و الهدف من كلّ ذلك، هو إيجاد روح التّواضع عند الناس من خلال الإقتداء بالرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، في حركة السّلوك الإجتماعي.
2-و جاء في حديثٍ آخر عنه صلى الله عليه و آله. أنّه قال:
«مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً عُمِلَ بِها مِنْ بَعْدِهِ كانَ لَهُ أَجْرَهُ وَمِثلَ اجُورِهِمْ مِنْ غَيرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ اجُورِهِمْ شَيئَاً، ومَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيَّئَةً فَعُمِلَ بِها مِنْ بَعْدِهِ كانَ عَلَيهِ وِزْرَهُ وِمثلَ أَوزارِهِم مِنْ غَيرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوزَارِهِمْ شَيئاً»[1].
و ورد في بحارالأنوار نفس هذا المضمون.
و نقل هذا الحديث بتعابير مختلفةٍ عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، و الإمام الباقر و الإمام الصّادق عليهما السلام، و هو يُبيّن أهمية الّتمهيد للأعمال الأخلاقيّة، و أنّ التّابع و المتبوع هما شريكان في الثواب و العقاب، و الهداية و الضّلال.
3-ولذلك أكّد الإمام علي عليه السلام، على مالك الأشتر هذا المفهوم أيضاً، لحفظ السنن الصالحة، والوقوف في وجه من يريد أن يكسر حرمتها، فيقول:
«لا تَنْقُضْ سُنَّةً صالِحَةً عَمِلَ بِها صُدُورُ هذِهِ الامَّةِ و إجتَمَعَتْ بِها الالفَةُ وَصَلُحَتْ عَلَيها الرَّعِيَّةٌ، ولا تُحْدِثَنَّ سُنَّةً تَضُرُّ بِشيءٍ مِنْ ماضِي تِلكَ السُّنَنِ فَيَكُونُ الأَجرُ لِمَنْ سَنَّها وَالوِزرُ عَلَيكَ بِما نَقَضَتْ مِنْها»[2].
و بما أنّ السّنن الحسنة تساعد على تعميق عناصر الخير، و نشر الفضائل الأخلاقيّة في واقع المجتمع، فهي تدخل في مصاديق الإعانة على الخير و نشر السّنن الحميدة، و أمّا إحياء السّنن القبيحة والرذائل الأخلاقية، فتدخل في مصاديق الإعانة على الإثم والعدوان، و نعلم أنّ فاعل الخير و الدّال عليه شريكان في الأجر، وكذلك فاعل الشّر و الدّال عليه شريكان في العقاب أيضاً، من دون أن يقل من ثواب العاملين، أو عقابهم شيء.
و السّنة الحسنة بدرجةٍ من الأهمية، بحيث قال الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، في الرواية المعروفة في
[1]. كنز العمال، ح 43079، ج 15، ص 780.
[2]. نهج البلاغة، رسالة 53.
حقّ جدّه الكريم:
«كَانَتْ لِعَبدِ المُطَّلِبِ خَمساً مِنَ السُّنَنِ أَجراها اللَّهُ عَزَّوَجَلَّ فِي الإِسلامِ: حِرَّمَ نَساءَ الآباءِ عَلَى الأبناءِ، وَ سَنَّ الدِّيَةَ فِي القَتْلَ مأَةٍ مِنَ الإبلَ، وَ كَانَ يَطُوفُ بِالبَيتِ سَبَعَةَ أَشواطٍ، وَ وَجَدَ كَنزاً فَأَخْرَجَ مِنْهُ الخُمسَ، وَسَمّى زَمزَمَ حِينَ حَفَرَها سِقايَةَ الحاجِّ».
ويستخلص من مجموع ما تقدم أنّ الآداب و السّنن و العادات، لها معطياتٌ مهمّةٌ، على مستوى إيجاد الفضائل أو تكريس الرّذائل على حدّ سواء، ولذلك أكّد عليها الإسلام تأكيداً شديداً و جعل الثّواب لمن يسنّ السّنن الصالحة، والعقاب لمن يسنّ السّنن الرّذيلة، و إعتبرها من الذنوب الكبيرة.
