بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 198

تحت عنوان التّوبة، عن كل سوءٍ و ظلمٍ و إسرافٍ يقترفه الإنسان ويتوب منه، فإنّ اللَّه تعالى سيتوب عليه.

و وردت رواياتٌ كثيرةٌ في هذا المجال، في مصادر الفريقين، السّنة و الشّيعة، وأنّ باب التّوبة مفتوح حتى اللّحظات الأخيرة من العُمر، ما لم يرى‌ الإنسان الموت بعينه.

و يمكن الرجوع إلى الرّوايات في كتبٍ، مثل: بحار الأنوار[1]، واصول الكافي‌[2]، و الدرّ المنثور[3]، و كنز العمّال‌[4]، وتفسير الفخر الرازي‌[5]، و تفسير القُرطبي‌[6]، و تفسير روح البيان‌[7]، و تفسير روح المعاني‌[8]. وكتب اخرى، ويمكن القول أنّ هذا الحديث هو من الأحاديث المتواترة.

4- أركان التّوبة

كما نعلم، أنّ حقيقة التّوبة هو الرّجوع إلى ساحة الباري تعالى، و الإقلاع عن العِصيان، في ما لو كان ناشئاً من النّدم على ما سبق من الأعمال السّيئة، و لازم النّدم هو العلم بأنّ الذنب يحيل بين المذنب والمحبوب الحقيقي، ويترتب عليه العزم و التّصميم على عَدم العودة، و على التّحرك لجبران ما فات، و محو آثار الذنوب السّابقة من باطن وجوده وخارجه، و يتحرّك كذلك في دائرة إعادة الحقوق الباقية في ذمّته، وأكّد القرآن الكريم، في كثير من الآيات على هذا المعنى، و جعل التّوبة مقارنةً للإصلاح:

1-الآية (160) من سورة البقرة، و بعد الإشارة إلى ذنب كتمان الآيات الإلهيّة و و العقاب الذي يترتب على ذلك قالت: «إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ».

[1]. بحار الأنوار، ج 6، ص 19 و ج 2، ص 440.

[2]. اصول الكافي، ج 2، ص 440.

[3]. الدرّ المنثور، ج 2، ص 131.

[4]. كنز العمّال، ح 10187 و 10264.

[5]. تفسير الفخر الرازي، ج 10، ص 7، في ذيل الآية أعلاه.

[6]. تفسير القرطبي، ج 3، ص 166، في ذيل الآية أعلاه.

[7]. تفسير روح البيان، ج 2، ص 178، ذيل الآية أعلاه.

[8]. تفسير روح المعاني، ج 4، ص 233.


صفحه 199

2-الآية (89) من سورة آل عمران، و بعد إشارتها لمسألة الإرتداد و عقابها، يقول تعالى:

«إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ»

3-الآية (146) من سورة النساء، وبعد إشارتها للمنافقين، و عاقبة أمرهم السّيئة، تذكر:

«إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَ اعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ للَّهِ».

4-و في الآية (5) من سورة النّور، و بعد ذكرها للعقوبة الشّديدة المترتبّة على القَذَف، في الدنيا و الآخرة، ذكرت: «إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ».

5-وبالتالي نرى عنصر التّوبة، بمثابة قانون كلّي يستوعب في نطاقه جميع الذّنوب، فقال تعالى في الآية (119) من سورة النحل: «ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ».

6-ورد شبيه لهذا المعنى، في الآية (82) من سورة طه: «وَإِنّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى».

و أشارت الآية الكريمة هنا، بالإضافة إلى رُكني التّوبة الأساسييّن، و هما: العودة إلى اللَّه، والعمل الصالح، و جُبران الماضي، ذكرت مسألة الإيمان والهداية.

و الحقيقة أنّ الذنوب تقلل نور الإيمان في قلب الإنسان، و تحرفه عن الطّريق، و عليه فإنّه بالتّوبة يجدّد إيمانه و هدايته، في نطاق إصلاح الباطن.

7-و ورد في سورة الأنعام، الآية (45)، معنى مشابه أيضاً: «أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ».

و ممّا ذكر من الآيات الآنفة، تتضح لنا مسألة التّوبة بصورةٍ كاملةٍ، فالتّوبة الحقيقيّةُ ليست بلفظ الإستغفار وحده، و النّدم على ما مضى، و الإقلاع عنه في المستقبل، بل تتعدّى إلى دائرة الإنفتاح على العمل، لإصلاح كلّ التّقصيرات و المفاسد الّتي صدرت منه في السّالف، و محو آثارها من نفسه و ورحه و من المجتمع، لتحصيل الطّهارة الكاملة في واقع الإنسان والحياة، وطبعاً بالقدر الممكن.

