3- الرّياضيات:وهي أيضاً لها فروع متعددة.
وأما التي تتعلق بأفعال الإنسان، فتسمى بالحكمة العمليّة، وهي بدورها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
1- الأخلاق والأفعال:التي تكون سبباً في سعادة أو ضلال الإنسان، و تكون جذورها ومصدرها النفس الإنسانيّة.
2- تدبير المنزل:وكل ما يتعلق بالعائلة.
3- سياسة وتدبير المدن:والتي تتناول طرق إدارة المجتمعات البشرية.
و هكذا فقد أفردوا للأخلاق حقلها الخاص بها، في مقابل (تدبير البيت) و (سياسة المدن).
وعليه يمكن القول بأنّ علم الأخلاق هو فرع من:«الفلسفة العملية»أو«الحكمة العمليّة».
ولكنّ تعدد العلوم في عصرنا الحاضر دعى للفصل بينها، و غالباً ما تأتي الفلسفة والحكمة، و الفلسفة بمعنى الحكمة النظريّة من نوعها الأوّل، وهي الامور التي تتعلق بالعالم والكون وكذلك المبدأ والمعاد.
ويوجد اختلاف بين الفلاسفة، في أيّهما أفضل:الحكمة النظريّةأمالحكمة العمليّة،فقسم إدّعى الأفضلية للُاولى، وقسم آخر إدّعى الأفضلية لِلثانية، وعند التّدقيق في مدّعاهم نرى، أنّ الإثنين على حق و هذا ليس بحثنا الآن.
وسنتعرض لعلاقة الأخلاق بالفلسفة، في موارد اخرى في المستقبل، إن شاء اللَّه تعالى.
3- علاقة الأخلاق بالعِرفان
أمّا بالنسبة لعلاقة (الأخلاق) ب (العرفان) و (السير و السلوك إلى اللَّه)؛ فيمكن القول أنّالعرفانأكثر ما ينظر للمعارف الإلهيّة، ولكن ليس عن طريق العلم و الإستدلال، بل عن طريق الشّهود الباطني، بمعنى أنّ قلب الإنسان يجب أن يكون كالمرآة الصافية، لدرجةٍ يستطيع فيها أن يرى الحقيقة لتزول عنه الحُجب، وليرى بقلبه الذّات الإلهيّة و أسمائه و صفاته، ومنها يصل إلى العشق الإلهي الحق.
وبما أنّ علم الأخلاق، له اليد الطُولى في المساعدة على دفع ورفع الرذائل، و التي هي بمثابة الحُجب على القلوب، فمن البديهي أن تكون الأخلاق من اسس ومقدمات العرفان الإلهي.
وأما«السّير والسّلوك إلى اللَّه»،والذي يكون هدفه النّهائي هو معرفة اللَّه والقرب منه، فهو في الحقيقة مجموعة من «العرفان» و «الأخلاق»، فما كان من«السّير والسّلوك الباطني»، فهو نوع من «العرفان»، الذي يوصل الإنسان يوماً بعد يوم للذات الإلهيّة، ويرفع عن قلبه الحجب والأدران، ويمهد الطّريق إليه؛ وما كان من«السّير و السّلوك الخارجي»:فهو نفس الأخلاق التي تهدف لتهذيب النفوس، و ليس فقط لأجل الحياة الماديّة المرفّهة.
4- علاقة العلم بالأخلاق
بالنّسبة للآيات السّابقة و كما ذكرنا أنّ القرآن الكريم، أتىب: «تعليم الكتاب والحكمة»إلى جانب:«التزكية والتّهذيب الأخلاقي»، فتارةً يقدِّم «التّزكية» على «التّعليم»، و اخرىُ يقدِّم «التعليم» على التزكية، و هو أمر يُبيّن مدى العلاقة الوثيقة التي تربط بين الإثنين.
وهذا يعني أنّ الإنسان، عندما ينفتح على المعرفة، و تكون لديه خبرةٌ بالأعمال الحسنة والسيئة، ويعرف عواقب «الفضيلة» و «الرذيلة»، فممّا لا شك فيه أنّها ستؤثر في تربيته، بحيث يمكن القول أنّ كثيراً من الرذائل ناتجة من عدم الإطّلاع والفهم. ومن ذلك يمكن القول؛ أنَّه إذا ما إستطعنا أن ننهض بالمستوى العلمي للأفراد، وبعبارةٍ اخرى: إذا أمكننا نشر الثقافة بين الناس، فستحل الفضائل مكان الرّذائل، وإن كان هذا الأمر ليس كليّاً.
