بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 212

التّوبة بتوصيلها ببعض، و تعيد التّائب إلى حضيرة الأولياء، كما تجمع الخياطة بين قطع الثّوب‌[1].

إنّ بركات و فوائد التّوبة جمّةٌ لا تُحصى، و قد أشارت إليها الرّوايات والآيات العديدة، و منها:

1-تمحو و تُفني الذّنوب، كما ورد في ذيل الآية: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً»، ورد «عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ»[2].

2-تمنح التّائب بركات الأرض و السّماء، كما ورد في الآيات (10 و 11 و 12) من سورة نوح عليه السلام: «فَقُلْتُ آسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً* يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً* وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً».

3-تبدل التّوبة السّيئات حسنات، كما ورد في سورة الفرقان الآية (70): «إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ».

4-يتعامل اللَّه مع هذا الإنسان، من موقع السّتر على الذّنوب، و ينسي الملائكة الكاتبين ذنبه، و يأمر أعضاء بدنه بالستر عليه يوم القيامة، و كتمان أمره، فقد ورد في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال:«إِذا تابَ العَبْدُ تَوبَةً نَصُوحاً أَحَبَّهُ اللَّهُ وَسَتَرَ عَلَيهِ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ»، فَقُلْتُ: وَكَيفَ يَسْتُرُ؟ قَالَ: «يُنْسِي مَلَكَيهِ ما كَتَبَا عَلَيهِ مِنَ الذُّنُوبِ، وَ يُوحِي إِلَى‌ جَوَارِحِهِ:

اكْتُمِي عَلَيهِ ذُنُوبَهُ، وَيُوحِي إِلى‌ بِقاعِ الأَرْضِ: اكْتُمِي ما يَعْمَلُ عَلَيكَ مِنَ الذُّنُوبِ، فَيَلْقَى‌ اللَّهَ حِينَ يَلْقَاهُ وَلَيسَ عَلَيهِ شَي‌ءٌ يَشْهَدُ عَلَيهِ بِشَي‌ءٍ مِنَ الذُّنُوبِ»[3].

5-التّائب الحقيقي، يُحبّه اللَّه تعالى، لدرجةٍ أن ورد في الحديث:«إِنّ اللَّهَ عَزَّوَجَلَّ أَعطَى‌ التّائِبِينَ ثَلاثَ خِصالٍ، لَو أَعطى‌ خِصْلَةً مِنْها جَمِيعَ أَهْلِ السَّمواتِ والأَرضَ لَنَجَوا بِها».

و بعدها يشير إلى الآية الشريفة: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ»[4].

[1]. بحار الأنوار، ج 6، ص 17.

[2]. سورة التحريم، الآية 8.

[3]. اصول الكافي، ج 2، ص 430، (باب التوبة، ح 1).

[4]. سورة البقرة، الآية 222.


صفحه 213

و قال:«مَنْ أَحَبَّهُ اللَّهُ لَمْ يُعَذِّبْهُ».

ثمّ يُعرّج على الآية: «الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْ‌ءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَآغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَ آتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ* رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ* وَقِهِمْ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ»[1]»[2].

إلى هنا نصل إلى خاتمة بحثنا، في الخطوة الاولى لتهذيب الأخلاق، و هي التّوبة، و توجد مطالب اخرى في هذا المجال، يمكن الإستفادة منها في بحوثٍ مُستقلةٍ.

نعم، فإنّه ما لم ينجلِ عن القلب و الروح صدأ الذُنوب، و يتحرك الإنسان لتطهير النّفس من مخلفات المعصية بماء التّوبة، فلن يشرق القلب بنور ربّه، ولن يتمكن هذا الإنسان من السّير على خطّ الإيمان، و السّلوك إلى اللَّه تعالى والفوز بجواره، ولن يذوقَ طعم التجلّيات العرفانيّة، في حركة الحياة المعنويّة.

هذا هو أوّل محطٍّ للرحال، وأهمّها، ولا يمكن تخطّيه إلّابعزمٍ صادقٍ و إرادةٍ راسخةٍ، يدعمها لطفٌ إلهي و توفيقٌ ربّاني، ولا يُلقّيها إلّاذو حظٍّ عظيمٍ.

