الخطوة التالية التي ذكرها علماء الأخلاق، في خطّ الإلتزام الدّيني بعد التّوبة: «المشارطة»:
والقصد منها هو الإشتراط على النّفس وتذكيرها وتنبيهها، وأفضل الأوقات لها هو بعد صلاة الفَجر، و التنوّر بأنوار هذه العبادة الإلهيّة، الكبيرة العظيمة عند اللَّه تعالى، فيذكّر نفسه و يوصيها بأن تَتحرك في طريق الخَير و الصّلاح، فإذا ما إنقضى العُمر فلن يفيد النّدم، و لا يمكن الإستدراك، وليجعل نصب عينيه هذه الآية الشّريفة: «وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ»[1]، فإذا ما ضاع العُمر، فلن ينفع شيءٌ بعده: «إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ»[2].
وعليه أنّ يُحدِّث نَفسه، و يقول لها: تصوّري أنّ العُمر قد إنقضى، و زالت الحُجب و تجلّت الحقائق المُرّة، و برزت مَعالم العَذاب، و هَولِ المطّلع، و مُنكَر وَ نكير، فحينئذٍ تشعرين بِحالة النَّدم على ما عَمِلْتِ، و تقولين: «رَبِّ ارْجِعُوني* لَعَلّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيَما تَرَكْتُ»[3].
و على فرض إنّك لم تسمعي جواب: «كلّا»، و أعادوكِ الى الدنيا فهل ستتعظين و تُكَفّرين عمّا قصرتِ في جَنب اللَّه؟؟
ثمّ يوصي نفسه بجوارحه السّبعة: العَين و الاذن و اللّسان و اليّد و الرّجل و البطن و الفَرج، فهذه الجوارح مُنصاعَةٌ لكِ اليوم و في خدمتك، فلا تقحميها في المعاصي، فإنّ لجهنَّم سبعة أبوابٍ، لكلِّ باب جماعةٌ خاصةٌ من النّاس، يدخلون جهنّم منها، فعليك بالسيّطرة الدّقيقة على الجوارح لئَّلا تنحرف عن الطّريق القويم، و الهدف المرسوم لها، و بذلك توصَد أبواب جهنم دونها، و تفتح أبواب الجنان لها؟.
و يُوصي النّفس بالمُراقبة لِجوارحه، للإستعانة بها في طريق الطّاعة لا المعصية، فهي نِعَمٌ كبيرةٌ مُحاسب عليها الإنسان غداً.
و نَجد في أدعية الإمام السجاد عليه السلام، تأكيداً لمسألة المُشارطَة في حركة الإنسان المنفتح على اللَّه.
[1]. سورة العصر، الآية 1 و 2.
[2]. سوره العصر، الآية 3 و 4.
[3]. سورة المؤمنون، الآية 100.
ففي الدّعاء، رقم (31) المعروف بدعاء التّوبة، يقول الإمام عليه السلام«وَلَكَ يا رَبِّ شَرطِي أَلّا أَعُودَ في مَكْرُوهِكَ، وَضَماني أَنْ لا أَرجَعَ في مَذْمُومَكَ وَعَهْدِي أَنْ أَهْجُرَ جَمِيعَ مَعاصِيك».
و كذلك الحال في الآيات القرآنية، فإنّ أصحاب الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، كانوا من خلال إرتباطهم مع اللَّه تعالى، بنحوٍ من العهدِ و الميثاقِ، يُطبّقون نوعاً من المُشارطة على أنفسهم، في خط الرّسالة و المسؤولية، ففي الآية (23) من سورة الأحزاب، نقرأ: «مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا» ...[1].
و كان البعض الآخر، ينقضون العهد مع الباري تعالى، بعد توكيدها، فورد في سورة الأحزاب، الآية (15): «وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَايُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا».
وَ وَرَد في حديثٍ عن أمير المؤمنين عليه السلام:«مَنْ لَمْ يَتَعاهَدْ النَّقْصَ مِنْ نَفْسِهِ غَلَبَ عَلَيهِ الهَوى، وَمَنْ كانَ في نَقْصٍ فَالمَوتُ خَيرٌ لَهُ»[2].
«فالمُشارطة»إذن: هي من الخُطى المهمّة لَتِهذيب الأخلاق، ولولاها لتراكمت سُحب الغفلة و الغُرور، على قلب وروح الإنسان، و لَحادَت به عن الطرّيق القويم، و الجادّة المستقيمة.