6- علاقة العمل بالأخلاق
صحيح أنّ أعمال الإنسان تتبع أخلاقه الظاهريّة و الباطنيّة، بحيث يمكن القول أنّ الإنسان يتأثر في سلوكه العملي، بأخلاقه الباطنية الكامنة في عالم اللّاشعور، ولكن من جهةٍ اخرى، يمكن لأعمال الشّخص أن تؤُثر في أخلاقه، من خلال صياغة المضمون للصّفات الأخلاقيّة في واقع الإنسان ومحتواه الباطني، ومعناه أنّ عمليّة الممارسة المستمرة، لعملٍ ما حسناً كان أو قبيحاً، سيؤثر في نفسيّة الإنسان، و يحوّل ذلك العمل إلى حالةٍ باطنيّةٍ، و بالإستمرار يصبح من ملكات الإنسان الأخلاقيّة الحسنة، أو القبيحة، و بناءً عليه فإنّ من الطرق المؤثرة لتهذيب النّفوس، هو تهذيب الأعمال في حركة الواقع الخارجي، فمن مارس الأعمال القبيحة، فسوف تتحول على أثر التّكرار إلى ملكةٍ سيّئةٍ في أعماق روحه، و تكون السّبب في ظهور الرّذائل الأخلاقيّة في دائرة السّلوك والممارسة.
وبناءً على ذلك نرى التأكيد في الرّوايات على أنّ يستغفر الناس بسرعةٍ عند الخطأ، ويغسلوا تلك الآثار بماء التوبة، كي لا تخلّف آثارها السّلبية على القلب، وتتحول إلى ملكاتٍ أخلاقيّةٍ قبيحةٍ.
و بعكسها نجد التأكيد على تكرار الأعمال الصّالحة، بشكلٍ مستمرٍ كي تصبح عادةً عند
الإنسان، في واقعه النفسي والروحي.
بعد هذه الإشارة نعود إلى القرآن الكريم، و نستعرض الآيات الشّريفة التي تشير إلى هذا المعنى:
1-«كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ»[1].
2-«كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ»[2].
3-«أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً»[3].
4-«وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ»[4].
5-«قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا* الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً»[5].
6-«إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً»[6].
7-«خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا»[7].
تفسير و إستِنْتاجٌ:
في«الآية الاولى»: نجد إشارةً إلى معطيات الذّنوب السّلبية على قلب روح الإنسان، فهي تسلب الصّفاء و النّورانية منه، وتحلُّ الظّلمة مكانه، فيقول اللَّه تعالى في القرآن الكريم: «كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ».
فجملة: «مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ»، جاءت بصيغة الفعل المضارع، الذي يدلّ على الإستمرار،
[1]. سورة المطففّين، الآية 14.
[2]. سورة يونس، الآية 12.
[3]. سورة فاطر، الآية 8.
[4]. سورة النمل، الآية 24.
[5]. سورة الكهف، الآية 103.
[6]. سورة النساء، الآية 17.
[7]. سورة التوبة، الآية 102
بمعنى أنّ الأعمال القبيحة، بإمكانها أن توجد تغييرات وتحولات كبيرة، في قلب الإنسان وروحه، فهي كالصّدأ الذي يحجب نورانيّة وصفاء المرآة ويكدّرها.
فالرّذيلة تُقسّي القلب وتسلبه الحَياء، في مقابل الذّنب، فيغلب عليه الشّقاء و الظّلمة، أمّا «الرّين» على وزن «عين»، فهو الصّدأ يعلو على الأشياء الثمينة، نتيجةً لرطوبة الجوّ، فيكوّن طبقةً حمراء تُغطّي ذلك الشّيء، وهو علامة على فساد ذلك الفِلِز.
فإختيار هذا التعبير هو إختيار مُناسب جدّاً، حيث أكدت عليه الرّوايات الإسلامية، مراراً و تكراراً، و بحثنا الآتي سيكون حول هذا الموضوع.