ومع الأسف الشديد، نرى أنّ البعض بالغوا فيها لدرجة الإفراط والتّفريط.
فبعض إتّبعوا الحكيم سُقراط اليوناني، حيث كان يعتقد بأنّ العلم والحكمة هي منشأ الأخلاق الحميدة، والرّذائل الأخلاقيّة منشؤها الجهل، ولذلك فإنّه كان يعتقد أيضاً أنّه ولأجل محاربة الفساد و الرّذائل الأخلاقية وإحلال الفضائل الأخلاقية محلّها، يجب العمل على رفع المستوى العلمي للمجتمع، و بالتّالي تتساوى (الفضيلة) مع (المعرفة).
هؤلاء يدّعون أنّه لا يوجد إنسان يتجه نحو الرّذيلة وهو على علم بها، وإذا ما شخّصَ الإنسان الفضيلة فسوف لن يتركها، ولذلك يتوجّب علينا كسب العلم، ومعرفة الخير وتمييزه من الشر لنا و لغيرنا، كي تزرع في نفوسنا بذور الفضائل الأخلاقية!.
وفي المقابل يوجد من ينفي هذهِ العلاقة بين الإثنين بالكامل، لأنّ العلم والذكاء للإنسان المجرم سيكون عاملًا مساعداً له في إرتكاب جرائم أخطر، وعلى حدّ تعبير المثل الذي يقول:
(إذا كان مع اللص مصباحاً فانه سوف ينتفي البضائع الجيدة).
ولكن الحق و الإنصاف أنّه ليس بإمكاننا نفي تأثير العلم بالكامل، و لا نفي معلولية أحداهما للاخر.
والشّاهد على ذلك المُثل الحيّة التي نراها في المجتمع، فكثيراً ما شاهدنا اناساً كانوا يفعلون الرذائل، و عندما أدركوا قبح فعالهم ونتائجها السيئة، أقلعوا عنها و إتجهوا نحو الفضائل، ووجدنا هذا الأمر حتى في وقتنا الحاضر هذا.
وفي المقابل نعرف أشخاصاً عندهم المعرفة التامة بالخير والشرّ، ولكنهم يُصرّون على الشرّ و هو متأصل في نفوسهم.
و كلّ ذلك لأنّ الإنسان لديه بُعدان: بعد العلم و الادراك و بُعد عملي، وهو الميول والغرائز والشّهوات، و لأجل ذلك فساعةً يميل الى هذا، و ساعةً يُرجحُ ذلك.
والذي يقول بأحد القولين، فانه يفترض أنّ الإنسان فيه بُعدٌ واحد لا أكثر، ويغفل عن وجود البعد الآخر.
ونشير هنا إلى الآيات القرآنية التي وردت في هذا الباب، و التي أكدت على التّأثير المتبادل بين عُنصر الجهل وسوء العمل، قال تعالى:
«أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَانَّهُ غَفُورٌ رَحيمٌ؛»[1].
ويوجد شبيه لهذا المعنى في سورة النساء: الآية (17)، وسورة النحل: الآية (119).
ومن البديهي أنّ الجهل المذكور ليس هو الجهل المطلق الذي لا يوائم التوبة، بل هو مرتبةٌ من مراتب الجهل، فإذا إرتفع فسوف يهتدي الإنسان بعدها للطّريق القويم.
[1]. سورة الأنعام، الآية 54.
وذكرنا في الجزء الأول من دورة نفحات القرآن أنّ الجهل هو السبب لكثير من الضلالات، فهو- الجهل- سبب للكفر وإشاعة الفساد والتعصب والعناد والتقليد الأعمى والفُرقة وسوء الظّن والجسارة و قلّة الأدب، و في واحدةٍ يمكن القول، أنّ الجهل عامل لإفساد كثير من القِيم[1].
ومن جهة اخرى تُصرِّح الآيات الشريفة بوجود حالة العناد في الإنسان، مع علمه بأنّه يتحرك في طريق الظّلم والطغيان، مثل آل فرعون، حيث يتحدث عنهم القرآن الكريم:
«وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً»[2].
وكذلك ما ورد بالنسبة إلى بعض أهل الكتاب، كما قال الباري تعالى: «وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ»[3].
