بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 218

نَفْسِهِ مُراقِبَاً قَلْبَهُ، حافِظاً لِسانَهُ»[1].

4-جاء عن الإمام الصادق عليه السلام:«مَنْ رعى‌ قَلْبَهُ عَنِ الغَفلَةِ وَنَفْسَهُ عَنِ الشّهْوَةِ وَعَقْلَهُ عَنِ الجَهْلِ، فَقَدْ دَخَلَ في دِيوانِ المتَنَبِّهينَ ثُمَّ مَنْ رعى‌ عَمَلَهُ عَنِ الهوى‌، وَدِيْنَهُ عَنِ البِدعَةِ وَ مالَهُ عَنِ الحَرامِ؛ فَهُوَ مِنْ جُملَةِ الصَّالِحِينَ»[2].

5-ما ورد في الحديث القُدسي:«بُؤساً لِلقانِطِينَ مِنْ رَحْمَتِي وَيا بُؤساً لَمَنْ عصاني وَلمْ يُراقِبُني»[3].

6-جاء في إحدى خطب أمير المؤمنين عليه السلام، أنّه قال:«فَرَحِمَ اللَّهُ إمرءاً رَاقَبَ رَبَّهُ وَتَنكَّبَ ذَنْبَهُ، وَكابَرَ هَواهُ، وَكَذَّبَ مُناهُ»[4].

7-وقد ورد في نهج البلاغة أيضاً:«فإتَّقُوا اللَّهَ عِبادَ اللَّهِ تَقِيَّةَ ذِي لُبٍّ شَغَلَ التَّفَكُّرَ قَلْبَهُ ...

وَرَاقَبَ فِي يَومِهِ غَدَهُ»[5].

نعم فإنّ «الرقابة» على النفس أو المُراقبة للَّه‌تعالى، أو ليوم القيامة، كلّها تعكس حقيقةً واحدةً، ألا و هي النّظارة و الرّقابة الفاحصة الدّقيقة الشّديدة للإنسان على أعماله، في كلّ حالٍ و زمانٍ و مكانٍ.

و خلاصة القول: إنّ السّائر إلى اللَّه تعالى، و بعد «المشارطة» مع نفسه وربّه، وبعد تهذيب النفس وتربيتها على طاعة اللَّه و عبوديّته، عليه المراقبة والمداومة على العهد الذي قطعه على نفسه في خطّ التوبة، كالّدائن الذي يطلب من مدينه وفاء ديونه، فأيّ غفلة عن مخاطر المسير، ستعود عليه بالضّرر الفاحش، و تؤخره عن الرّكب كثيراً.

الخطوة الرّابعة: المحاسبة

[1]. غُرر الحِكَم.

[2]. بحار الأنوار، ج 97، ص 68.

[3]. المصدر السابق، ج 74، ص 349.

[4]. اصول الكافي، ج 2، ص 67.

[5]. نهج البلاغة، الخطبة 83، «الخطبة الغرّاء».


صفحه 219

رابع خطوة ذكرها العلماء والسالكون في هذا المجال، هي: «المحاسبة» للنفس، في كلّ يوم أو كلّ شهر أو كلّ سنة، فَلْينظر الإنسان ماذا قدّم من أعمالٍ حسنةٍ، أو إرتكب من أعمالٍ قبيحةٍ، و يُفكر في ما بَدَر منه، من طاعةٍ أو عصيانٍ للَّه‌تعالى، أو لهوى النّفس. فيحاسب نفسه حساباً عسيراً، كالتّاجر الذي يحسب فوائده و عوائده من تجارته التي إتّجر بها، و هل عادت عليه بالنّفع أم الضرر؟. فكذلك السّائر إلى اللَّه تعالى في خطّ الإيمان و التوبة، عليه أن يُحاسب نفسه بأدقّ ممّا يفعله التاجر مع أمواله وتجارته.