الخطوة الثّالثة: المراقبة
«المُراقبة»من مادة: «الرَقَبَة»، و بما أنّ الإنسان يحني رقبته عند مراقبة الأشياء و الأوضاع، فاطلِقَت على كلّ أمر يُحتاج فيه إلى المواظبة و التّحقيق.
و هذا المُصطلح عند علماء الأَخلاق، يُطلق على «مراقبة النّفس»، و هي مرحلةٌ تاليةٌ لمرحلة المُشارطة، يعني أنّه يتوجّب على الإنسان، و بعد مُعاهدته و مُشارطته لنفسه بالطّاعة
[1]. بحار الأنوار، ج 67، ص 64.
[2]. بحار الأنوار، ج 67، ص 64.
للأوامر الإلهيّة، و الإجتناب عن الذّنوب، عليه المُراقبة و المُواظبة على طهارته المعنوية، لأنّه في أدنى غفلةٍ، فإنّ النّفس ستَنقُض كلّ العُهود و المواثيق، و تَسلُك به في خطّ المعصية مرّةً اخرى.
و طبعاً يجب أن لا ننسى، أنّ الإنسان و قبل مراقبته لِنفسه، فإنّ الملائكة تراقب أعماله، فيقول القرآن الكريم: «وإنّ عَلَيكُم لَحافِظِينَ»[1].
فالحافظون هنا هم الذين يتولون عملية المراقبة لأعمال الإنسان، و ذلك بقرينة الآيات التي تردُ بعدها، فتقول: «يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ»[2].
وفي الآية (18) من سورة (ق) يقول تعالى: «ما يَلْفِظُ مِنْ قَولٍ إِلَّا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ».
و فوق هذا و ذاك، فإنّ اللَّه تعالى مِن ورائهم محيط بكلّ شيء، و في الآية (1) من سورة النساء، نقرأ: «إنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيكُم رَقِيباً».
و كذلك في سورة الأحزاب، الآية (52): «وَكانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ رَقِيباً».
و في الآية (14) من سورة العلق: «أَلَم يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرى».
و الآية (21) من سورة سَبأ: «وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيءٍ حَفِيظٌ».
ولكن المحلّقين في أجواء التّقوى و تهذيب النّفس، يراقبون أفعالهم و سلوكياتهم، قبل مراقبة اللَّه تعالى لهم، و يعيشون الوَجَلَ و الخَوف من أعمالهم و فعالهم، و في مُراقبةٍ دائمةٍ، لِئَلّا يصدر منهم ما يسلب تلك النّعمة، و الحالة العرفانيّة التي يعيشونها مع اللَّه تعالى شأنه.
أو بعبارةٍ اخرى: الرّقيب الباطني يعيش معهم وعلى يقظةٍ دائماً، بالإضافة إلى الرّقابة الخارجيّة، و خوف اللَّه تعالى.
و في الحقيقة، فإنّ الإنسان في هذه الدنيا، حاله حالَ الذي يمتلك جوهرةً ثمينةً، يريد أن يقايضها بمتاع له ولعيالِه، و من حَوالَيهِ السرّاق و قطاعُ الطّريق، و يخاف عليها من السّرقة أو البيع بِثَمنٍ بَخْسٍ، و إن غفل عنها لِلَحظةٍ فسيُضَيّعها، و تذهب نفسه عليها حَسراتٍ.
[1]. سورة الإنفطار، الآية 10.
[2]. سورة الإنفطار، الآية 12.
و السّائر في خطّ التّوبة و المراقبة، يعيش الحالة هذه أيضاً، فإنّ الشّياطين من الجِنّ و الإنس مُترصّدون لِغوايته، هذا بالإضافة إلى النّفس الأمّارة، و هوى النّفس، فإذا لم يُراقب نفسه و أعماله، فلا يأمن معها، مِنْ أن تسرق جوهرة الإيمان و التّقوى، و ينتقل من هذه الدنيا، خالي الوفاض وصفَر اليدين، و في الآيات و الرّوايات إشاراتٌ كثيرةٌ، و تلميحاتٌ متنوعةٌ حول هذه المرحلة، ومنها:
1-الآية (14) من سورة العَلَق: «أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى».
فهي إشارةٌ إلى مراقبة اللَّه تعالى لَه، وعليه مُراقبة أعماله أيضاً.
وَوَجَّه في آيَةٍ اخرى الخطاب لِلمؤمنين: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اْتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَ آتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون»[1].
