية 170.

[3]. سورة الأنبياء، الآية 52 و 53.

[4]. سورة الزخرف، الآية 23.

[5]. سورة الأعراف، الآية 82.

[6]. سورة النّحل، الآية 58 و 59.

[7]. سورة الفتح، الآية 29.


صفحه 162

فاعل في تربية و نمو الصفات الأخلاقيّة، أيّاً كانت، فإذا كانت الثّقافة السّائدة بمستوى مرموق، فمن شأنها أن تفرز لنا أفراداً ذوي صفاتٍ حميدةٍ و أخلاقٍ عاليةٍ، والعكس صحيح، والآيات الكريمة السّابقة الذّكر، تُشير إلى المعنيين أعلاه.

ففي‌«الآية الاولى»: نقرأ قول الأقوام السّالفة، الّذين يعيشون الإنحراف، و يمارسون الخطيئة من موقع الوضوح في الرؤية، فإذا سُئلوا عن الدّافع لمثل هذه التصرفات الشائنة، و السلوكيات المنحرفة، قالوا بلغة التّبرير: «وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا ...».

ولم يكتفوا بذلك بل تعدّوا الحدود، و قالوا: «وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا».

بناءً على ذلك، فإنّهم إتخذوا سُنّة الّذين مَضوا من قبلهم دليلًا على حسن أعمالهم، ولم يخجلوا من أفعالهم القبيحة، على مستوى النّدم و الإحساس بالمسؤوليّة، بل كانوا يعطوها الصّبغة الشرعيّة أيضاً.

«الآية الثّانية»: طرحت نفس المعنى ولكن بشكل آخر، فعندما كان الأنبياء يدعون أقوامهم إلى الشريعة الإلهيّة النّازلة من عند اللَّه تعالى، كانوا يتحرّكون في المقابل من موقع العناد و التكبّر، و يقولون بِغرور: (سنتّبع سنّة آبائنا).

ولم يكن سبب ذلك، إلّالأنّهم وجدوا آبائهم يؤمنون بها و يتّبعونها، و بذلك لبست ثياب القداسة و إعتبروها ديناً في حركة الحياة والواقع، فهي عندهم أفضل من آيات القرآن الكريم، و شرائع الباري تعالى: «وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا»، وعليه، فلماذا فضّلوا العمل بسنّة الجهلاء، على إتّباع آيات الوحي الإلهي؟.

و يضيف القرآن الكريم قائلًا: «أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَايَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلَا يَهْتَدُونَ».

وَوَرد في‌«الآية الثّالثة»:الكلام عن السّنن وعادات الأقوام أيضاً، و دور الثّقافة الخاطئة في صياغة الأعمال المتقاطعة مع الأخلاق، ففي بيان يشابه الآيات الماضية، نقرأ قصّة إبراهيم‌


صفحه 163

وعبدة الأصنام في بابل، فعندما كان يلومهم إبراهيم عليه السلام لعبادتهم الأصنام التي لا تضرّ و لا تنفع، كانوا يقولون بصراحة: وجدنا آباءنا لها عاكفين: «إِذْ قَالَ لِابِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ الَّتمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ* قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ».

فأجابهم إبراهيم عليه السلام بأشدّ الكلام و أغلظه، بقوله: «وَقَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ».

ولكن وللأسف الشديد، إنتقل هذا الضّلال المبين إلى الأجيال، جيلًا بعد جيل، فأصبح جزءاً من ثقافتهم، و أكسبه توالي الزّمن عليه مسوح القداسة، فلم يمح قبحه فحسب، بل أصبح من إفتخاراتهم على المستوى الحضاري و الدّيني.

«الآية الرابعة»: توحي لنا نفس المعنى، ولكن بشكلٍ آخر، ففي معرض جوابهم على السّؤال القائل: لماذا تعبدون هذه الأصنام رغم أنّكم تعيشون سلامة العقل؟، تقول الآية على لسانهم: «بَلْ قالُوا إِنّا وَجَدنا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ».

فليس أنّهم لم يعتبروا هذه الحماقة، ضلالةً فحسب، بل إعتبروها هدايةً و فلاحاً، و رثوه عن آبائهم الماضين، وذكرت «الآية التي بعدها» أنّ هذا هو طريق ومنطق كلّ المترفين على طول التاريخ، وقالت: «وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ».

و من البديهي أنّ ذلك التقليد الأعمى، الذي كان يظهر جميلًا في ظلّ تلك القبائح، له أسبابٌ كثيرةٌ و أهمّها تبدّل ذلك القُبح إلى سُنّةٍ و ثقافةٍ بمرور الزّمن.