الخطوة الثّانية: المشارطة

تكلمنا سابقاً بصورةٍ مقتضبةٍ، عن بعض برامج وخُطى السّير و السّلوك، المشتركة بين كبار العلماء و السّائرين على ذلك الدّرب، و يصل البحث بنا عن التّوبة، إلى واقع التفصيل لتلك المباحث، مدعوم بالآيات و الرّوايات الشّريفة:

[1]. سورة غافر، الآية 7 الى 9.

[2]. اصول الكافي، ج 2، ص 432.


صفحه 214

الخطوة التالية التي ذكرها علماء الأخلاق، في خطّ الإلتزام الدّيني بعد التّوبة: «المشارطة»:

والقصد منها هو الإشتراط على النّفس وتذكيرها وتنبيهها، وأفضل الأوقات لها هو بعد صلاة الفَجر، و التنوّر بأنوار هذه العبادة الإلهيّة، الكبيرة العظيمة عند اللَّه تعالى، فيذكّر نفسه و يوصيها بأن تَتحرك في طريق الخَير و الصّلاح، فإذا ما إنقضى العُمر فلن يفيد النّدم، و لا يمكن الإستدراك، وليجعل نصب عينيه هذه الآية الشّريفة: «وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ»[1]، فإذا ما ضاع العُمر، فلن ينفع شي‌ءٌ بعده: «إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ»[2].

وعليه أنّ يُحدِّث نَفسه، و يقول لها: تصوّري أنّ العُمر قد إنقضى، و زالت الحُجب و تجلّت الحقائق المُرّة، و برزت مَعالم العَذاب، و هَولِ المطّلع، و مُنكَر وَ نكير، فحينئذٍ تشعرين بِحالة النَّدم على ما عَمِلْتِ، و تقولين: «رَبِّ ارْجِعُوني* لَعَلّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيَما تَرَكْتُ»[3].

و على فرض إنّك لم تسمعي جواب: «كلّا»، و أعادوكِ الى‌ الدنيا فهل ستتعظين و تُكَفّرين عمّا قصرتِ في جَنب اللَّه؟؟

ثمّ يوصي نفسه بجوارحه السّبعة: العَين و الاذن و اللّسان و اليّد و الرّجل و البطن و الفَرج، فهذه الجوارح مُنصاعَةٌ لكِ اليوم و في خدمتك، فلا تقحميها في المعاصي، فإنّ لجهنَّم سبعة أبوابٍ، لكلِّ باب جماعةٌ خاصةٌ من النّاس، يدخلون جهنّم منها، فعليك بالسيّطرة الدّقيقة على الجوارح لئَّلا تنحرف عن الطّريق القويم، و الهدف المرسوم لها، و بذلك توصَد أبواب جهنم دونها، و تفتح أبواب الجنان لها؟.

و يُوصي النّفس بالمُراقبة لِجوارحه، للإستعانة بها في طريق الطّاعة لا المعصية، فهي نِعَمٌ كبيرةٌ مُحاسب عليها الإنسان غداً.

و نَجد في أدعية الإمام السجاد عليه السلام، تأكيداً لمسألة المُشارطَة في حركة الإنسان المنفتح على اللَّه.

[1]. سورة العصر، الآية 1 و 2.

[2]. سوره العصر، الآية 3 و 4.

[3]. سورة المؤمنون، الآية 100.


صفحه 215

ففي الدّعاء، رقم (31) المعروف بدعاء التّوبة، يقول الإمام عليه السلام‌«وَلَكَ يا رَبِّ شَرطِي أَلّا أَعُودَ في مَكْرُوهِكَ، وَضَماني أَنْ لا أَرجَعَ في مَذْمُومَكَ وَعَهْدِي أَنْ أَهْجُرَ جَمِيعَ مَعاصِيك».

و كذلك الحال في الآيات القرآنية، فإنّ أصحاب الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، كانوا من خلال إرتباطهم مع اللَّه تعالى، بنحوٍ من العهدِ و الميثاقِ، يُطبّقون نوعاً من المُشارطة على أنفسهم، في خط الرّسالة و المسؤولية، ففي الآية (23) من سورة الأحزاب، نقرأ: «مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا» ...[1].