فَجُملة: «وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ...»، تبيّن لنا في الحقيقة مفهوم المراقبة للنفس، على مستوى السّلوك و العمل.
وَ وَرَد نفس المعنى، ولكن بشكلٍ مُقتضبٍ، في سورة عَبَس، الآية (24): «فَلْيَنْظُرْ آلْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ»، (من الحلال والحرام)[2].
2-ورد عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، في تفسير الإحسان في الآية: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ»، فقال:«الإحسانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَراهُ فَإِنْ لَم تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَراكَ»[3].
و من الطّبيعي فإنّ المُعايشة مع هذه الحقيقة، و هي أنّ البّاري تعالى معنا أينما كُنّا، و الرّقيب علينا، من شأنه أن يخلق فينا روح الرّقابة، و نكون معها دائبين على الإنسجام، مع خطّ الرّسالة من موقع الإلتزام.
3-ورد حديثٌ عن أمير المؤمنين عليه السلام، أنّه قال:«يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مُهَيمِناً عَلى
[1]. سورة الحشر، الآية 18.
[2]. هذا على ما جاء في بعض التّفاسير، وقد جاء في تفاسير اخرى، أنّ المقصود هو النّظر و الإعتبار بخلقة اللَّه تعالى، لإنكشاف الآيات و الملاحظات التّوحيدية عند الإنسان، ولا تنافي بين التّفسيرين.
[3]. كنز العمّال، ج 3، ص 22، ح 5254؛ بحار الأنوار، ج 25، ص 204.
نَفْسِهِ مُراقِبَاً قَلْبَهُ، حافِظاً لِسانَهُ»[1].
4-جاء عن الإمام الصادق عليه السلام:«مَنْ رعى قَلْبَهُ عَنِ الغَفلَةِ وَنَفْسَهُ عَنِ الشّهْوَةِ وَعَقْلَهُ عَنِ الجَهْلِ، فَقَدْ دَخَلَ في دِيوانِ المتَنَبِّهينَ ثُمَّ مَنْ رعى عَمَلَهُ عَنِ الهوى، وَدِيْنَهُ عَنِ البِدعَةِ وَ مالَهُ عَنِ الحَرامِ؛ فَهُوَ مِنْ جُملَةِ الصَّالِحِينَ»[2].
5-ما ورد في الحديث القُدسي:«بُؤساً لِلقانِطِينَ مِنْ رَحْمَتِي وَيا بُؤساً لَمَنْ عصاني وَلمْ يُراقِبُني»[3].
6-جاء في إحدى خطب أمير المؤمنين عليه السلام، أنّه قال:«فَرَحِمَ اللَّهُ إمرءاً رَاقَبَ رَبَّهُ وَتَنكَّبَ ذَنْبَهُ، وَكابَرَ هَواهُ، وَكَذَّبَ مُناهُ»[4].
7-وقد ورد في نهج البلاغة أيضاً:«فإتَّقُوا اللَّهَ عِبادَ اللَّهِ تَقِيَّةَ ذِي لُبٍّ شَغَلَ التَّفَكُّرَ قَلْبَهُ ...
وَرَاقَبَ فِي يَومِهِ غَدَهُ»[5].
نعم فإنّ «الرقابة» على النفس أو المُراقبة للَّهتعالى، أو ليوم القيامة، كلّها تعكس حقيقةً واحدةً، ألا و هي النّظارة و الرّقابة الفاحصة الدّقيقة الشّديدة للإنسان على أعماله، في كلّ حالٍ و زمانٍ و مكانٍ.
و خلاصة القول: إنّ السّائر إلى اللَّه تعالى، و بعد «المشارطة» مع نفسه وربّه، وبعد تهذيب النفس وتربيتها على طاعة اللَّه و عبوديّته، عليه المراقبة والمداومة على العهد الذي قطعه على نفسه في خطّ التوبة، كالّدائن الذي يطلب من مدينه وفاء ديونه، فأيّ غفلة عن مخاطر المسير، ستعود عليه بالضّرر الفاحش، و تؤخره عن الرّكب كثيراً.
الخطوة الرّابعة: المحاسبة
[1]. غُرر الحِكَم.
[2]. بحار الأنوار، ج 97، ص 68.
[3]. المصدر السابق، ج 74، ص 349.
[4]. اصول الكافي، ج 2، ص 67.
[5]. نهج البلاغة، الخطبة 83، «الخطبة الغرّاء».
