بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 205

و الحقّ و التّكامل، هذا هو الهدف الأصلي للإنسان، في دائرة الوصول لمرتبة القرب الإلهي، و العبودية الحقّة، قال الباري تعالى: «وَ ما خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إلَّالِيَعْبُدُونِ»[1].

و لا شك فإنّ وجوب التّوبة، و قبولها من قبل الباري تعالى، يشكّل إحدى‌ حلقات التّكامل المعنوي للإنسان، لأنّ الإنسان من طبيعته الخطأ، فإذا أوصد الباب دونه، فلن يتكامل أبداً.

و إذا ما احيط الإنسان علماً بالتّوبة، و أنّ الباري فتح الباب أمامه بشرط إصلاح ما مضى، فمثل هذا الإنسان يكون أقرب للسّعادة و التّكامل، ويبتعد عن الإنحراف و الخطأ في مسيرة الحياة.

و النّتيجة: أنّ عدم قبول التّوبة يؤدي إلى نقض الغرض، لأنّ الهدف من التّكاليف و الطّاعة، هو تربية و تكامل الإنسان، وعدم قبولها لا ينسجم مع هذا الغرض، ومن البعيد عقلًا على الحكيم، أن ينقض غرضه.

و على كلّ حال، فإنّ التّوبة و قبولها لها علاقةٌ وثيقةٌ بالتّكامل الإنساني، و بدونها سينتفي الدّافع و القصد للتّكامل، و سيكون الإنسان في غاية اليأس من النّجاة، مما يشجعه على الّتمادي في إرتكاب المعاصي و مُمارسة الجريمة، و لذلك فإنّ كلّ المربّين، سواء كانوا إلهيين أم ماديّين، يؤكّدون على مسألة التّوبة، و يجعلون الطّريق مفتوحاً دائماً أمام الخاطئين، كَي يُحرّكوا فيهم روح الأنابة، و دافع الإصلاح والحركة نحو الكمال المُطلق.

و عليه فإنّ التوبة بشرائطها، لم تحكم بها الآيات و الرّوايات فقط، بل هي ثابتة بحكم العقل و سيرة العُقلاء، و هذا أمرٌ لا يمكن تجاهله البتّة.

6- التّبعيض في التّوبة

هل يمكن للإنسان أن يقيم على بعض الذّنوب، و يتوبَ عن البعض الآخر؟؛ فمثلًا إذا كان يشربُ الخَمر و يغتابُ الناس، فهل يصحّ منه الإقلاع عن الخمر فقط، بينما يستمر في خط الغِيبة؟

[1]. سورة الذّاريات، الآية 56.


صفحه 206

يقول البعض: إنّ التّوبة يجب أن تكون شاملةً لكلّ الذّنوب، لأنّ المسألة تعود إلى عِصيان الباري تعالى، وَهَتك حُرمته، فالنّادم يجب أن يترك كلّ الذّنوب، لا أنّ يُصِرّ عليها.

لكن هذا الكلام مُجانب للصواب، حيث يمكن القول بصحّة التّجزئة في عمليّة التّوبة، (و صرّح بها بعض العلماء، مثل المرحوم النّراقي في «معراج السعادة»، و قد نقلها عن أبيه رحمه الله)، لأنّه ربّما يكون الإنسان، على إطّلاعٍ كاملٍ على آثار بعض الذّنوب وَ عَواقبها السّيئة، أو هو عند اللَّه أشدّ وأقبح، ولأجل ذلك فإنّه يتركه على مستوى الممارسة و يتوب منه، أمّا بالنّسبة للذنوب التي هي أقلّ قُبحاً، أو أقل عِقاباً، أو لأنّ علمه بها و إطلاعه على ما يترتب عليها من المفاسد، ليس كافياً بالدّرجة التي تردعه عنه، فإنّه يستمر في ممارستها.

فأكثر التائبين هم كذلك، فغالباً ما يقلعون عن بعض الذّنوب، و يبقون على البَعض، ولم يردنا شي‌ءٌ من قبل الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، أو الأئمّة الأطهار عليهم السلام، أو علماء الإسلام، ينفي قبول مثل هذه التوبة، ويؤكّد على التوبة الكاملة الشاملة لكلّ الذنوب التي يرتكبها الإنسان.