و كان البعض الآخر، ينقضون العهد مع الباري تعالى، بعد توكيدها، فورد في سورة الأحزاب، الآية (15): «وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَايُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا».

وَ وَرَد في حديثٍ عن أمير المؤمنين عليه السلام:«مَنْ لَمْ يَتَعاهَدْ النَّقْصَ مِنْ نَفْسِهِ غَلَبَ عَلَيهِ الهَوى‌، وَمَنْ كانَ في نَقْصٍ فَالمَوتُ خَيرٌ لَهُ»[2].

«فالمُشارطة»إذن: هي من الخُطى‌ المهمّة لَتِهذيب الأخلاق، ولولاها لتراكمت سُحب الغفلة و الغُرور، على قلب وروح الإنسان، و لَحادَت به عن الطرّيق القويم، و الجادّة المستقيمة.

الخطوة الثّالثة: المراقبة

«المُراقبة»من مادة: «الرَقَبَة»، و بما أنّ الإنسان يحني رقبته عند مراقبة الأشياء و الأوضاع، فاطلِقَت على كلّ أمر يُحتاج فيه إلى المواظبة و التّحقيق.

و هذا المُصطلح عند علماء الأَخلاق، يُطلق على «مراقبة النّفس»، و هي مرحلةٌ تاليةٌ لمرحلة المُشارطة، يعني أنّه يتوجّب على الإنسان، و بعد مُعاهدته و مُشارطته لنفسه بالطّاعة

[1]. بحار الأنوار، ج 67، ص 64.

[2]. بحار الأنوار، ج 67، ص 64.


صفحه 216

للأوامر الإلهيّة، و الإجتناب عن الذّنوب، عليه المُراقبة و المُواظبة على طهارته المعنوية، لأنّه في أدنى‌ غفلةٍ، فإنّ النّفس ستَنقُض كلّ العُهود و المواثيق، و تَسلُك به في خطّ المعصية مرّةً اخرى.

و طبعاً يجب أن لا ننسى‌، أنّ الإنسان و قبل مراقبته لِنفسه، فإنّ الملائكة تراقب أعماله، فيقول القرآن الكريم: «وإنّ عَلَيكُم لَحافِظِينَ»[1].

فالحافظون هنا هم الذين يتولون عملية المراقبة لأعمال الإنسان، و ذلك بقرينة الآيات التي تردُ بعدها، فتقول: «يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ»[2].

وفي الآية (18) من سورة (ق) يقول تعالى‌: «ما يَلْفِظُ مِنْ قَولٍ إِلَّا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ».

و فوق هذا و ذاك، فإنّ اللَّه تعالى مِن ورائهم محيط بكلّ شي‌ء، و في الآية (1) من سورة النساء، نقرأ: «إنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيكُم رَقِيباً».

و كذلك في سورة الأحزاب، الآية (52): «وَكانَ اللَّهُ عَلَى‌ كُلِّ شَي‌ءٍ رَقِيباً».

و في الآية (14) من سورة العلق: «أَلَم يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرى‌».

و الآية (21) من سورة سَبأ: «وَرَبُّكَ عَلى‌ كُلِّ شَي‌ءٍ حَفِيظٌ».

ولكن المحلّقين في أجواء التّقوى و تهذيب النّفس، يراقبون أفعالهم و سلوكياتهم، قبل مراقبة اللَّه تعالى لهم، و يعيشون الوَجَلَ و الخَوف من أعمالهم و فعالهم، و في مُراقبةٍ دائمةٍ، لِئَلّا يصدر منهم ما يسلب تلك النّعمة، و الحالة العرفانيّة التي يعيشونها مع اللَّه تعالى شأنه.

أو بعبارةٍ اخرى: الرّقيب الباطني يعيش معهم وعلى يقظةٍ دائماً، بالإضافة إلى الرّقابة الخارجيّة، و خوف اللَّه تعالى.