و الُمحاسبة للدين أو للدنيا، لا تخلو من فائدتين: إذا بيّنت الفاتورة، الرّبح الوفير، فَهو دليلٌ على صحّةِ العمل و الدّوام عليه، وإذا ما بيّنت العكس، فهو الدّليل على الخطأ و الخطر، فربّما تلاعب أحد موظّفيه، أو خانه بالإختلاس وما شابهها من الامور، فعليه الإسراع في التثبّت و التّفحص والإصلاح.

و تخبرنا الآيات الكريمة، عن وجود النّظم و الحسابات الدقيقة في عالم الوجود، وتدعو الإنسان للتّفكر فيها جيّداً، ومنها: «وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ* أَلَّا تَطْغَوْا في الْمِيزَانِ»[1].

ونقرأ في آيةٍ اخرى: «وَكُلُّ شَيْ‌ءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ»[2].

وكذلك: «وَإِنْ مِنْ شَيْ‌ءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ»[3].

و من جهةٍ اخرى، نجد أنّ القرآن الكريم، قد أخبر في آياتٍ متعددةٍ، عن وجود حسابٍ دقيقٍ في يوم القيامة، كما ذكر على لسان لُقمان الحكيم لإبنه: «يَا بُنَىَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُنْ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أَوْ في السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ»[4].

وكذلك: «وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ»[5].

[1]. سورة الرّحمن، الآية 7 و 8.

[2]. سورة الرّعد، الآية 8.

[3]. سورة الحِجْر، الآية 21.

[4]. سورة لقمان، الآية 16.

[5]. سورة البقرة، الآية 282.


صفحه 220

ومسألة الحساب هذه مهمّةٌ، لدرجة أنّ أحد أسماء يوم القيامةِ، هو: «يوم الحِساب»: «إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ»[1].

و يكون الإنسان هو الحَسيب على نفسه: «اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً»[2].

و بالنّظر لهذه الامور و الظّروف، فإنّ كلّ شي‌ءٍ في الدنيا والآخرة يكون بِحساب، فكيف يمكن لإنسان أن يغفل عن مُحاسبة نفسه، ومن وراءه يومٌ ثقيلٌ، و كلّ شي‌ءٍ بميزانٍ و مقدارٍ:و من‌يعمل مثقالَ ذرّةٍ خيراً يَرَه، ومن يعمل مثقال ذرّةٍ شراً يَره) فكلّ ما ذكر آنفاً، يحمل إلينا رسالةً و دعوة، لإثارة عناصر الإنتباه وعدم الغفلة عن الحساب و المحاسبة، فأنت إذا أردت أن تكون مُخفّاً في يوم الحساب، عليك الإسراع بمحاسبة نفسك هنا في الدنيا، قبل أن تحاسب في الاخرى، و يقال فيها: ولاتَ حينَ مناصٍ.

أمّا الروايات، فقد أشبعت الأمر بحثاً، و منها:

1-ما ورد عن الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، في حديثه المعروف:«حاسِبُوا أَنْفُسَكُم قَبلَ أَنْ تُحاسَبُوا، وَ زِنوها قَبْلَ أَنْ تُوزَنوا وَتَجَهَّزُوا للعَرضِ الأَكْبَرِ»[3].

2-و عنه صلى الله عليه و آله مخاطباً أبا ذر رحمه الله:«يا أَباذَر حاسِبْ نَفْسَكَ قَبْلَ أَنْ تُحاسَبُ فَإِنَّهُ أَهونُ لِحِسابِكَ غَداً وَزِنُ نَفْسَكَ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُ»[4].

3-وَ وَرد عن علي عليه السلام أنّه قال:«ما أَحَقُّ للإنسانِ أَنْ تَكُونَ لَهُ ساعَةٌ لا يَشْغُلُهُ شاغِلٌ يُحاسِبُ فِيها نَفْسَهُ، فَيَنظُرِ فِيما إكْتَسَبَ لَها وَ عَلَيها في لَيلِها وَ نَهارِها»[5].

فهذا الحديث يبيّن لنا بوضوح، مسألة المحاسبة في ساعات الفراغ، وهي من الامور الجديرة بالإنسان الكامل، الذي يعيش همّ المسؤوليّة، في دائرة حركته المنفتحة على اللَّه تعالى.