و ورد نفس هذا المعنى في الآية (103 و 104) من سورة المائدة، فقد إبتدع عرب الجاهليّة بدَعاً ما أنزل اللَّه بها من سلطان، فكانوا يحلّون الطعام الحرام ويحرّمون الطعام الحلال، وكانوا يتمسكون بالخرافات و العادات السيئة، و لا يقلعون عنها أبداً، و يقولون: «حَسْبُنا ما وَجَدنا عَلَيهِ آبائَنا».

و يتبيّن ممّا تقدم من الآيات الكريمة، تأثير العادات الخاطئة و السّنن البائدة، في قلب‌


صفحه 164

الامور رأساً على عقب، بحيث يضحى الخطأ صواباً في الواقع الأخلاقي والفكري لدى النّاس.

و في‌«الآية الخامسة»: يوجد موضوع جديد بالنّسبة لِدَور العادات و السّنن في تحول القيم الأخلاقيّة، و هو: أنّ قوم لوط الذين سوّدوا وجه التّأريخ بأفعالهم الشّنيعة، (و لِلأسف الشّديد، نرى في عصرنا الحاضر، أنّ الحضارة الغربيّة أقرّت تلك الأفعال على مستوى القانون أيضاً)، فعندما دعاهم لوط عليه السلام، والقلّة من أصحابه، إلى التّحلي بالتّقوى و الطّهارة في ممارساتهم وأفعالهم، تقول الآية أنّهم إغتاظوا من ذلك بشدّةٍ: «وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ».

فالبيئة الملوّثة، و السّنن الخاطئة و الثّقافة المنحطّة أثّرت فيهم تأثيراً سلبياً، ممّا حدى‌ بهم إلى إعتبار الطّهارة و التّقوى جنايةً، و الرّذيلة والقبائح من عناصر العزّة و الإفتخار، و من الطّبيعي، فإنّ الرذائل تنتشر بسرعةٍ في مثل هذه البيئة، التي تعيش أجواء الإنحطاط و الخطيئة، و تندرس فيها الفضائل كذلك.

«الآية السادسة»: تقصّ علينا قصّة وأدِ البنات الُمريعة في العصر الجاهلي، ولم يكن سبب ذلك سوى تحكيم الخُرافات و السّنن الخاطئة في واقع الفكر والسلوك لدى الأفراد، فقد كانت ولادة البنت في الجاهليّة عاراً على المرء، و إذا ما بُشّر أحدهم بالانثى‌ يظلّ وجهه مسودّاً من فرط الألم، و الخجل، على حدّ تعبير القرآن الكريم‌[1]: «وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ* يَتَوَارَى مِنْ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ».

و لا شكّ أنّ القتل من أقبح الجرائم، و خصوصاً إذا كان القتيل طفلًا وليداً جديداً، ولكن‌

[1]. قال بعض المفسّرين: بناءً على العلاقة الوثيقة بين القلب والوجه، فإذا ما فرح الإنسان، يتحرك الدّم الشّفاف نحو الوجه ويصبح الوجه مضيئاً ونورانياً، وعندما يهتم ويغتم الإنسان فإنّ الدورة الدموية تقل سرعتها ويصفّر الوجه ويسود، وتعتبر هذه الظاهرة، علامةً للفرح أو الحُزن: (تفسير روح المعاني ... ذيل الآية الشريفة).


صفحه 165

السّنن الخاطئة والتقاليد الزائفة، التي كانوا عليها مَحَقت القُبح من هذه الجريمة النّكراء، و جعلت منها فضيلةً.

و بالنّسبة لوأد البنات الفضيع، جاء في بعض التّفاسير: أنّ البعض من هؤلاء الجاهلين، كانوا يستخدمون اسلوب الدّفن للبنات، و بعض يغرقونهن، والبعض الآخر كانوا يفضّلون رميهنّ من أعلى‌ الجبل، وقسم آخر كانوا يذبحون بناتهم‌[1]، وأمّا بالنسبة لظهور هذا الأمر عند العرب، و تأريخه والدافع الأصلي له، فقد وردت أبحاثٌ مفصّلة لا يسع المقام لذكرها الآن‌[2].

والكلام في كيفيّة تمهيد الطريق للرذائل الأخلاقيّة، من خلال تلك السّنن الخاطئة، و العادات الزّائفة، وكيف تحلّ الرذائل مكان الفضائل، هو دليلٌ و شاهدٌ آخر على أنّ الثّقافة تُعتبر من الدّواعي المهمّة لتفعيل عناصر الفضيلة، أو تقوية قوى الإنحراف و الرذيلة، في واقع الإنسان، و بالتّالي فإنّ أوّل ما يتوجب على المصلحين، في حركتهم الإصلاحية، هو إصلاح ثقافة المجتمع والسير بها في خط العقل و الدّين.