رابع خطوة ذكرها العلماء والسالكون في هذا المجال، هي: «المحاسبة» للنفس، في كلّ يوم أو كلّ شهر أو كلّ سنة، فَلْينظر الإنسان ماذا قدّم من أعمالٍ حسنةٍ، أو إرتكب من أعمالٍ قبيحةٍ، و يُفكر في ما بَدَر منه، من طاعةٍ أو عصيانٍ للَّهتعالى، أو لهوى النّفس. فيحاسب نفسه حساباً عسيراً، كالتّاجر الذي يحسب فوائده و عوائده من تجارته التي إتّجر بها، و هل عادت عليه بالنّفع أم الضرر؟. فكذلك السّائر إلى اللَّه تعالى في خطّ الإيمان و التوبة، عليه أن يُحاسب نفسه بأدقّ ممّا يفعله التاجر مع أمواله وتجارته.
و الُمحاسبة للدين أو للدنيا، لا تخلو من فائدتين: إذا بيّنت الفاتورة، الرّبح الوفير، فَهو دليلٌ على صحّةِ العمل و الدّوام عليه، وإذا ما بيّنت العكس، فهو الدّليل على الخطأ و الخطر، فربّما تلاعب أحد موظّفيه، أو خانه بالإختلاس وما شابهها من الامور، فعليه الإسراع في التثبّت و التّفحص والإصلاح.
و تخبرنا الآيات الكريمة، عن وجود النّظم و الحسابات الدقيقة في عالم الوجود، وتدعو الإنسان للتّفكر فيها جيّداً، ومنها: «وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ* أَلَّا تَطْغَوْا في الْمِيزَانِ»[1].
ونقرأ في آيةٍ اخرى: «وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ»[2].
وكذلك: «وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ»[3].
و من جهةٍ اخرى، نجد أنّ القرآن الكريم، قد أخبر في آياتٍ متعددةٍ، عن وجود حسابٍ دقيقٍ في يوم القيامة، كما ذكر على لسان لُقمان الحكيم لإبنه: «يَا بُنَىَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُنْ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أَوْ في السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ»[4].
وكذلك: «وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ»[5].
[1]. سورة الرّحمن، الآية 7 و 8.
[2]. سورة الرّعد، الآية 8.
[3]. سورة الحِجْر، الآية 21.
[4]. سورة لقمان، الآية 16.
[5]. سورة البقرة، الآية 282.
ومسألة الحساب هذه مهمّةٌ، لدرجة أنّ أحد أسماء يوم القيامةِ، هو: «يوم الحِساب»: «إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ»[1].
و يكون الإنسان هو الحَسيب على نفسه: «اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً»[2].
و بالنّظر لهذه الامور و الظّروف، فإنّ كلّ شيءٍ في الدنيا والآخرة يكون بِحساب، فكيف يمكن لإنسان أن يغفل عن مُحاسبة نفسه، ومن وراءه يومٌ ثقيلٌ، و كلّ شيءٍ بميزانٍ و مقدارٍ:و منيعمل مثقالَ ذرّةٍ خيراً يَرَه، ومن يعمل مثقال ذرّةٍ شراً يَره) فكلّ ما ذكر آنفاً، يحمل إلينا رسالةً و دعوة، لإثارة عناصر الإنتباه وعدم الغفلة عن الحساب و المحاسبة، فأنت إذا أردت أن تكون مُخفّاً في يوم الحساب، عليك الإسراع بمحاسبة نفسك هنا في الدنيا، قبل أن تحاسب في الاخرى، و يقال فيها: ولاتَ حينَ مناصٍ.
أمّا الروايات، فقد أشبعت الأمر بحثاً، و منها:
1-ما ورد عن الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، في حديثه المعروف:«حاسِبُوا أَنْفُسَكُم قَبلَ أَنْ تُحاسَبُوا، وَ زِنوها قَبْلَ أَنْ تُوزَنوا وَتَجَهَّزُوا للعَرضِ الأَكْبَرِ»[3].
2-و عنه صلى الله عليه و آله مخاطباً أبا ذر رحمه الله:«يا أَباذَر حاسِبْ نَفْسَكَ قَبْلَ أَنْ تُحاسَبُ فَإِنَّهُ أَهونُ لِحِسابِكَ غَداً وَزِنُ نَفْسَكَ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُ»[4].
3-وَ وَرد عن علي عليه السلام أنّه قال:«ما أَحَقُّ للإنسانِ أَنْ تَكُونَ لَهُ ساعَةٌ لا يَشْغُلُهُ شاغِلٌ يُحاسِبُ فِيها نَفْسَهُ، فَيَنظُرِ فِيما إكْتَسَبَ لَها وَ عَلَيها في لَيلِها وَ نَهارِها»[5].