وورد هذا المعنى في ما بعدها من الآيات[4].
وقد يكون المراد من الآية هو موضوع الكَذب، ولكنّه أيضاً يؤيّد مدّعانا، لأنّ قبح الكذب حكم به العقل و الشّرع، وهو من الامور الواضحة التي لا تخفى على أحد.
فالحقائق والتجارب أثبتت، أنّ المعرفة والعلم بنتائج الأخلاق الرذيلة على الفرد والمجتمع، يمكنه أن يكون في كثير من الموارد، عاملًا مهماً في ردع الإنسان عن غيّه و الرّجوع إلى ساحة الصّواب، ولكن ومن جهة اخرى، أيضاً نجد أنّ هناك من يعرف الرّذيلة حقَّ معرفتها؛ ولكنه يُصرّ عليها ويعاند على سلوك طريق الإنحراف، والطريقة الوسطى في الحقيقة هي الجادّة وتنطبق على الواقع أكثر.
[1]. نفحات القرآن، الدّورة الاولى، ج 1 ص 86- 98.
[2]. سورة النّمل، الآية 14.
[3]. آل عمران، الآية 75.
[4]. سورة آل عمران، الآية 78.
5- هل أن الأخلاق قابلة للتغيير؟
إنّ مصير علم الأخلاق وكلّ الأبحاث الأخلاقية، يتوقف على الإجابة عن هذا السؤال، إذ لولا قابليتها للتغيير لأصبحت كلّ برامج الأنبياء التربويّة و الكتب السماويّة، و وضع القوانين و العقوبات الرّادعة، لا فائدةٍ و لا معنى لها.
فنفس وجود تلك البرامج التربويّة وتعاليم الكتب السماويّة، و وضع القَوانين في المجتمعات البشريّة، هو خير دليل على قابليّة التغيير في الملكات والسلوكيّات الأخلاقيّة لدى الإنسان، وهذه الحقيقة لا يعتمدها الأنبياء عليهم السلام فحسب، بل هي مقبولةٌ لدى جميع العقلاء في العالم.
والأَعجبْ من هذا، و الغريب فيه؛ أنَّ علماء الأخلاق والفلاسفة ألّفوا الكتب الكثيرة حول هذا السؤال: «هل أنّ الأخلاق قابلة للتغيير أم لا»؟!
فالبعض يقول: إنّ الأخلاق غير قابلة للتغيير، فمن كانت ذاته ملوَّثة في الأصل يكون مجبولًا على الشرّ، وعلى فرض قبوله لعمليّة التّغيير، فإنّه تغيير سطحي، وسرعان ما يعود إلى حالته السّابقة.
ودليلهم على ذلك، بأنّ الأخلاق لها علاقةٌ وثيقةٌ مع الرّوح و الجسد، و أخلاق كلُّ شخصٍ تابعة لكيفية وجود روحه وجسمه، وبما أنّ روح وجسد الإنسان لا تتبدلان، فالأخلاق كذلك لا تتبدل ولا تتغير.
وفي ذلك يقول الشاعر أيضاً:
إذا كان الطّباع طِباعَ سوءٍ
فلا أدبٌ يفيد ولا أديبُ
واستدلوا على ذلك أيضاً، بمقولة تأثر الأخلاق بالعوامل الخارجية؛ و أنّ الأخلاق تخضع لمؤثّراتٍ خارجيَّةٍ من قبيل الوعظ و النّصيحة و التأديب، فبزوال هذهِ العوامل، تعود الأخلاق لحالتها الاولى، فهي بالضّبط كالماء البارد، الذي يتأثر بعوامل الحرارة، فعند زوال المؤثّر، يعود الماء لحالته السّابقة.
و مما يؤسف له وجود هذا الّنمط من التّفكير و الإستدلال، حيث أفضى لتردي المجتمعات البشريّة و سُقوطها!
أمّا المؤيدون لتغيير الأخلاق، فقد أجابوا على الدّليلين السّابقين وقالوا:
1-لا يمكن إنكار علاقة الأخلاق وإرتباطها بالرّوح والجسم، ولكنه في حدّ (المقتضي)؛ وليس (العلّةَ التّامةَ) لها، و بعبارةٍ اخرى يمكن أن تهيّىء الأرضيّة لذلك، لكن ذلك لا يعني بالضّرورة أنّها ستؤثر تأثيراً قطعيّاً فيها، من قبيل مَن يولد من أبوين مريضين، فإنّ فيه قابليةٌ على الابتلاء بذلك المرض، ولكن وبالوقاية الصّحيحة، يمكن أن يُتلافى ذلك المرض من خلال التّصدي للعوامل الوراثية المتجذرة في بدن الإنسان.