4-ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام، بنفس المعنى ولكن بشكلٍ آخر، فيقول عليه السلام:«حَقٌ عَلى‌

[1]. سورة ص، الآية 26.

[2]. سورة الإسراء، الآية 14.

[3]. بحار الأنوار، ج 97، ص 73.

[4]. أمالي الطوسي، (مطابقاً لما نقل عن ميران الحكمة) ج 8، ص 609.

[5]. مستدرك الوسائل، ج 12، ص 154.


صفحه 221

كُلِّ مُسْلِمٍ يَعْرِفُنا، أَنْ يُعْرِضَ عَمَلَهُ في كُلِّ يَومٍ وَلَيلَةٍ عَلى‌ نَفْسِهِ، فَيَكُونَ مُحاسِبَ نَفْسِهِ، فَإنّ رَأَى‌ حَسَنَةً استَزادَ مِنْها وَ إِنْ رأَى‌ سَيِّئَةً إِسْتَغْفَرَ مِنْها لِئلّا يُخْزى يَومَ القِيامَةِ»[1].

5-ما نُقل عن الإمام موسى الكاظم عليه السلام:«يا هُشامُ لَيسَ مِنّا مَنْ لَمْ يُحاسِبْ نَفْسَهُ فِي كُلِّ يَومٍ، فإنْ عَمِلَ حَسَنَةً استَزَادَ مِنْها وَ إِنْ عَمِلَ سَيِّئَةً إِسْتَغْفَرَ اللَّهُ مِنْها وَ تابَ»[2].

فالروايات جمّةٌ في هذا المجال ومن أراد الإكثار، عليه مراجعة مستدرك الوسائل: كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس‌[3].

هذه الرّوايات كلّها تبيّن أهميّة المسألة في الإسلام، و أنّ مَنْ لم يحاسب نفسه فهو ليس من أتباع الأئمّة عليهم السلام، الحقيقيين!.

و كما أشارت الرّوايات إلى فلسفة وحكمة هذا الأمر، فهو يزيد من الحسنات، و يمنع الإنسان من السّقوط في وادي الهلاك والقبائح، و يُساعده في إنقاذه من بحر الغفلة و الضّياع، و هَلّا ساوينا الامور الماديّة بالمعنويّة الروحيّة، ففي الماديّات يُحسب حساب كلّ شي‌ءٍ، ولكلٍّ دفتره الخاص به، دفترٌ: يومي، و سنوي، و شهري، و للمخزن ... وو. ولسنا مُستعدّين من وضع ولو ورقةٍ واحدةٍ نحاسب فيها أنفسنا، على ما فعلت في دائرة الطّاعة و المعصية، للَّهِ تعالى!!.

هذا مع وجود فرق كبير بين الأمرين، و لا يُقاس أحدهما بالآخر، أو كما يقال شَتّان ما بين الثَّرى و الثُّريّا، فنقرأ حديثاً عن الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، يقول:«لا يَكُونَ العَبدُ مُؤمناً حتّى‌ يُحاسِبَ نَفْسَهُ أَشد مِنْ مُحاسَبَةِ الشّريكِ شَرِيكَهُ، وَالسَّيِّدِ عَبْدَهُ»[4].

فهذا الموضوع مهم لِلغاية، إلى درجةٍ أنّ العلماء كتبوا فيه كتباً عديدةً، و منهم السيد إبن طاووس الحلي رحمه الله المتوفي فى سنة «664 للهجرة» في كتابه محاسبة النّفس، و كتاب محاسبة النّفس في إصلاح عمل اليوم و الإعتذار من الأمس، للمرحوم الحاج ميرزا علي الحائري‌

[1]. تحف العقول، ص 221.

[2]. مستدرك الوسائل، ج 12، ص 153.

[3]. المصدر السابق، ج 12، ص 152- 156؛ اصول الكافي، ج 2، باب محاسبة العمل، ص 453، ح 2.

[4]. محاسبة النّفس، لإبن طاووس رحمه الله، ص 14؛ بحار الأنوار، ج 67، ص 72، ح 22.