فهذه هي التّوبة الحقيقيّة، وليس الإستغفار وحده!.


صفحه 200

و الجدير بالذّكر أنّ كلمة «الإصلاح»، ورد ذكرها دائماً بعد ذكر التّوبة، كالآيات الآنفة الذّكر، و معناها واسعٌ يشمل كلّ ما فات، من قصورٍ و تقصيرِ يُبعد الإنسان عن خطّ الإيمان، ومنها:

1-التّائب يجب أن يُؤدّي جميع الحقوق لُمستحقيها، فإنّ كانوا أحياء فَبِها، و إلّافلورثتهم.

2-إذا كان قد تعامل مع الآخرين، من موقع الإهانة و الغيبة، و غيرها من الامور السلبية في دائرة السلوك، فيجب عليه طلب الحلية منهَ ورَدّ إعتباره مادام الآخر يعيش في هذه الدنيا، وإن كان قد وافاه الأجل، فعليه أن يتحرّك على مستوى إرسال الثّواب لروحه، كي ترضى‌.

3-أن يَقْضي ما فاته من العبادات: كالصّلاة و الصّيام و دفع الكفارات.

4-نعلم أنّ ممارسة الخطيئة والوقوع في منحدر الذنوب، يُظلم الرّوح و يسوّد القلب، فعلى التّائب السّعي لتنوير قلبه بالطّاعة و العّبادة، لتنفتح روحه على اللَّه تعالى، في أجواء الإيمان.

و أفضل و أكمل تفسير ورد لمعنى الإستغفار، هو ما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام، في كلماته القصار في نهج البلاغة:

قال عليه السلام لقائلٍ قال بحضرته:«أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ»- وكان الإمام أمير المؤمنين عليه السلام يعرف سوابقه و أعماله-«ثَكَلَتْكَ امُّكَ أَتِدرِي مَا الاسْتِغْفارُ؟ الإسْتِغْفَارُ دَرَجَةُ العِلِّيينَ، وَهَوَ إسمٌ وَاقِعٌ عَلَى‌ سِتَّةِ مَعانٍ».

أَوَّلُها النَّدمُ عَلى‌ مَا مَضى‌.

والثَّانِي العَزْمُ عَلَى‌ تَرْكِ العَودِ إِلَيهِ أَبَداً.

والثَّالِثُ أنْ تُؤَدِّي إِلَى‌ الَمخْلُوقِينَ حُقُوقَهُم حَتَّى‌ تَلقَى‌ اللَّهَ أَمْلَسَ لَيسَ عَلَيكَ تَبِعَةٌ.

الرّابِعُ أنْ تَعْمِدَ إِلَى‌ كُلِّ فَرِيضَةٍ عَلَيكَ ضَيَّعْتَها فَتُؤَدِّيَ حَقَّها.

الخَامِسَ أَنْ تَعْمِدَ إِلَى‌ اللَّحْمِ الَّذِي نَبَتَ عَلى‌ السُّحْتِ فَتُذِيبَهُ بِالأحزَانِ حَتَّى‌ تُلْصِقَ الجِلْدَ بِالعَظمِ، وَيَنْشَأَ بَينَهُما لَحْمٌ جَدِيدٌ.

و السَّادِسَ أَن تُذِيقَ الجِسْمَ أَلَمَ الطَّاعَةِ كَمَا أَذَقْتَهُ حَلاوَةَ المَعْصِيَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَقُولُ:

«أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ»[1].

[1]. نهج البلاغة، الكلمات القصار، الكلمة 417.


صفحه 201

ونقل نفس هذا المعنى في و روايةٍ اخرى، عن كميل بن زياد عن أمير المؤمنين عليه السلام، فقال:يا أمِيرَ المؤمنين العَبْدُ يُصِيبُ الذَّنْبَ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مَنْهُ فَما حِدُّ الإستِغْفَارِ؟.

فقال الإمام عليه السلام:«يا ابْنَ زِيادٍ التَّوبَةُ».

قلت:بَسْ.

قال عليه السلام:«لا».

قلت:فَكَيفَ؟

قال عليه السلام:«إنَّ العَبْدَ إِذا أَصابَ ذَنْبَاً يَقُولُ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ بِالتَّحْرِيكِ».

قلت:وَما التَّحْرِيكُ؟.

