الإستعانة بالأحاديث التي وردت عنهم عليهم السلام، منها:
ما ورد عن الإمام علي عليه السلام:«مَنْ حاسَبَ نَفْسَهُ وَقَفَ عَلَى عُيوبِهِ، وَ أَحاطَ بِذُنُوبِهِ، و استَقالَ الذُّنُوبَ وَأَصْلَحَ العُيوبَ»[1].
و أيضاً عنه عليه السلام:«مَنْ حاسَبَ نَفْسَهُ سَعَدَ»[2].
و عنه عليه السلام:«ثَمَرَةُ الُمحاسِبِةِ صلاحُ النَّفْسِ»[3].
و يقول بعض العلماء في هذا الفن، إنّ المحاسبة يجب أن تكون شبيهة، بالمحاسبة بين الشّريكين، فإذا ما وجد النّفع إستمر معه وبارك في خُطاه، وإلّا فسيكون ضامناً للخسارة في الحاضر والمستقبل.
و أهمّ رأسمالٍ عند الإنسان: هو عمره، فإذا ما قضاه بالخير والمنفعة، فهو الفائز، ولكنه سوف يعيش الخسارة في إرتكابه لِلذنوب، فموسم هذه التّجارة هي أيّامه، و شريكه في المعاملة هو النّفس الأمّارة.
فأوّل ما يطالبها بالفرائض، فإذا ما أدّتها فليشكر الباري تعالى، وليبارك خُطاه، و إذا ما ضيّعت فريضة ما، فليطالبها بقضائها وإذا كان فيها نقص، فليجبرها بالنّوافل، وعند المعصية يطالبها بالتّكفير عنها، كما يفعل التاجر مع شريكه، في أتفه الامور و المبالغ التي لا قيمة لها، كي لا يُغبن في المعاملة، وخصوصاً أنّ الإنسان، يواجه عدوّاً لدوداً مخادعاً، و هو النفس الأمّارة، و ليحاسب نفسه كما تحاسبه الملائكة، في تداعيات أفكاره، وخواطر نفسه في قيامه و في قُعوده، ولماذا تكلّم، ولماذا سكن؟، وهكذا في كلّ ساعةٍ و كلِّ يومٍ، و على كلّ فعلٍ و عملٍ، وإذا ما تهاون في الأمر، فسوف تتراكم على قلبه و روحه الذّنوب و العيوب، و الأنكى من ذلك أنّ الإنسان ينسى ما يفعله بسهولةٍ، ولكنّ الكرام الكاتبين، لا يغفلون ولا يفترون في عملهم، فقال الباري تعالى: «أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسَوهُ»[4][5]
[1]غررالحكم
[2]المستدرك ج 126 ص 154
[3]غررالحكم
[4]سوره المجادله الايه 6
[5]
ومسك الخِتام، نورد حديثاً يبيّن كيفيّة الحساب في يوم القيامة، عن الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، أنّه قال:«لا تَزُولُ قَدَما عَبْدٍ يَومَ الَقيامَةِ، حَتّى يُسْئَلَ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنْ عُمْرِهِ فِي ما أَفناهُ وَعَنْ شَبابِهِ فَي ما أَبلاهُ، وَ عَنْ مالِهِ مِنْ أَينَ كَسَبَهُ وَ في ما أَنْفَقَهُ وَعَنْ حُبِّنا أَهْلَ البَيتِ»[1].
الخطوة الخامسة: المعاتبة والمعاقبة
بعد «المحاسبة»، يأتي دور المُعاتبة و المُعاقبة للنّفس على أخطائها وأغلاطها، فالحساب بدون إظهار ردّ الفعل، لا فائدة فيه ولا ثمرة، ونتيجته ستكون عكسيةً، بل تحمل النّفس على الجرأة والجسارة و العناد، في حركة الحياة والواقع، فكما يحاسب الرّئيس موظفيه عن تقصيرهم، و يعاقبهم بنوعٍ ما، وكلٌّ حسب حجم تقصيره، فكذلك يفعل السّائرون في طريق الباري، فإذا ما جَمَحَت بهم أنفسهم يوماً، فسوف يعاقبونها لجرأتها على سيّدها ومولاها.
و أكّد القرآن الكريم على هذه المسألة، فأقسَم بالنّفسِ اللّوامة، لأهميتها: «لا اقْسِمُ بِآلنَّفْسِ اللَّوامَة»[2]،[3].
و نحن نعلم أنّ النّفس اللوامة، هي الضّمير الحي الذي يردع صاحبه عن إرتكاب المعاصي، و هو نوع من العِقاب للنفس.