فهذا الحديث يبيّن لنا بوضوح، مسألة المحاسبة في ساعات الفراغ، وهي من الامور الجديرة بالإنسان الكامل، الذي يعيش همّ المسؤوليّة، في دائرة حركته المنفتحة على اللَّه تعالى.
4-ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام، بنفس المعنى ولكن بشكلٍ آخر، فيقول عليه السلام:«حَقٌ عَلى
[1]. سورة ص، الآية 26.
[2]. سورة الإسراء، الآية 14.
[3]. بحار الأنوار، ج 97، ص 73.
[4]. أمالي الطوسي، (مطابقاً لما نقل عن ميران الحكمة) ج 8، ص 609.
[5]. مستدرك الوسائل، ج 12، ص 154.
كُلِّ مُسْلِمٍ يَعْرِفُنا، أَنْ يُعْرِضَ عَمَلَهُ في كُلِّ يَومٍ وَلَيلَةٍ عَلى نَفْسِهِ، فَيَكُونَ مُحاسِبَ نَفْسِهِ، فَإنّ رَأَى حَسَنَةً استَزادَ مِنْها وَ إِنْ رأَى سَيِّئَةً إِسْتَغْفَرَ مِنْها لِئلّا يُخْزى يَومَ القِيامَةِ»[1].
5-ما نُقل عن الإمام موسى الكاظم عليه السلام:«يا هُشامُ لَيسَ مِنّا مَنْ لَمْ يُحاسِبْ نَفْسَهُ فِي كُلِّ يَومٍ، فإنْ عَمِلَ حَسَنَةً استَزَادَ مِنْها وَ إِنْ عَمِلَ سَيِّئَةً إِسْتَغْفَرَ اللَّهُ مِنْها وَ تابَ»[2].
فالروايات جمّةٌ في هذا المجال ومن أراد الإكثار، عليه مراجعة مستدرك الوسائل: كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس[3].
هذه الرّوايات كلّها تبيّن أهميّة المسألة في الإسلام، و أنّ مَنْ لم يحاسب نفسه فهو ليس من أتباع الأئمّة عليهم السلام، الحقيقيين!.
و كما أشارت الرّوايات إلى فلسفة وحكمة هذا الأمر، فهو يزيد من الحسنات، و يمنع الإنسان من السّقوط في وادي الهلاك والقبائح، و يُساعده في إنقاذه من بحر الغفلة و الضّياع، و هَلّا ساوينا الامور الماديّة بالمعنويّة الروحيّة، ففي الماديّات يُحسب حساب كلّ شيءٍ، ولكلٍّ دفتره الخاص به، دفترٌ: يومي، و سنوي، و شهري، و للمخزن ... وو. ولسنا مُستعدّين من وضع ولو ورقةٍ واحدةٍ نحاسب فيها أنفسنا، على ما فعلت في دائرة الطّاعة و المعصية، للَّهِ تعالى!!.
هذا مع وجود فرق كبير بين الأمرين، و لا يُقاس أحدهما بالآخر، أو كما يقال شَتّان ما بين الثَّرى و الثُّريّا، فنقرأ حديثاً عن الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، يقول:«لا يَكُونَ العَبدُ مُؤمناً حتّى يُحاسِبَ نَفْسَهُ أَشد مِنْ مُحاسَبَةِ الشّريكِ شَرِيكَهُ، وَالسَّيِّدِ عَبْدَهُ»[4].
فهذا الموضوع مهم لِلغاية، إلى درجةٍ أنّ العلماء كتبوا فيه كتباً عديدةً، و منهم السيد إبن طاووس الحلي رحمه الله المتوفي فى سنة «664 للهجرة» في كتابه محاسبة النّفس، و كتاب محاسبة النّفس في إصلاح عمل اليوم و الإعتذار من الأمس، للمرحوم الحاج ميرزا علي الحائري
[1]. تحف العقول، ص 221.
[2]. مستدرك الوسائل، ج 12، ص 153.
[3]. المصدر السابق، ج 12، ص 152- 156؛ اصول الكافي، ج 2، باب محاسبة العمل، ص 453، ح 2.
[4]. محاسبة النّفس، لإبن طاووس رحمه الله، ص 14؛ بحار الأنوار، ج 67، ص 72، ح 22.