قال عليه السلام:«الشَّفَتَانِ وَاللِّسانِ يُرِيدُ أَنْ يَتْبِعَ ذَلِكَ بِالحَقِيقَةِ».

قلت:وَ ما الحَقِيقَة؟.

قال عليه السلام:«تَصْدِيق فِي القَلْبِ وَإِضْمارُ أَنْ لا يَعُودَ إلَى الذَّنْبِ الَّذِي اسْتَغْفَرَ مِنْهُ».

فقلت:«فإذا فَعَلَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مِنَ المُسْتَغْفِرينَ».

قال عليه السلام:«لا».

فقال كميل رحمه الله، قلت:فَكَيفَ ذاكَ.

ال الإمام عليه السلام:«لِأَنَّكَ لَمْ تَبْلُغْ إِلَى الأَصْلِ بَعْدَهُ».

فقال كميل رحمه الله:فَأَصْلِ الإِسْتِغْفارِ ما هُوَ؟.

فقال الإمام عليه السلام:«الرُّجُوعُ إِلَى التَّوبَةِ مِنَ الذَّنْبِ الَّذي إِسْتَغْفَرْتَ مِنْهُ وَهِيَ أَوَّلُ دَرَجَةِ العابِدِينَ».

ثم قال الإمام عليه السلام:«وَ تَركُ الذَّنْبِ والإستِغفارِ اسمٌ وَاقِعٌ لِمعانٍ سِتّ».

ثم ذكر نفس المراحل السّتة، المذكورة في قصار الكلمات لنهج البلاغة، مع قليلٍ من الاختلاف‌[1].

و يمكن أن يقال: إنّ التّوبة إذا كانت كما ذكرها أمير المؤمنين عليه السلام، فلن يوجد تائب حقيقي‌

[1]. بحار الأنوار، ج 6، ص 27.


صفحه 202

أبداً.

ولكن يجب الّتنبّهُ إلى أنّ بعض الشروط السّتة، هي في الحقيقة من كمال التّوبة، كما في الشّرط الخامس و السّادس، أمّا الشّروط الأربعة الاخرى، فهي من الشّروط الواجبة و اللّازمة، أو كما يقول بعض المحقّقين: إنّ القسم الأول، و الثّاني من أركان التّوبة، و الثّالث و الرابع هما من الشروط اللّازمة، و الخامس و السّادس من شروط الكمال‌[1].

وجاء في حديثٍ آخر عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، أنّه قال:«أمّا عَلامَةُ التَّائِبِ فَأَرْبَعَةٌ:

النّصِيحةُ للَّهِ فِي عَمَلِهِ وَتَرِكُ الباطِلِ وَلُزُومِ الحَقِّ وَالحِرصُ عَلَى‌ الخَيْرِ»[2].

ويجب الإنتباه، أنّ الذّنب إذا تسبّب في إضلال الآخرين، مثل الدّعاية المضلّة، و البِدعة في الدّين، سواء كان عن طريق البيان، أو عن طريق الكتابة، فيجب عليه إرشاد الضّالين بالقدر الّذي يستطيع، وإلّا فلن تُقبل توبته.

و منه يتّضح صعوبة سلوك طريق التوبة، بالنّسبة إلى المحرّفين للآيات الإلهيّة، و المُبتَدِعين في دين اللَّه تعالى، و الذين يتحرّكون على مستوى إضلال الناس، و سوقهم إلى الإنحراف.

فليس من الصحيح، أن يُضلّ شخصٌ عدداً غفيراً من النّاس، في الملأ العام، أو بكتاباته ومقالاته، ثمّ يجلس في زاوية البيت، و يستغفر اللَّه تعالى ليعفو عنه، فمثل هذه التّوبة، لن تُقبلَ أبداً.

و كذلك الذي يهتك حرمة أحد الأشخاص أمام الملأ، ثم يستحلّ منه على إنفراد، أو يتوب في خَلوته، فلن تُقبل مثل هذه التّوبة، ما لم يرد إعتبار ذلك الشخص، أمام الملأ العام.

و بناءً على هذا، فإنّنا نقرأ في الرّوايات عن أشخاصٍ هَتكوا حُرمة الغير، و اجري عليهم الحَد، فإنّ توبتهم لن تقبل، إلّاإذا رجعوا عن غيّهم وكلامهم.