و في«الآية الثانية»: تعدّت مرحلة الرّين وأشارت إلى مرحلة «التّزيين»، وبناءاً عليه فالتكرار لعملٍ ما، يبعث على تزيينه في عين الإنسان و نظره، و تتوافق معه النفس الإنسانية، لدرجةٍ يعتبره الإنسان من المواهب و الإفتخارات التي يتميز بها على الآخرين، فيقول اللَّه تعالى: «كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ».
فجملة: «مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ»، و كذلك «المسرفين»، هي دليلٌ واضحٌ على تكرارِ الذّنب من قبلهم، فالتّكرار لها، لا يمحو قُبحها فقط، بل و بالتّدريج ستتحول الخطيئة إلى فضيلةٍ في نظرهم، و هذا يعني في الحقيقة المسخ لشخصيّة الإنسان، و هو من النتائج المشؤومة لتكرار الذّنوب.
وهناك خلافٌ حول الفاعل، الذي يزيّن لهؤلاء الأفراد أعمالهم القبيحة ...
فقد ورد في بعض الآيات الكريمة، إنتساب ذلك الفعل إلى الباري تعالى، و إعتبره كعقابٍ لهم، لأنّهم أصرّوا على الذّنوب، فالتّزيين هو إستدراج لهم، وليذوقوا وبال أعمالهم فقال الله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ لَايُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ»[1].
و في الآية (43) من سورة الأنعام، نسب ذلك الفعل للشّيطان الرّجيم، فيقول عن الكفّار
[1]. سورة النمل، الآية 4.
المعاندين، الذين لا يحبون النّاصحين:
«وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُون».
و مرةً اخرى نسب ذلك الفعل للأصنام، فيقول اللَّه تعالى: «وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ)[1].
و اخرى (وكما ورد في الآية التي هي مورد بحثنا الآن)، ورد بصورة الفعل المبني للمجهول:
«أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً».
و بنظرةٍ فاحصةٍ نرى، أنّ هذه التّعابير لا تتقاطع فيما بينها، بل أحدها يكمّل الآخر، فمرةً تكون الزّينة عاملًا على تكرار العمل، فالتّكرار يُقلّل من قبح العمل، و يصل إلى مرحلةٍ لا يحسّ معها بالذّنب، و بالإستمرار يحسُن في نظر صاحبه، فيُقيّده و لا يستطيع التّحرر من ذلك الفخ، الذي نُصب له، و هي حقيقةٌ يمكن للإنسان أن يلمسها، بالتتّبع و النّظر لحال المجرمين.
و في موارد اخرى، فإنّ الوساوس الشّيطانية الخارجيّة، و الوساوس الباطنيّة النفسيّة، تزيّن للإنسان سوء عمله، و يصل الأمر به إلى إرتكاب الكبائر، بحجة أنّه يؤدّي واجبه الدّيني فيغتاب شخصاً ما، بدون ذنبٍ و هو يتصور أنّه على حقٍّ، ولكن الحسد في الواقع هو الذي يدفعه الى ذلك، و التأريخ مليءٌ بمثل هذه الجنايات الفظيعة، فوساوس النّفس و الشّيطان لا تعمل على التّستر على قبح العمل فقط، بل تجعله من إفتخاراته.
و ربّما يعاقب الباري تعالى، أشخاصاً لعنادهم، و عدم قبولهم النّصحية، و لا يكون العقاب إلّا بتزيين سوء عمل الإنسان، لتشتدّ عقوبته ويفتضح أكثر فأكثر.
و يجب التّنويه، إلى أنّه و طبقاً للتّوحيد الأفعالي، فإنّ كلّ عملٍ و أثرٍ موجودٍ في هذا العالم، يمكن أن يُنسب إلى اللَّه تعالى، لأنّ ذاته المقدّسة هي علّةٌ العلل، و لا يعني هذا الأمر أنّ الأفراد قد اجبروا على أفعالهم، فالحمد للَّهالذي جعل القوّة والقدرة على الفعل ومنَحها لِعباده، واللعنة على الذين يستعملون تلك القوّة في دائرة الشر والذّنوب.