و نرى في الآيات الشّريفة، إشارات واضحة على معنى التّجزئة في التّوبة، و صحّة القول بالتّفكيك، فمثلًا بالنّسبة للمُرابين، يقول تعالى‌: «وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ»[1].

و بالنّسبة للمرتدين بعد الإيمان، يقول تعالى‌: «أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ... إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ»[2].

و بالنّسبة للمحاربين والمتسببّين في ضَلال الناس و المجتمع، فبعد ذكر ما يستحقون من العِقاب الشّديد، يقول تعالى‌: «إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَآعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ»[3].

و أمّا بالنّسبة للأعمال المنافية للعفّة، فيقول تعالى‌: «فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّاباً رَحِيماً»[4].

و في مكان آخر أشار إلى الذّنوب، مثل: الشّرك، و قتل النفس، و الزنا، و عقوباتها، فقال:

[1]. سورة البقرة، الآية 279.

[2]. سورة آل عمران، الآية 78 و 79.

[3]. سورة المائدة، الآية 24.

[4]. سورة النساء، الآية 16.


صفحه 207

«إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ»[1].

ورغم أنّ بعض الآيات، تناولت بعض العقوبات الدنيويّة، و العفو عنها بالتّوبة، لكنّ الحقيقة أنّه لا يوجد فرق من هذا اللحاظ، فإذا ما غفرت في الدنيا فستغفر في الآخرة قطعاً.

و الخُلاصة: أنّه لا يوجد مانعٌ من التّفكيك و التّفريق، بين الذّنوب من جهاتها الَمختلفة، مثل: (الفرق في ميزان المعلومات، الدّوافع، و قُبح الذّنوب)، ولكنّ التّوبة الكّاملة الشّاملة، هي التّوبة التي تستوعب جميع الذنوب، بدون التّفريق بينها في خطّ العودة إلى اللَّه تعالى.

7- دوام التّوبة

التّوبة يجب أن تكون مستمرةً و دائمةً، هذا من جهةٍ، فعندما يُخطي‌ء الإنسان إثر وساوسه النّفسية «النّفس الأمّارة»، عليه أن يُقدِم على التّوبة لتدخل في مرحلة: «النّفس اللّوامة»، و بعدها تصل إلى مرحلة: «النّفس المطمئنة»، لتقلع جذور الوَساوس من أساسها.

و من جهةٍ اخرى: و بعد توبته من الذنب، عليه أن يُراقب نفسه بإستمرار، و ليحذر من نقض العهد مع الباري تعالى، في المستقبل أو بعبارة اخرى: إذا وجد في نفسه بقايا لِلميل إلى الذّنب، و الرّغبة في الإثم، عليه أن يُجاهد نفسه، و يتحرك في مجال تهذيبها من هذه الشّوائب، ليكونَ في صفّ التّائبين و الُمجاهدين.

بعضَ علماء الأخلاق، تطرّقوا لبحوثٍ لا طائل لها، و هوَ هلْ: مقام التائب و مجاهدته و ممارسته لعناصر الذّنوب في الخارج أفضل، أم التّائب الذي يقلع جذور الذّنب من قلبه‌[2]؟

وليس من المُهم الأفضليّة، بل المُهم هو العمل على تكريس حالة الإنضباط، في جو المسؤوليّة و عدم العودة لممارسة الذّنب، و لرعاية هذا الأمر يتوجب اتّباع امور، منها:

1-الابتعاد عن أجواء الذّنب، و عدم مُجالسة أهل المعاصي، لأنّ التّائب يكون في البداية ضعيف القلب جداً، كالمريض في بدايةُ شفائه من مرضه، فأدنى‌ شي‌ء، بإمكانه أن يثير في نفسه‌

[1]. سورة الفرقان، الآية 70.

[2]. راجع المحجّة البيضاء، ج 7، ص 75.


صفحه 208

مشاعر الخطيئة، بالمستوى الذي يشلّ فيه إرادة الصّمود، و يحوله إلى كيانٍ مهزوزٍ، أمام حالات المرض، و يُشدّده عليه، و كالمُعتاد على الأفيون، التّارك له للتَوِّ أيضاً، يتأثر بالأجواء الملوّثة بسرعةٍ.