و قد ورد في حديث مُعتبر، عن الإمام الصادق عليه السلام، قال الرّاوي: سألت أبا عبدللَّه عليه السلام عن المحدود إذا تاب، أتقبل شهادته؟، فقال:

«إذا تابَ وَتَوبَتُهُ أَنْ يَرْجَعَ مِمّا قالَ وَيُكِذِّبَ نَفْسَهُ عِنْدَ الإِمامِ وَ عِنْدَ المُسْلِمِينَ، فإذا فَعَلَ‌

[1]. كتاب «گفتار معنوي»، للمرحوم الشهيد مطهري، ص 139.

[2]. تُحف العقول، ص 32.


صفحه 203

فَإِنَّ عَلَى الإِمامِ أَنْ يَقْبَلَ شَهادَتَهُ بَعْدَ ذَلِك»[1].

وَ وَرد في حديثٍ آخر:«أَوصى‌ اللَّهِ عَزَّوَجَلَّ إِلى‌ نَبِيٍّ مِنَ الأنبِياءِ، قُلْ لِفُلانَ وَعِزَّتِي لَو دَعَوتَنِي حَتّى‌ تَنْقَطِعَ أَوصالُكَ، ما اسْتَجَبْتُ لَكَ، حَتّى‌ تَرّدَ مَنْ ماتَ إِلى‌ ما دَعَوتَهُ إِلِيهِ فَيَرْجَعَ عَنْهُ»[2].

فهذا الحديث يبيّن أهميّة مسألة الإصلاح، و السّعي لجبران الخلل من موقع التّوبة، و إلى أيّ حدٍّ يمتد في آفاق الممارسة العمليّة، و بدون ذلك ستكون التّوبة صوريّة أو مقطعيّة.

و آخر ما يمكن أن يقال في هذا المجال، أنّ من يقنع من الإستغفار بالإسم، مُقابل كثرة الذّنوب و المعاصي، ولا يسعى في تحصيل أركانه و شروطه، فكأنّه قد إستهزأ بنفسه، و بالتّوبة و بالإستغفار.

و في ذلك يقول الإمام الباقر عليه السلام:

«التّائِبُ مِنَ الذَّنِبِ كَمَنْ لا ذَنْبَ لِهُ، وَالمُقِيمُ عَلَى الذَّنْبِ وَهُوَ مُسْتَغْفِرٌ مِنْهُ كالمُستَهزِى‌ء»[3].

5- قبول التوبة: هل هو عقلي أم نقلي؟

إتّفق علماء الأخلاق أنّ التّوبة الجامعة للشّرائط، مقبولة عند اللَّه تعالى، و يدل على ذلك الآيات و الرّوايات، ولكن يوجد نقاش حول قبول التّوبة، هل هو عَقلي أم عقلائي، أم نَقلي؟.

و يعتقد جماعة، أنّ سقوط العقاب الإلهي، هو تفضل من الباري تعالى، فبعد تحقق التّوبة من العبد، يمكن للباري تعالى أن يتوب على عبده ويغفر له، أو لا يغفر له، كما هو المُتعارف بين النّاس، عندما يقوم أحد الأشخاص بظلم الغَير، فِللمظلوم أن يغفر له، أو لا يعفو عنه.

و ترى جماعةٌ اخرى، أنّ العقاب يسقط حتماً بعد التّوبة، وعدم قبول عُذر المجرم، من اللَّه‌

[1]. وسائل الشيعة، ج 18، ص 283، ج 1 باب 37، من أبواب الشّهادات.

[2]. بحار الأنوار، ج 69، ص 219.

[3]. اصول الكافي، ج 2، ص 435، باب التوبة، ح 10.


صفحه 204

تعالى، بعيدٌ و قبيحٌ، و لا يصدر منه تعالى.

و هنا يمكن قبول رأي ثالث، وهو أنّ قبول التّوبة أمر عقلائي، يعني أنّ العقل وإن لم يوجب قبول التّوبة و العُذر، ولكنّ بناءَ العُقلاء في العالم كلّه، مبنيٌّ على قبول عذر الخاطي‌ء، و إقالة عثرته، إذا ما عاد عن غَيّه، و أصلح أعماله السّيئة، و جَبر ما كسره، و أرضى خصمائه بطرقٍ مختِلفَةٍ، فهذا الموقف هو بناء العقلاء في العالم أجمع، فلو أصرّ شخص على نفي هذا المبدأ العقلائي، ولم يقبله في سلوكه إتجّاه المُعتذر، فسيعتبر حقوداً وخارجاً عن موازين الإنسانية والأخلاق.