و نرى في عصرنا الحاضر ثقافات زائفة، لا تتحرك بعيداً عمّا كان في عهد الجاهليّة، حيث أضحت مصدراً لأنواع الرذائل الأخلاقيّة في حركة الحياة الإجتماعية، و قد إنعقد في السّنوات الأخيرة مؤتمراً عالمياً في بكين عاصمة الصين، و شارك فيه أغلب دول العالم، ونادى فيه المشاركون بالعمل لتثبيت ثلاثة اصول، و أصرّوا عليها من موقع إحترام حقّ الإنسان وهي:

1-حريّة العلاقات الجنسيّة للمرأة.

2-الجنسيّة المثليّة.

3-حرّية إسقاط الجنين.

و قد واجهت هذه الامور معارضةً شديدةً من قبل بعض الدول الإسلامية، و منها الجمهورية الإسلامية.

و من الطبيعي، عندما يُدافع نواب الدّول المتحضّرة عن مثل هذه الامور الشنيعة، تحت‌

[1]. تفسير روح المعاني، ج 14، ص 154، في ذيل الآية المبحوثة.

[2]. تفسير الأمثل، ذيل الآية 58 من سورة النحل.


صفحه 166

ذريعة الدفاع عن حقوق المرأة، فأيّة ثقافةٍ سوف تظهر للوجود؟، و أيّة رذائل ستنتشر في المجتمع؟، الرذائل التي لا تضرّ بالمسائل الأخلاقيّة للناس فحسب، بل و ستؤثر أيضاً على حياتهم الإجتماعيّة و الإقتصاديّة، من موقع إهتزاز المبادى‌ء الإنسانيّة في منظومة القيم.

«الآية السابعة»: تستعرض علاقة الفضائل بثقافة المحيط والبيئة، فما وردنا من أحاديث عن الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، تبيّن مدى الرّقي الأخلاقي الذي حصل في المجتمع المظلم آنذاك، نتيجة النّهضة الفكريّة و الأخلاقيّة التي جاء بها الإسلام إلى ذلك المجتمع، فيقول القرآن الكريم:

«مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيَماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ».

و عبارة: «فالذين معه»، لا تحصر هذه المعيّة في زمانِ خاصٍّ، و مكانٍ معيّنٍ، بل تمتد إلى المعيّة في القيم الأخلاقيّة، و الأفكار الأنسانيّة، فكلّ من يقبل تلك الثّقافة الإلهيّة المحمديّة يكون من مصاديق الآية.

علاقة الآداب و السّنن بالأخلاق في الرّوايات الإسلاميّة:

أعطى الإسلام أهميةً كبيرةً لهذه المسألة، ألا و هي، سنّ السنن الصّالحة، و الإبتعاد عن السنن السّيئة، و للمسألة إنعكاساتٌ و أصداءٌ كبيرةٌ في الأحاديث الإسلامية، و يستفاد من مجموع تلك الأحاديث، أنّ الهدف هو سنّ العادات الصّالحة، كي تتهيّأ الأرضية اللّازمة للتحلّي بالأخلاق الحميدة، و إزالة الرذائل الأخلاقية من واقع النفس و السّلوك، ومنها:

1-ما ورد عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله:«خَمْسٌ لا أَدَعُهُنَّ حَتّى المَماتِ الأَكْلُ عَلَى الحضِيضِ مَعَ العَبِيدِ ...، وحَلْبُ العَنزِ بِيَدي وَلَبْسُ الصُّوفِ وَالتَّسلْيمُ عَلَى الصِّبيانِ، لَتَكُونَ سُنَّةً مِنْ بَعدِي»[1].

[1]. بحار الأنوار، ج 73، ص 66.


صفحه 167

و الهدف من كلّ ذلك، هو إيجاد روح التّواضع عند الناس من خلال الإقتداء بالرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، في حركة السّلوك الإجتماعي.

2-و جاء في حديثٍ آخر عنه صلى الله عليه و آله. أنّه قال:

«مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً عُمِلَ بِها مِنْ بَعْدِهِ كانَ لَهُ أَجْرَهُ وَمِثلَ اجُورِهِمْ مِنْ غَيرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ اجُورِهِمْ شَيئَاً، ومَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيَّئَةً فَعُمِلَ بِها مِنْ بَعْدِهِ كانَ عَلَيهِ وِزْرَهُ وِمثلَ أَوزارِهِم مِنْ غَيرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوزَارِهِمْ شَيئاً»[1].

و ورد في بحارالأنوار نفس هذا المضمون.

و نقل هذا الحديث بتعابير مختلفةٍ عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، و الإمام الباقر و الإمام الصّادق عليهما السلام، و هو يُبيّن أهمية الّتمهيد للأعمال الأخلاقيّة، و أنّ التّابع و المتبوع هما شريكان في الثواب و العقاب، و الهداية و الضّلال.