و ربّما تقتضي طبيعة الأشياء، التّزيين والزخرفة، فنقرأ في الآيه (14) من سورة آل عمران:
[1]. سورة الأنعام، الآية 137.
«زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَ الْقُنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ...».
وإحدى العوامل لتزيين الأعمال القبيحة في نظر الشّخص، التّكرار لها، فهو يُؤثر في نفس و روح الإنسان، و يغيّر أخلاقه، و العكس صحيحٌ، فإنّ تكرار الأعمال الحسنة يصبح ملكةً بالتدريج عند الإنسان، و يبدّله إلى أخلاقٍ فاضلةٍ، و لذلك و لأجل تهذيب النّفوس و نمو الفضائل الأخلاقيّة، نوصي السّالكين في هذا الطّريق، بالإستعانة بتكرار الأعمال الصّالحة، وأن يحذروا من تكرار الأعمال السيئة، فالأوّل هو المعين الناصح للإنسان، و الثاني عدوّ غدّار.
و«الآية الثاالثة»: تتحدث عن تزيين سوء أعمال الإنسان أيضاً، فيقول تعالى: «أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً».
فكما جاء في تفسير الآية السّابقة: فإنّ من العوامل لتزيين سوء الأعمال هو التّكرار، و التّطبيع عليها، و التّدريج يؤدّي إلى أن يفقد الإنسان، الإحساس بِقُبحها، و سوف يولع بها ويفتخر أيضاً.
و اللّطيف أنّ القرآن الكريم، عندما يسأل ذلك السّؤال، لا يذكر النّقطة المقابلة لها، بصورةٍ مباشرةٍ، و يفسح المجال للسّامع، أن يتصور النّقطة المقابلة بنفسه، ويتفهمها أكثر، فهو يريد أن يقول: هل أنّ هذا الفرد، يتساوى مع من يميّز الحق من الباطل في حركة الحياة؟، أو هل أنّ هؤلاء الأفراد، يشبهون الأفراد من ذوي القلوب الطّاهرة، الذين يعيشون حالة الإهتمام بمحاسبة أنفسهم، والبعد عن القبائح ...؟.
و يجب الإنتباه، الى أنّ اللَّه تعالى يقول، في ذيل الآية مخاطباً رسوله الكريم:
«فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ».
و هو في الحقيقة عقابٌ للّذين يفعلون القبائح، فيجب أن تكون عاقبتهم كذلك.
وقد جاء في تفسير، «في ظلال القرآن»: أنّ الباري تعالى إذا أراد أن يهدي الإنسان للخير، «بسبب نيّته و عمله»، فيجد في قلبه الحساسيّة و التّوجه الخاص لسوء الأعمال، فهو دائماً على حذرٍ من الشّيطان و الخطأ و الزّيغ ولا يأمن الإختبار، و ينتظر المَدد الإلهي دائماً، وهنا يكون
الفصل بين طريق الهداية والفلاح، وبين خطّ الضّلال و الهلاك[1].
و قد ورد، أنّ أحد أصحاب الإمام الكاظم عليه السلام، (او أحد أصحاب الإمام الرضا عليه السلام)، قال:
سألت الإمام عليه السلام ما هو العجب الذي يبطل عمل الإنسان؟
فقال عليه السلام:«العُجبُ دَرَجاتٌ مِنْها أَنْ يُزَيَّنَ لِلعَبْدِ سُوءُ عَمَلِهِ فَيَراهُ حَسَناً فَيُعْجِبُهُ وَيَحْسَبُ أَنَّهُ يُحْسِنُ صُنعاً»[2].
و«الآية الرابعة»:تتحدث عن مَلِكَة سَبأ، و عاقبتها والأخبار التي جاء بها الهدهد لسليمان عليه السلام، من تلك الأرض واولئك القوم:
«وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ».