صفحه 222

المرعشي، (المتوفى‌ في سنة 1344 للهجرة)، و محاسبة النّفس للسيّد علي المرعشي، المتوفى‌ في سنة (1080 للهجرة[1]).

ويجدر هنا الإشارة إلى عدّة ملاحظات:

1- كيفيّة محاسبة النّفس و إستنطاقها

و أفضل طريقٍ لذلك، ما ورد عن أميرالمؤمنين عليه السلام، نقلًا عن الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، فقال:

«أَكْيَسَ الكيَسِينَ مَنْ حاسَبَ نَفْسَهُ ...» فَقَالَوا: يا أَميرِ المُؤمِنِينَ وَكَيفَ يُحاسَبُ الرَّجُلُ نَفْسَهُ؟.

قال: إذا أَصْبَحَ ثُمَّ أَمسى‌ رَجَعَ إِلى‌ نَفْسِهِ وَ قَالَ: يا نَفسُ إِنَّ هذا يَومٌ مضى‌ عَلَيكِ لا يَعُودُ إِلَيكِ أَبَداً، وَ اللَّهُ سائِلُكِ عَنْهُ فَيما أَفْنَيتَهُ، فَما الَّذِي عَمِلْتَ فِيهِ؟ أَذَكَرْتَ اللَّهَ أَمْ حَمَدْتَه؟

أَقَضَيتِ حَقَّ أَخٍ مُؤمِنٍ؟ أَنْفَّسْتَ عَنْهُ كُربَتَهُ؟ أَحَفِظتِيهِ بِظَهرِ الغَيبِ فِي أَهْلِهِ وَوَلَدِه؟ أَحَفِظتِيهِ بَعْدَ المَوتِ فِي مُخلِّفِيهِ؟ أَكَفَفتِ عَنْهُ غَيبَةِ أَخٍ مُؤمِنْ بِفَضْلِ جاهَك؟ أَأعَنْتَ مُسلِماً؟ ما الَّذِي صَنَعْتِ فِيهِ؟ فَيَذكُرَ ما كانَ مِنْهُ، فإنْ ذَكَرَ أَنّهُ جَرى‌ مِنهُ خَيرَ حَمَدَ اللَّهَ عَزَّوَجَلَّ وَكَبَّرَهُ عَلى‌ تَوفِيقِهِ، وإِنْ ذَكرَ مَعْصِيةً أَو تَقْصِيراً اسْتَغْفَرَ اللَّهَ عَزَّوَجَلَّ وَعَزَمَ عَلى‌ تَرْكِ مَعاوَدَتَهُ وَمحا ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ بِتَجْدِيدٍ الصّلاةِ عَلَى‌ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّيّبِينَ وَعَرَضَ بَيعَةَ أَمِيرِ المُؤمِنِينَ عَلِى نَفْسِهِ وَقَبُولِها، وإِعادَة لَعَنَ شانِئِيهِ وَأَعدَائِهِ، وَدَافِعِيه عَنْ حُقُوقِهِ، فَإِذا فَعَلَ ذَلِكَ قَالَ اللَّهُ عَزَّوَجَلَّ: لَستُ اناقِشُكَ فِي شي‌ءٍ مِنْ الذُّنُوبِ مَعَ مُوالاتِكَ أَولِيائِي وَمُعادَاتِك أَعدَائِي»[2].

نعم فإنّها أفضل طريقةٍ لمحاسبة النّفس، و إلجامها عن الّتمادي في خطّ العصيان و الّتمرد.

2- ما هي معطيات محاسبة النّفس؟

الإجابة على هذا السؤال، ظهرت جليةً في طيّات بُحوثنا السّابقة، و الحَريّ بنا هنا

[1]. الذّريعة، ج 2.

[2]. بحار الأنوار، ج 70، ص 69 و 70.


صفحه 223

الإستعانة بالأحاديث التي وردت عنهم عليهم السلام، منها:

ما ورد عن الإمام علي عليه السلام:«مَنْ حاسَبَ نَفْسَهُ وَقَفَ عَلَى عُيوبِهِ، وَ أَحاطَ بِذُنُوبِهِ، و استَقالَ الذُّنُوبَ وَأَصْلَحَ العُيوبَ»[1].