و في الحقيقة، فإنّ الإنسان في هذه الدنيا، حاله حالَ الذي يمتلك جوهرةً ثمينةً، يريد أن يقايضها بمتاع له ولعيالِه، و من حَوالَيهِ السرّاق و قطاعُ الطّريق، و يخاف عليها من السّرقة أو البيع بِثَمنٍ بَخْسٍ، و إن غفل عنها لِلَحظةٍ فسيُضَيّعها، و تذهب نفسه عليها حَسراتٍ.

[1]. سورة الإنفطار، الآية 10.

[2]. سورة الإنفطار، الآية 12.


صفحه 217

و السّائر في خطّ التّوبة و المراقبة، يعيش الحالة هذه أيضاً، فإنّ الشّياطين من الجِنّ و الإنس مُترصّدون لِغوايته، هذا بالإضافة إلى النّفس الأمّارة، و هوى النّفس، فإذا لم يُراقب نفسه و أعماله، فلا يأمن معها، مِنْ أن تسرق جوهرة الإيمان و التّقوى، و ينتقل من هذه الدنيا، خالي الوفاض وصفَر اليدين، و في الآيات و الرّوايات إشاراتٌ كثيرةٌ، و تلميحاتٌ متنوعةٌ حول هذه المرحلة، ومنها:

1-الآية (14) من سورة العَلَق: «أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى‌».

فهي إشارةٌ إلى مراقبة اللَّه تعالى لَه، وعليه مُراقبة أعماله أيضاً.

وَوَجَّه في آيَةٍ اخرى الخطاب لِلمؤمنين: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اْتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَ آتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون»[1].

فَجُملة: «وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ...»، تبيّن لنا في الحقيقة مفهوم المراقبة للنفس، على مستوى السّلوك و العمل.

وَ وَرَد نفس المعنى، ولكن بشكلٍ مُقتضبٍ، في سورة عَبَس، الآية (24): «فَلْيَنْظُرْ آلْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ»، (من الحلال والحرام)[2].

2-ورد عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، في تفسير الإحسان في الآية: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ»، فقال:«الإحسانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَراهُ فَإِنْ لَم تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَراكَ»[3].

و من الطّبيعي فإنّ المُعايشة مع هذه الحقيقة، و هي أنّ البّاري تعالى معنا أينما كُنّا، و الرّقيب علينا، من شأنه أن يخلق فينا روح الرّقابة، و نكون معها دائبين على الإنسجام، مع خطّ الرّسالة من موقع الإلتزام.

3-ورد حديثٌ عن أمير المؤمنين عليه السلام، أنّه قال:«يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مُهَيمِناً عَلى‌

[1]. سورة الحشر، الآية 18.

[2]. هذا على ما جاء في بعض التّفاسير، وقد جاء في تفاسير اخرى، أنّ المقصود هو النّظر و الإعتبار بخلقة اللَّه تعالى، لإنكشاف الآيات و الملاحظات التّوحيدية عند الإنسان، ولا تنافي بين التّفسيرين.

[3]. كنز العمّال، ج 3، ص 22، ح 5254؛ بحار الأنوار، ج 25، ص 204.


صفحه 218

نَفْسِهِ مُراقِبَاً قَلْبَهُ، حافِظاً لِسانَهُ»[1].

4-جاء عن الإمام الصادق عليه السلام:«مَنْ رعى‌ قَلْبَهُ عَنِ الغَفلَةِ وَنَفْسَهُ عَنِ الشّهْوَةِ وَعَقْلَهُ عَنِ الجَهْلِ، فَقَدْ دَخَلَ في دِيوانِ المتَنَبِّهينَ ثُمَّ مَنْ رعى‌ عَمَلَهُ عَنِ الهوى‌، وَدِيْنَهُ عَنِ البِدعَةِ وَ مالَهُ عَنِ الحَرامِ؛ فَهُوَ مِنْ جُملَةِ الصَّالِحِينَ»[2].

5-ما ورد في الحديث القُدسي:«بُؤساً لِلقانِطِينَ مِنْ رَحْمَتِي وَيا بُؤساً لَمَنْ عصاني وَلمْ يُراقِبُني»[3].

6-جاء في إحدى خطب أمير المؤمنين عليه السلام، أنّه قال:«فَرَحِمَ اللَّهُ إمرءاً رَاقَبَ رَبَّهُ وَتَنكَّبَ ذَنْبَهُ، وَكابَرَ هَواهُ، وَكَذَّبَ مُناهُ»[4].