3-ولذلك أكّد الإمام علي عليه السلام، على مالك الأشتر هذا المفهوم أيضاً، لحفظ السنن الصالحة، والوقوف في وجه من يريد أن يكسر حرمتها، فيقول:

«لا تَنْقُضْ سُنَّةً صالِحَةً عَمِلَ بِها صُدُورُ هذِهِ الامَّةِ و إجتَمَعَتْ بِها الالفَةُ وَصَلُحَتْ عَلَيها الرَّعِيَّةٌ، ولا تُحْدِثَنَّ سُنَّةً تَضُرُّ بِشي‌ءٍ مِنْ ماضِي تِلكَ السُّنَنِ فَيَكُونُ الأَجرُ لِمَنْ سَنَّها وَالوِزرُ عَلَيكَ بِما نَقَضَتْ مِنْها»[2].

و بما أنّ السّنن الحسنة تساعد على تعميق عناصر الخير، و نشر الفضائل الأخلاقيّة في واقع المجتمع، فهي تدخل في مصاديق الإعانة على الخير و نشر السّنن الحميدة، و أمّا إحياء السّنن القبيحة والرذائل الأخلاقية، فتدخل في مصاديق الإعانة على الإثم والعدوان، و نعلم أنّ فاعل الخير و الدّال عليه شريكان في الأجر، وكذلك فاعل الشّر و الدّال عليه شريكان في العقاب أيضاً، من دون أن يقل من ثواب العاملين، أو عقابهم شي‌ء.

و السّنة الحسنة بدرجةٍ من الأهمية، بحيث قال الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، في الرواية المعروفة في‌

[1]. كنز العمال، ح 43079، ج 15، ص 780.

[2]. نهج البلاغة، رسالة 53.


صفحه 168

حقّ جدّه الكريم:

«كَانَتْ لِعَبدِ المُطَّلِبِ خَمساً مِنَ السُّنَنِ أَجراها اللَّهُ عَزَّوَجَلَّ فِي الإِسلامِ: حِرَّمَ نَساءَ الآباءِ عَلَى الأبناءِ، وَ سَنَّ الدِّيَةَ فِي القَتْلَ مأَةٍ مِنَ الإبلَ، وَ كَانَ يَطُوفُ بِالبَيتِ سَبَعَةَ أَشواطٍ، وَ وَجَدَ كَنزاً فَأَخْرَجَ مِنْهُ الخُمسَ، وَسَمّى‌ زَمزَمَ حِينَ حَفَرَها سِقايَةَ الحاجِّ».

ويستخلص من مجموع ما تقدم أنّ الآداب و السّنن و العادات، لها معطياتٌ مهمّةٌ، على مستوى إيجاد الفضائل أو تكريس الرّذائل على حدّ سواء، ولذلك أكّد عليها الإسلام تأكيداً شديداً و جعل الثّواب لمن يسنّ السّنن الصالحة، والعقاب لمن يسنّ السّنن الرّذيلة، و إعتبرها من الذنوب الكبيرة.

6- علاقة العمل بالأخلاق‌

صحيح أنّ أعمال الإنسان تتبع أخلاقه الظاهريّة و الباطنيّة، بحيث يمكن القول أنّ الإنسان يتأثر في سلوكه العملي، بأخلاقه الباطنية الكامنة في عالم اللّاشعور، ولكن من جهةٍ اخرى، يمكن لأعمال الشّخص أن تؤُثر في أخلاقه، من خلال صياغة المضمون للصّفات الأخلاقيّة في واقع الإنسان ومحتواه الباطني، ومعناه أنّ عمليّة الممارسة المستمرة، لعملٍ ما حسناً كان أو قبيحاً، سيؤثر في نفسيّة الإنسان، و يحوّل ذلك العمل إلى حالةٍ باطنيّةٍ، و بالإستمرار يصبح من ملكات الإنسان الأخلاقيّة الحسنة، أو القبيحة، و بناءً عليه فإنّ من الطرق المؤثرة لتهذيب النّفوس، هو تهذيب الأعمال في حركة الواقع الخارجي، فمن مارس الأعمال القبيحة، فسوف تتحول على أثر التّكرار إلى ملكةٍ سيّئةٍ في أعماق روحه، و تكون السّبب في ظهور الرّذائل الأخلاقيّة في دائرة السّلوك والممارسة.

وبناءً على ذلك نرى التأكيد في الرّوايات على أنّ يستغفر الناس بسرعةٍ عند الخطأ، ويغسلوا تلك الآثار بماء التوبة، كي لا تخلّف آثارها السّلبية على القلب، وتتحول إلى ملكاتٍ أخلاقيّةٍ قبيحةٍ.

و بعكسها نجد التأكيد على تكرار الأعمال الصّالحة، بشكلٍ مستمرٍ كي تصبح عادةً عند