فالأفراد الضّعاف البَنية يمكن أن يصبحوا أشداء، بالإلتزام بقواعد الصّحة و ممارسة الرّياضة البدنية، وبالعكس يمكن للأشداء، أن يصيبهم الضّعف و الهزال، إذا لم يلتزموا بالامور المذكورة أعلاه.
و علاوةً على ذلك يمكن القول؛ أنّ روح وجسم الإنسان قابلانِ للتغيير، فكيف بالأخلاق التي تعتبر من معطياتهما؟
نحن نعلم، أنّ كلّ الحيوانات الأهليّة اليوم، كانت في يومٍ ما بَرّيّةً و وحشيّةً، فأخذها الإنسان وروّضها و جعل منها أهليةً مطيعةً له، وكذلك كثير من النّباتات والأشجار المثمرة، فالذي يستطيع أن يُغيِّر صفات و خُصوصيّات النبّات والحيوان، ألا يستطيع أن يغيّر نفسه وأخلاقه؟
بل توجد حيوانات روّضِت، لِلقيام بأعمالٍ مخالفةٍ لطبيعتها، و هي تُؤدّيها بأحسن وجهٍ!.
2-وممّا ذُكر أعلاه، يتبيّن جواب دليلهمِ الثّاني، لأنّ العوامل الخارجيّة قد يكون لها تأثيرها القوي جداً، ممّا يؤدّي إلى تغير خصوصيّاتها الذاتيّة بالكامل، و ستؤثر على الأجيال القادمة أيضاً، من خلال العوامل الوراثيّة، كما رأينا في مثال: الحيوانات الأهليّة.
ويقصّ علينا التأريخَ قصصاً، لُاناسٍ كانوا لا يراعون إلّاً ولا ذِمّةً، ولكن بالتّربية و التّعليم تغيّروا تَغيُّراً جَذريّاً، فمنهم من كان سارقاً محترفاً؛ فأصبح عابداً متنسّكاً مشهوراً بين الناس.
إنّ التعرّف على كيفية نشوء الملكات الأخلاقيةٍ السّيئة يعطينا القُدرة والفرصة لإزالتها، والمسألة هي كالتّالي: إنّ كلّ فعلٍ سيّءٍ أو حسنٍ يخلّف تأثيره الإيجابي أو السّلبي في الروح
الإنسانية، بحيث يجذب الروح نحوه تدريجياً، و بالتّكرار سوف يتكرّس ذلك الفعل في باطن الإنسان، ويتحول إلى كيفيّةٍ تسمى:(بالعادة)، وإذا إستمرت تلك العادة تحوّلت إلى(مَلَكَةٍ).
وعلى هذا، وبما أنّ المَلَكات والعادات الأخلاقيّة السّيئة، تنشأ من تكرار العمل، فإنّه يمكن مُحاربتها بواسطة نفس الطّريقة، طبعاً لا يمكننا أن ننكر تأثير التّعليم الصّحيح والمحيط السّالم، في إيجاد المَلَكات الحَسنة، و الأخلاق الصّالحة، في واقع الإنسان وروحه.
و هناك«قولٌ ثالثٌ»،: و هو أنّ بعض الصّفات الأخلاقيّة قابلةٌ لِلتغير، وبعضها غير قابل، فالصّفات الطّبيعيّة و الفطريّة غير قابلةٍ لِلتغير، ولكنّ الصّفات التي تتأثّر بالعوامل الخارجيّة يمكن تغييرها[1].
وهذا القول لا دليل عليه، لأنّ التّفصيل بين هذهِ الصّفات، مدعاة لقبول مَقولة الأخلاق الفطريّة والطبيعيّة، والحال أنّه لم يثبت ذلك، وعلى فرض ثُبوته، فمن قال بأنّ الصّفات الفطريّة غير قابلةٍ لِلتغيّر والتّبدّل؟. ألم يتمكن الإنسان من تغيير طِباع الحيوانات البريّة؟.