2-عليه هجر أصدقاء السّوء، و تجديد النّظر في علاقته معهم، و الفرار منهم كالفرار من الوحوش الضّارية.

3-في حالات وقوعه في دائرة وسوسة الشّيطان، يشتغل بذكر اللَّه تعالى: «أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ»[1].

4-لِيفكر دائماً بالذّنب الّذي تاب منه، و إفرازاته، و يجعلها نصب عينه، لِئّلا يغفل و ينسى مضرّاته، وإلّا ستهجم عليه الوَساوسُ و الدّوافعُ لإيقاعه في هُوّةِ الخطيئة مرّةً اخرى.

5-لِيتّعظ بقصص الماضين و السّابقين و من وقعوا في المَهالك، جرّاء معاصيهم، و حتّى الأنبياء المعصومين، و لتركهم الأوْلى أحياناً، مثلًا، يُفكّر في قصّة آدم عليه السلام، و السّبب الّذي أدّى إلى خسرانه، ذلك المُقام السّامي و طَرده من الجنّة، أو حكاية يونس النّبي عليه السلام، الذي حُبس في بَطن الحوت، و يَعقوب الَذي ابتلي بفراق ولده.

فكلّ ذلك يؤثر إيجابياً، في تفعيل عناصر الإرادة و الصّمود، في خطّ الإيمان و الإنفتاح على اللَّه تعالى.

6-التّفكير بالعقوبات التي وضعها الباري للعاصين، وليجعل هذه الحقيقة أمام عينه دائماً، وهي أنّ معاودته لإرتكاب الذّنوب، يمكن أن يؤدي به إلى إستحقاق عقوبةٍ أشدّ وأقوى.

و في المقابل، ليفكر برحمة اللَّه تعالى و لُطفه، و هو اللّطيف الخبير الغفور، فرحمته بإنتظار التّوابين العائدين إلى خطّ الإستقامة و الإيمان، و ليُحدّث نفسه بعدم تضييع هذا المقام، الذي وصل إليه بعد تعبٍ و عناءِ، في واقع العمل و المُثابرة.

7-ليشغل وقته بالبرامج الصّحيحة السّليمة، و التمّتع بغير الُمحرّم، و لا يدع فراغاً في أوقاته، يفضي به أن يعيش التّخبط في الوَساوس الشّيطانية مرّةً اخرى.

[1]. سورة الرّعد، الآية 28.


صفحه 209

و قد سُئل أحد العُلماء، عن قوله صلى الله عليه و آله:«التّائِبُ حَبِيبُ اللَّهِ»، فقال: إنّما يكون التّائب حبيباً إذا كان فيه جميع ما ذكره في قوله تعالى: «التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّاهُونَ عَنْ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ»[1].

8- مراتب التّوبة

ذكر علماء الأخلاق، درجات و مراتب مختلفة للتّوبة و التّائبين.

و يمكن تقسيم التّائبين من جهةٍ، إلى أربعة أقسامٍ:

القسم الأوّل: اولئك التّائِبون الذين لا يقلعون عن الذنوب، ولا يتأسفون على ما فعلوا، حيث وقفوا عند مرحلة النّفس الأمّارة، وعاقبتهم غير معلومةٍ أصلًا، فَمِن المُمكن أن يعيش حالةَ التّوبة في آخر أيّام حياته، و تكون عاقبته الحُسنى، ولكنّ الطامّة الكبرى، عندما يتفق موتهم مع معاودتهم للذنب، وهناك ستكون عاقبتهم السّوآى، و فيها الخُسران الأبدي.

القسم الثاني: التّائبون بحق الّذين يستمرون في طريق الحقّ و الطّاعة، و يتحرّكون في خطّ الإستقامة، ولكن الشّهوات تغلبهم أحياناً، فيكسرون طوق التّوبة، و يرتكبون بعض الذّنوب، من موقع الشّعور بالضّعف أمامها، ولكنّهم لا يقعون في هذا الخطأ، من موقع الّتمرد و الجُحود و العِناد، على وعي الموقف، بل من موقع الغفلة و الإندفاع العفوي في حالات الضّعف، الّتي تفرزها حالات الصّراع مع النّفس الأمّارة، و لهذا يحدثون أنفسهم بالتّوبة من قريب، هؤلاء الأشخاص وصلوا إلى مرحلة النّفس اللّوامة، و الأمل بنجاتهم أقوى.