و لا شك أنّ اللَّه تعالى، و هو القادر و الغني عن العالمين، أَوْلى‌ وأجدر من عباده بالعفو و المغفرة، و قبول عذر التائب، و عدم إنزال العقاب عليه.

و يمكن القول بأكثر من ذلك، و هو وجوب قبول التّوبة، لدى العقل الذي يعتمد على قاعدة: «قُبح نَقض الغَرض».

و توضيح ذلك:نحن نعلم أنّ الباري تعالى، غنيٌّ عن عباده وطاعة العالمين، وإن كلّفنا بشي‌ءٍ فهو لطفٌ منه، للسير في خطّ التّكامل و التّربية، فالصّلاة و الصّيام تُربّي النّفس و تُقرّب الإنسان من اللَّه تعالى، وكذلك سائر الواجبات، فلها قِسطٌ في عمليّة التّكامل الإنساني.

فنقرأ عن الحج: «لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُم»[1].

و نقرأ في الآيات الاخرى، أنّ الصّلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر[2]، و الصّوم سبب للتّقوى‌[3]، و الزّكاة لتطهير الأفراد والمجتمع من الرذائل الأخلاقيّة و الإنحرافات‌[4].

و إعتبرت الرّوايات الإيمان، سبباً للطهارة من الشّرك، و الصّلاة لِدرء الكِبَر عن الإنسان، و الحجّ سبباً لوحدة المسلمين، و الجهاد لِعزّة المسلمين ....[5]

و عليه فإنّ كلّ التّكاليف الإلهيّة، هي من أسباب سعادة الإنسان، و تكامله في خط الإيمان‌

[1]. سورة الحج، الآية 28.

[2]. سورة العنكبوت، الآية 45.

[3]. سورة البقرة، الآية 183.

[4]. سورة التوبة، الآية 103.

[5]. نهج البلاغة، الكلمات القصار، مقتبسة من جملة رقم (252).


صفحه 205

و الحقّ و التّكامل، هذا هو الهدف الأصلي للإنسان، في دائرة الوصول لمرتبة القرب الإلهي، و العبودية الحقّة، قال الباري تعالى: «وَ ما خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إلَّالِيَعْبُدُونِ»[1].

و لا شك فإنّ وجوب التّوبة، و قبولها من قبل الباري تعالى، يشكّل إحدى‌ حلقات التّكامل المعنوي للإنسان، لأنّ الإنسان من طبيعته الخطأ، فإذا أوصد الباب دونه، فلن يتكامل أبداً.

و إذا ما احيط الإنسان علماً بالتّوبة، و أنّ الباري فتح الباب أمامه بشرط إصلاح ما مضى، فمثل هذا الإنسان يكون أقرب للسّعادة و التّكامل، ويبتعد عن الإنحراف و الخطأ في مسيرة الحياة.

و النّتيجة: أنّ عدم قبول التّوبة يؤدي إلى نقض الغرض، لأنّ الهدف من التّكاليف و الطّاعة، هو تربية و تكامل الإنسان، وعدم قبولها لا ينسجم مع هذا الغرض، ومن البعيد عقلًا على الحكيم، أن ينقض غرضه.

و على كلّ حال، فإنّ التّوبة و قبولها لها علاقةٌ وثيقةٌ بالتّكامل الإنساني، و بدونها سينتفي الدّافع و القصد للتّكامل، و سيكون الإنسان في غاية اليأس من النّجاة، مما يشجعه على الّتمادي في إرتكاب المعاصي و مُمارسة الجريمة، و لذلك فإنّ كلّ المربّين، سواء كانوا إلهيين أم ماديّين، يؤكّدون على مسألة التّوبة، و يجعلون الطّريق مفتوحاً دائماً أمام الخاطئين، كَي يُحرّكوا فيهم روح الأنابة، و دافع الإصلاح والحركة نحو الكمال المُطلق.

و عليه فإنّ التوبة بشرائطها، لم تحكم بها الآيات و الرّوايات فقط، بل هي ثابتة بحكم العقل و سيرة العُقلاء، و هذا أمرٌ لا يمكن تجاهله البتّة.

6- التّبعيض في التّوبة

هل يمكن للإنسان أن يقيم على بعض الذّنوب، و يتوبَ عن البعض الآخر؟؛ فمثلًا إذا كان يشربُ الخَمر و يغتابُ الناس، فهل يصحّ منه الإقلاع عن الخمر فقط، بينما يستمر في خط الغِيبة؟

[1]. سورة الذّاريات، الآية 56.