فالشّمس مع نورها الوهّاج، و عظمتها و فائدتها؛ لكنّ طلوعها و غروبها، و إنحجابها بالغيوم، تبيّن أنّها هي بدورها أيضاً تابعة لقوانين الكون، و لا إرادة لها أبداً، و لا تستحق التقدير. ولكنّ الآباء علّمت الأبناء، و التربية الخاطئة و السُنّة الضّالة، و تكرار العمل، حَدَت بالنّاس لتصوّر القبيح في صورةٍ حسنةٍ، و في بعض البلدان، يعبدون البقر، و يؤدّون الطّقوس أمامها، و هو مدعاةٌ للسّخريّة و الضَّحِك، ولكنهم يفتخرون بذلك. و من العوامل المهمّة لذلك، هو التّكرار لذلك العمل الذي عوّد الإنسان على القبيح و جعله حسناً.
و قد يُنسب هذا الفعل للشّيطان، ولكن في الحقيقة، الشّيطان له وسائل متعدّدة للغواية، و منها التّكرار للقبيح و التعوّد عليه.
«الآية الخامسة»:لها نفس المحتوى الوارد في الآيات السابقة، ولكن بتعبيراتٍ جديدةٍ، حيث قال تعالى، مخاطباً رسوله الكريم: «قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا* الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً».
[1]. تفسير في ظلال القرآن، ج 6، ص 675.
[2]. نور الثقلين، ج 4، ص 351، ح 30.
فالكلام عن المتضرّر الأوّل في المعركة، و هو الذي يصرف عمره وفكره وطاقته في الطّريق الغلط، و هو يحسب أنّه يُحسن صُنعاً، و هو فرحٌ و مسرورٌ و يفتخر بذلك.
فلماذا يُبتلى الإنسان بهذه المصائب؟، ليس ذلك إلّالأنّه تعوّد على القبائح، و إتّباع هوى النّفس، و الأنانية و العجب، فتجعل الحُجب على قلبه وعقله، فلا يرى الحقيقة واضحةً صائبةً كما هي.
و النتيجة لهذا الأمر، جاءت في الآية التي بعدها فقال تعالى: «اولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِم وَلِقائِهِ وَحَبِطَتْ أَعْمَالَهُمُ».
و فسرت الروايات الإسلاميّة، هذه الآية بتفسيرٍ و تعبيراتٍ متعددةٍ، وكلٌّ منها هو في الحقيقة مصداقٌ للآية، فبعضها فسّرت الآية بالمنكرين لولاية أميرالمؤمنين عليه السلام، و بعضها فسّرت الآية بالرّهبان المسيحيين، فهم الذين يتركون الدنيا بالكامل و لذائذها، وهم في الحقيقة مخطئون، و يتحرّكون في دائرة الفكر والعمل في الطّريق المنحرف.
و البعض الآخر من الروايات، ذكرت في تفسيرها أنّهم أهل البدع من المسلمين؛ واخرى فسّروها، بخوارج النّهروان، وقال آخرون: أنّها نزلت في أهل البدع من اليهود و النّصارى، فكلّ هؤلاء الأشخاص على خطأ و أعمالهم مليئةٌ بالإجرام و الظّلم، ولكنهم كانوا يحسبون أنّهم على صواب.
و تجدر الإشارة إلى أنّ، جملة: «حبطت أعمالهم»، التي جاءت في ذيل الآية، هي من مادة «حبط،» و من معانيها المعروفة هو البعير أو حيوان آخر، يأكل العلف بشراهةٍ، حتى العلف السّام والضار بحيث يؤدي إلى إنتفاخ بطنه، و قد يؤدّي به في بعض الأحيان للموت، فالبعض يتصور أنّ ذلك هو دليل على قوته و قدرته، ولكنّ الحقيقة هي غير ذلك، بل هو المرض بعينه، أو مقدمةٌ لموته، ولكن الجهّال يعتبرونها من القوّة و القدرة.
و قسمٌ من النّاس يبتلون بمثل هذه العاقبة، فيكون كلّ سعيهم و قوتهم لهلاك أنفسهم، و هم يتصورون أنّهم سلكوا طريق السّعادة و الرفاه.