القسم الثّالث: التوّابون الذين يجتنبون كَبائِر الإثم، و يتمسّكون باصول الطّاعات، ولكنهم قد يقعون في حبائل المعصية، لا عن قصدٍ و عمدٍ، ولذلك يتوبون مباشرةً عن الذّنب، فيلومون أنفسهم و يعزمون على التّوبة والعودة إلى خطّ الإستقامة بإستمرار، و يعيشون حالة الإبتعاد عن الذّنب دائماً.

[1]. سورة التّوبة، الآية 112.


صفحه 210

النّفس اللّوامة لهذه المجموعة، مهيمنةٌ عليهم، و يعيشون على مقربةٍ من النّفس المُطمئنّة، و الأمل بنجاتهم أكبر.

القسم الرابع: التّوابون بعزمٍ و قوةٍ إرادةٍ، في طريق الطّاعة للَّه‌تعالى، فلا تهزّهم العَواصف التي تفرضها حالات الصّراع مع الخَطيئة، و لا يخرجون من أجواء التّقوى، صحيح أنّهم ليسوا بمعصومين، و لَرُبّما فكّروا بالمعصية، ولكنّهم محصّنين مُبعدين عنها، فَقِوى الإيمان و العقل عندهم، سَلبت هوى النّفس فاعليّته في واقعهم الباطني، و كبّلته بالسّلاسل الغلاظ، في خطّ التّزكية و الجهاد الأكبر، فلا سبيل للشّيطان و الأهواء عليهم.

فاولئك هم أصحاب: «النّفوس المطمئنّة»، الذين نعتتهم الآيات (27 الى 30) من سورة الفَجر، و خُوطِبوا بأبلغ خِطابٍ، فقال عز من قائل: «يا أَيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَةُ آرجِعِي إِلَى‌ رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيِّةً».

فدخلت بإفتخارٍ في أجواء النّور و القُرب الإلهي: «فَآدْخُلِي فِي عِبادِي و آدْخُلي جَنَّتِي».

و من جهةٍ اخرى، فإنّ لِلتوبةِ مراحل على مستوى المصاديق أيضاً:

المرحلة الاولى: التّوبة من الكفر إلى الإيمان.

المرحلة الثّانية: التّوبة من الإيمان الموروث التّقليدي، و التّحرك نحو الإيمان الحقيقي المُستحكم.

المرحلة الثّالثة: التّوبة من الذّنوب الكبيرة الخَطرة.

المرحلة الرّابعة: التّوبة من الذّنوب الصّغيرة.

المرحلة الخامسة: التّوبة من التّفكير بالذّنب، و الخواطر المشوبة بالمعصية، و إن لم يرتكب الُمخالفة في دائرة الفعل و المُمارسة.

فكلّ فرقةٍ من العباد لهم توبة، فتوبة الأنبياء من إضطراب السّر، (في كلّ لحظةٍ لم يتوجهوا فيها إلى اللَّه تعالى بالباطن والسِّر).

و توبةُ الأصفياء من كلّ تنفّس بغير ذكر اللَّه‌[1].

[1]. فسّر المرحوم المجلسي: التّنفس بنفس ذلك المعنى، ولكنّ بعض كتب اللّغة، فسّرته: بالخطابات الطّويلة.


صفحه 211

و توبةُ الأولياء من تلوين الخطرات.

و الخَواص من الإشتغال بغير اللَّه.

و توبة العوام من الذّنوب.

و كلّ واحدٍ منهم، يشتمل على نوعٍ من المعرفة و العلم، في أصل توبته، و مُنتهى أمره‌[1].

9- معطيات و بركات التّوبة

إذا كانت التّوبة توبةً حقيقيةً و واقعيةً و نابعةً من الأعماق، فلابدّ من أن تقع مورد القَبول من قبل اللَّه تعالى، العَفوّ الغَفور، و ستنشر خيرها بركاتها على صاحبها في حركة الحياة، و تُغطَّي على ما صدر منه من معاصي، أدّت به إلى السّقوط في منحدر الضّلال و الزّيغ.