ألا يمكن لِلتربية و التّعليم، أن تَتَجذّر في أعماق الإنسان وتغيّره؟.
الآيات و الرّوايات التي يستدل بها، على إمكانيّة تغيّر الأخلاق:
ما ذكرناه آنفاً كان على مستوى الأدلة العقليّة و التّأريخيّة، و عند رجوعنا للأدلة النّقلية، يعني ما وصل إلينا من مبدأ الوحي وأحاديث المعصومين عليهم السلام، سوف تتبيّن لنا المسألة من خلاله بصورةٍ أفضل لأنّه:
1-إنّ الهدف من بعث الأنبياء و الرّسل و إنزال الكتب السّماوية، إنّما هو لأجل تربية وهداية الإنسان، وهذا أقوى دليل على إمكان التربية، و ترشيد الفضائل الأخلاقيّة لدى جميع أفراد البشر، ويشير إلى هذا المعنى قوله تعالى:
«هُوَ الَّذي بَعَثَ فِي الْامِّيينَ رَسُولًا مِنْهُم يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ
[1]. أيّد هذه النظريّة المحقق النّراقي في كتابه جامع السعادات: ج 1، ص 24.
وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبْينٍ»[1].
وأمثالها من الآيات الكريمة التي تبيّن لنا أنّ الهدف من بعثة الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله: هوتعليم وتزكيةكل اولئك الذي كانوا في ضلالٍ مبينٍ.
2-كلّ الآيات التي توجّه الخطاب الإلهي إلى الإنسان، مثل:«يا بني آدم» و «يا أيّها النّاس» و «يا أيّها الإنسان» و «يا عبادي»، تشمل أوامر ونواهي تتعلق بتهذيب النّفوس، و إكتساب الفضائل الأخلاقيّة، و هي بدورها خير دليل على إمكانيّة تغيير «الأخلاق الرّذيلة»، و إصلاح الصّفات القبيحة في واقع الإنسان، وإلّا ففي غير هذه الصّورة تَنتفي عُموميّة هذه الخطابات الإلهيّة، فتصبح لغواً بدون فائدةٍ.
وقد يقال: إنّ هذهِ الآيات، غالباً ما تشتمل على الأحكام الشرعيّة، و هذه الأحكام تتعلق بالجوانب العمليّة و السلوكيّة في حياة الإنسان، بينما نجد أنّ الأخلاق ناظرةٌ للصفات الباطنيّة؟
ولكن يجب أن لا ننسى، أنّ العلاقة بين «الأخلاق» و «العمل»، هي: علاقة اللّازمِ و الَملزومِ لِلآخر، و بمنزلة العلّة والمعلول، فالأخلاق الحسنة تُعتبر مصدراً للأعمال الحسنة، والأخلاق الرذيلة مصدراً للأعمال القبيحة، وكذلك الحال في الأعمال، فإنّها من خلال التّكرار تتحول بالتّدريج، إلى ملكاتٍ و صفاتٍ أخلاقيّةٍ في واقع الإنسان الداخلي.
3-القول والإعتقاد بعدم إمكان التّغيير للأخلاق، مدعاة للقول و الإعتقاد بالجَبر؛ لأنّ مفهومها هو: أنّ صاحب الخُلق السّيء و الخُلق الحسن، ليسا بقادرين على تغيير أخلاقهم، وبما أنّ الأعمال و السّلوكيات تعتبر إنعكاساً للصفات والملكات الأخلاقيّة، ولِذا فمثل هؤلاء يتحرّكون في سلوكياتهم من موقع الجَبر، لكننا نرى أنّهم مكلّفين بفعل الخيرات وترك الخبائث، وعليه يترتب على هذا القول جميع المفاسد التي تترتب على مقولة الجبر[2].
4-الآيات الصّريحة التي ترغّب الإنسان في تهذيب أخلاقه، و تُحذّره من الرذائل، هي أيضاً دليلٌ محكمٌ على إمكانيّة تغير الصفات و الطّبائع الإنسانية، مثل قوله تعالى: «قَدْ أَفْلَحَ
[1]. سورة الجمعة: الآية 2، ويوجد نفس المعنى والمضمون في الآية 164 من سورة آل عمران.
[2]. انظر: اصول الكافي، ج 1 ص 155، وكشف المراد، بحث القضاء والقدر وما يترتب على ذلك من مفاسد المذهب الجَبري.