و أيضاً عنه عليه السلام:«مَنْ حاسَبَ نَفْسَهُ سَعَدَ»[2].

و عنه عليه السلام:«ثَمَرَةُ الُمحاسِبِةِ صلاحُ النَّفْسِ»[3].

و يقول بعض العلماء في هذا الفن، إنّ المحاسبة يجب أن تكون شبيهة، بالمحاسبة بين الشّريكين، فإذا ما وجد النّفع إستمر معه وبارك في خُطاه، وإلّا فسيكون ضامناً للخسارة في الحاضر والمستقبل.

و أهمّ رأسمالٍ عند الإنسان: هو عمره، فإذا ما قضاه بالخير والمنفعة، فهو الفائز، ولكنه سوف يعيش الخسارة في إرتكابه لِلذنوب، فموسم هذه التّجارة هي أيّامه، و شريكه في المعاملة هو النّفس الأمّارة.

فأوّل ما يطالبها بالفرائض، فإذا ما أدّتها فليشكر الباري تعالى، وليبارك خُطاه، و إذا ما ضيّعت فريضة ما، فليطالبها بقضائها وإذا كان فيها نقص، فليجبرها بالنّوافل، وعند المعصية يطالبها بالتّكفير عنها، كما يفعل التاجر مع شريكه، في أتفه الامور و المبالغ التي لا قيمة لها، كي لا يُغبن في المعاملة، وخصوصاً أنّ الإنسان، يواجه عدوّاً لدوداً مخادعاً، و هو النفس الأمّارة، و ليحاسب نفسه كما تحاسبه الملائكة، في تداعيات أفكاره، وخواطر نفسه في قيامه و في قُعوده، ولماذا تكلّم، ولماذا سكن؟، وهكذا في كلّ ساعةٍ و كلِّ يومٍ، و على كلّ فعلٍ و عملٍ، وإذا ما تهاون في الأمر، فسوف تتراكم على قلبه و روحه الذّنوب و العيوب، و الأنكى‌ من ذلك أنّ الإنسان ينسى‌ ما يفعله بسهولةٍ، ولكنّ الكرام الكاتبين، لا يغفلون ولا يفترون في عملهم، فقال الباري تعالى: «أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسَوهُ»[4][5]

[1]غررالحكم‌

[2]المستدرك ج 126 ص 154

[3]غررالحكم‌

[4]سوره المجادله الايه 6

[5]


صفحه 224

ومسك الخِتام، نورد حديثاً يبيّن كيفيّة الحساب في يوم القيامة، عن الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، أنّه قال:«لا تَزُولُ قَدَما عَبْدٍ يَومَ الَقيامَةِ، حَتّى‌ يُسْئَلَ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنْ عُمْرِهِ فِي ما أَفناهُ وَعَنْ شَبابِهِ فَي ما أَبلاهُ، وَ عَنْ مالِهِ مِنْ أَينَ كَسَبَهُ وَ في ما أَنْفَقَهُ وَعَنْ حُبِّنا أَهْلَ البَيتِ»[1].

الخطوة الخامسة: المعاتبة والمعاقبة

بعد «المحاسبة»، يأتي دور المُعاتبة و المُعاقبة للنّفس على أخطائها وأغلاطها، فالحساب بدون إظهار ردّ الفعل، لا فائدة فيه ولا ثمرة، ونتيجته ستكون عكسيةً، بل تحمل النّفس على الجرأة والجسارة و العناد، في حركة الحياة والواقع، فكما يحاسب الرّئيس موظفيه عن تقصيرهم، و يعاقبهم بنوعٍ ما، وكلٌّ حسب حجم تقصيره، فكذلك يفعل السّائرون في طريق الباري، فإذا ما جَمَحَت بهم أنفسهم يوماً، فسوف يعاقبونها لجرأتها على سيّدها ومولاها.

و أكّد القرآن الكريم على هذه المسألة، فأقسَم بالنّفسِ اللّوامة، لأهميتها: «لا اقْسِمُ بِآلنَّفْسِ اللَّوامَة»[2]،[3].