مثل هذا الإنسان، يعيش أجواء الحَذر الدّائم من مجالس السّوء و العصيان، و من كلٍّ عوامل الذّنب و الوساوس، و التّداعيات الاخرى، الّتي توقعه في و حلّ المعصية مرّةً اخرى.

و يعيش حالة الخجل و النّدم، و يدأب بإستمرار لتحصيل رضا اللَّه تعالى، و جبران ما فاته من الطّاعات.

هذه هي العلاقات الفارقة لهم، عن المتظاهرين والمرائين.

قال قسم من المفسّرين، في معرض تفسيرهم للآية الشّريفة: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً»[2].

قالوا: إنّ المراد من التّوبة النّصوح، هي تلك التّوبة التي تفعّل في الإنسان عناصر الخير من موقع النّصيحة، و تتجلى في روح التّائب على مستوى حثها له، للقضاء على جذور العصيان في باطنه، قضاءً تامّاً بلا رجعةٍ بعدها.

و فسّرها قسم آخر، بالتّوبة الخالصة، و قال آخرون إنّ: «النّصوح» من مادّة «النّصاحة»، و هي بمعنى الخِياطة و التّرقيع، لما حدث من تمزيق، وبما أنّ الذّنوب: الإيمان والدّين فتقوم‌

[1]. بحار الأنوار، 68، ص 31.

[2]. سورة التحريم، الآية 8.


صفحه 212

التّوبة بتوصيلها ببعض، و تعيد التّائب إلى حضيرة الأولياء، كما تجمع الخياطة بين قطع الثّوب‌[1].

إنّ بركات و فوائد التّوبة جمّةٌ لا تُحصى، و قد أشارت إليها الرّوايات والآيات العديدة، و منها:

1-تمحو و تُفني الذّنوب، كما ورد في ذيل الآية: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً»، ورد «عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ»[2].

2-تمنح التّائب بركات الأرض و السّماء، كما ورد في الآيات (10 و 11 و 12) من سورة نوح عليه السلام: «فَقُلْتُ آسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً* يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً* وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً».

3-تبدل التّوبة السّيئات حسنات، كما ورد في سورة الفرقان الآية (70): «إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ».

4-يتعامل اللَّه مع هذا الإنسان، من موقع السّتر على الذّنوب، و ينسي الملائكة الكاتبين ذنبه، و يأمر أعضاء بدنه بالستر عليه يوم القيامة، و كتمان أمره، فقد ورد في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال:«إِذا تابَ العَبْدُ تَوبَةً نَصُوحاً أَحَبَّهُ اللَّهُ وَسَتَرَ عَلَيهِ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ»، فَقُلْتُ: وَكَيفَ يَسْتُرُ؟ قَالَ: «يُنْسِي مَلَكَيهِ ما كَتَبَا عَلَيهِ مِنَ الذُّنُوبِ، وَ يُوحِي إِلَى‌ جَوَارِحِهِ:

اكْتُمِي عَلَيهِ ذُنُوبَهُ، وَيُوحِي إِلى‌ بِقاعِ الأَرْضِ: اكْتُمِي ما يَعْمَلُ عَلَيكَ مِنَ الذُّنُوبِ، فَيَلْقَى‌ اللَّهَ حِينَ يَلْقَاهُ وَلَيسَ عَلَيهِ شَي‌ءٌ يَشْهَدُ عَلَيهِ بِشَي‌ءٍ مِنَ الذُّنُوبِ»[3].

5-التّائب الحقيقي، يُحبّه اللَّه تعالى، لدرجةٍ أن ورد في الحديث:«إِنّ اللَّهَ عَزَّوَجَلَّ أَعطَى‌ التّائِبِينَ ثَلاثَ خِصالٍ، لَو أَعطى‌ خِصْلَةً مِنْها جَمِيعَ أَهْلِ السَّمواتِ والأَرضَ لَنَجَوا بِها».

و بعدها يشير إلى الآية الشريفة: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ»[4].

[1]. بحار الأنوار، ج 6، ص 17.

[2]. سورة التحريم، الآية 8.

[3]. اصول الكافي، ج 2، ص 430، (باب التوبة، ح 1).

[4]. سورة البقرة، الآية 222.