7-وقد ورد في نهج البلاغة أيضاً:«فإتَّقُوا اللَّهَ عِبادَ اللَّهِ تَقِيَّةَ ذِي لُبٍّ شَغَلَ التَّفَكُّرَ قَلْبَهُ ...

وَرَاقَبَ فِي يَومِهِ غَدَهُ»[5].

نعم فإنّ «الرقابة» على النفس أو المُراقبة للَّه‌تعالى، أو ليوم القيامة، كلّها تعكس حقيقةً واحدةً، ألا و هي النّظارة و الرّقابة الفاحصة الدّقيقة الشّديدة للإنسان على أعماله، في كلّ حالٍ و زمانٍ و مكانٍ.

و خلاصة القول: إنّ السّائر إلى اللَّه تعالى، و بعد «المشارطة» مع نفسه وربّه، وبعد تهذيب النفس وتربيتها على طاعة اللَّه و عبوديّته، عليه المراقبة والمداومة على العهد الذي قطعه على نفسه في خطّ التوبة، كالّدائن الذي يطلب من مدينه وفاء ديونه، فأيّ غفلة عن مخاطر المسير، ستعود عليه بالضّرر الفاحش، و تؤخره عن الرّكب كثيراً.

الخطوة الرّابعة: المحاسبة

[1]. غُرر الحِكَم.

[2]. بحار الأنوار، ج 97، ص 68.

[3]. المصدر السابق، ج 74، ص 349.

[4]. اصول الكافي، ج 2، ص 67.

[5]. نهج البلاغة، الخطبة 83، «الخطبة الغرّاء».


صفحه 219

رابع خطوة ذكرها العلماء والسالكون في هذا المجال، هي: «المحاسبة» للنفس، في كلّ يوم أو كلّ شهر أو كلّ سنة، فَلْينظر الإنسان ماذا قدّم من أعمالٍ حسنةٍ، أو إرتكب من أعمالٍ قبيحةٍ، و يُفكر في ما بَدَر منه، من طاعةٍ أو عصيانٍ للَّه‌تعالى، أو لهوى النّفس. فيحاسب نفسه حساباً عسيراً، كالتّاجر الذي يحسب فوائده و عوائده من تجارته التي إتّجر بها، و هل عادت عليه بالنّفع أم الضرر؟. فكذلك السّائر إلى اللَّه تعالى في خطّ الإيمان و التوبة، عليه أن يُحاسب نفسه بأدقّ ممّا يفعله التاجر مع أمواله وتجارته.

و الُمحاسبة للدين أو للدنيا، لا تخلو من فائدتين: إذا بيّنت الفاتورة، الرّبح الوفير، فَهو دليلٌ على صحّةِ العمل و الدّوام عليه، وإذا ما بيّنت العكس، فهو الدّليل على الخطأ و الخطر، فربّما تلاعب أحد موظّفيه، أو خانه بالإختلاس وما شابهها من الامور، فعليه الإسراع في التثبّت و التّفحص والإصلاح.

و تخبرنا الآيات الكريمة، عن وجود النّظم و الحسابات الدقيقة في عالم الوجود، وتدعو الإنسان للتّفكر فيها جيّداً، ومنها: «وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ* أَلَّا تَطْغَوْا في الْمِيزَانِ»[1].

ونقرأ في آيةٍ اخرى: «وَكُلُّ شَيْ‌ءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ»[2].

وكذلك: «وَإِنْ مِنْ شَيْ‌ءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ»[3].

و من جهةٍ اخرى، نجد أنّ القرآن الكريم، قد أخبر في آياتٍ متعددةٍ، عن وجود حسابٍ دقيقٍ في يوم القيامة، كما ذكر على لسان لُقمان الحكيم لإبنه: «يَا بُنَىَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُنْ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أَوْ في السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ»[4].

وكذلك: «وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ»[5].

[1]. سورة الرّحمن، الآية 7 و 8.

[2]. سورة الرّعد، الآية 8.

[3]. سورة الحِجْر، الآية 21.

[4]. سورة لقمان، الآية 16.

[5]. سورة البقرة، الآية 282.