و نحن نعلم أنّ النّفس اللوامة، هي الضّمير الحي الذي يردع صاحبه عن إرتكاب المعاصي، و هو نوع من العِقاب للنفس.

و من الواضح أنّ العقاب للنفس له درجاتٌ و مراتبٌ، و أوّل ما يبدأ من حالة الملامة، ثمّ يشدّد العقاب، وذلك بحرمان النّفس من بعض اللذائذ الدنيوية لفترة من الزّمن.

و أشار القرآن الكريم، لنموذجٍ رائعٍ حول هذا الموضوع، و ذلك بالنّسبة للثلاثة الذين‌

. المحجّة البيضاء، ج 8، ص 168، (مع التلخيص).

[1]. خصال الصدوق، ص 253.

[2]. سورة القيامة، الآية 2.

[3]. المعروف بين المفسّرين: أنّ «لا» زائدة وللتأكيد، والجدير بالملاحظة أنّه وردت تفسيرات مختلفة «للنفس اللّوامة»، فبعض قال: أنّها إشارةٌ للكفّار و العاصين الذين يلومون أنفسهم في يوم القيامة، وبعض أشاروا إليهم في هذه الدنيا، أنّهم يستحقون الملامة في الدنيا قبل الآخرة، ولكنّ المعنى: «الوجدان أو الضمير المستيقظ»، أنسب من الجميع، و قَسَمٌ القرآن بهاٌ دليلٌ على أفضليّتها على باقي الامور.


صفحه 225

تخلّفوا في غزوة تَبوك، و أمر الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، الناس بمقاطعتهم في كلّ شي‌ءٍ، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فعاقبوا أنفسهم على فعلتهم، و إنشغلوا بالتّوبة، و إنعزلوا عن الناس بالكامل، وبعد مدّة تاب اللَّه تعالى عليهم، ونزلت الآية الكريمة: «وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَامَلْجَأَ مِنْ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ»[1].

فجملة: «وضاقت عليهم أنفسهم»، ربّما تكون إشارةً إلى مسألة: «معاقبة النّفس»، بالعزلة التي إختاروها لأنفسهم، فقبلها الباري تعالى منهم، وَ ورد في شأن النّزول للآية (102) من سورة التوبة: «وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ».

فهي تشير إلى قصة: «أبو لُبابة الأنصاري»، و هو أحد أصحاب النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله، ولكنّه تهاوَن عن نَصرة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، في غزوة تَبوك، و بعدها ندم أشدّ الندم، فأراد أن يُكفّر عن فِعلته، فذهب إلى مسجد النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله، وربط نفسه إلى أحد أعمدته، وأقسم أنّ لا يطلق نفسه إلّابموافقة اللَّه و رسوله، أو يتوب اللَّه تعالى عليه، فبقي على هذه الصورة حتى تاب اللَّه تعالى عليه، ونزلت الآية، وصرّحت بقبول اللَّه تعالى لِتوبته.

و من الواضح، أنّ أبا لُبابة كان قد تحرك من موقع مُحاسبة النفس، و مُعاقبتها على فِعلتها، و هو دليلٌ على أنّ السّير و السّلوك إلى اللَّه تعالى، كان موجوداً على عهد الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله.

وأمّا جملة: «خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئَاً»، فهي أيضاً ربّما تكون إشارةً لذلك المعنى أيضاً، و أَتحفتنا الرّوايات أيضاً، وأرشدتنا إلى موضوع بحثنا، ومنها:

1-ما ورد عن علي عليه السلام، أنّ قال في أوصاف المتّقين، في نهج البلاغة:

«إِن اسْتَصْعَبَتْ عَلَيهِ نَفْسُهُ في ما تَكْرَهُ لَمْ يُعْطِها سُؤلَها فِي ما تُحِبُّ»[2].

و المقصود منه، أن يمنع نفسه في حالة جموحها، من النوم و الرّاحة و الأكل و الشّرب،

[1]. سورة التوبة، الآية 118.

[2]. نهج البلاغة، الخطبة 193.