و من الواضح أنّ العقاب للنفس له درجاتٌ و مراتبٌ، و أوّل ما يبدأ من حالة الملامة، ثمّ يشدّد العقاب، وذلك بحرمان النّفس من بعض اللذائذ الدنيوية لفترة من الزّمن.
و أشار القرآن الكريم، لنموذجٍ رائعٍ حول هذا الموضوع، و ذلك بالنّسبة للثلاثة الذين
. المحجّة البيضاء، ج 8، ص 168، (مع التلخيص).
[1]. خصال الصدوق، ص 253.
[2]. سورة القيامة، الآية 2.
[3]. المعروف بين المفسّرين: أنّ «لا» زائدة وللتأكيد، والجدير بالملاحظة أنّه وردت تفسيرات مختلفة «للنفس اللّوامة»، فبعض قال: أنّها إشارةٌ للكفّار و العاصين الذين يلومون أنفسهم في يوم القيامة، وبعض أشاروا إليهم في هذه الدنيا، أنّهم يستحقون الملامة في الدنيا قبل الآخرة، ولكنّ المعنى: «الوجدان أو الضمير المستيقظ»، أنسب من الجميع، و قَسَمٌ القرآن بهاٌ دليلٌ على أفضليّتها على باقي الامور.
تخلّفوا في غزوة تَبوك، و أمر الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، الناس بمقاطعتهم في كلّ شيءٍ، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فعاقبوا أنفسهم على فعلتهم، و إنشغلوا بالتّوبة، و إنعزلوا عن الناس بالكامل، وبعد مدّة تاب اللَّه تعالى عليهم، ونزلت الآية الكريمة: «وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَامَلْجَأَ مِنْ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ»[1].
فجملة: «وضاقت عليهم أنفسهم»، ربّما تكون إشارةً إلى مسألة: «معاقبة النّفس»، بالعزلة التي إختاروها لأنفسهم، فقبلها الباري تعالى منهم، وَ ورد في شأن النّزول للآية (102) من سورة التوبة: «وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ».
فهي تشير إلى قصة: «أبو لُبابة الأنصاري»، و هو أحد أصحاب النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله، ولكنّه تهاوَن عن نَصرة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، في غزوة تَبوك، و بعدها ندم أشدّ الندم، فأراد أن يُكفّر عن فِعلته، فذهب إلى مسجد النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله، وربط نفسه إلى أحد أعمدته، وأقسم أنّ لا يطلق نفسه إلّابموافقة اللَّه و رسوله، أو يتوب اللَّه تعالى عليه، فبقي على هذه الصورة حتى تاب اللَّه تعالى عليه، ونزلت الآية، وصرّحت بقبول اللَّه تعالى لِتوبته.
و من الواضح، أنّ أبا لُبابة كان قد تحرك من موقع مُحاسبة النفس، و مُعاقبتها على فِعلتها، و هو دليلٌ على أنّ السّير و السّلوك إلى اللَّه تعالى، كان موجوداً على عهد الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله.
وأمّا جملة: «خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئَاً»، فهي أيضاً ربّما تكون إشارةً لذلك المعنى أيضاً، و أَتحفتنا الرّوايات أيضاً، وأرشدتنا إلى موضوع بحثنا، ومنها:
1-ما ورد عن علي عليه السلام، أنّ قال في أوصاف المتّقين، في نهج البلاغة:
«إِن اسْتَصْعَبَتْ عَلَيهِ نَفْسُهُ في ما تَكْرَهُ لَمْ يُعْطِها سُؤلَها فِي ما تُحِبُّ»[2].
و المقصود منه، أن يمنع نفسه في حالة جموحها، من النوم و الرّاحة و الأكل و الشّرب،
[1]. سورة التوبة، الآية 118.
[2]. نهج البلاغة، الخطبة 193.
لتتأدّب و لتنصاع إليه.
2-ما ورد في غُرر الحِكَم، عن ذلك الإمام عليه السلام الهمام، أنّه قال:«إِذا صَعُبَتْ عَلَيكَ نَفْسُكَ فاصْعَبْ لَها تَذِلُّ لَك».
3-و عنه عليه السلام:«مَنْ ذَمَّ نَفْسَهُ أَصلَحَها، وَمَنْ مَدحَ نَفْسَهُ ذَبَحها»[1]
4-و عنه عليه السلام، قال:«دَواءُ النَّفْسِ الصَّومُ عَنِ الهوى وَالحَمِيةُ عَنْ لَذّاتِ الدُّنيا»[2].
و يحدّثنا التأريخ عن نماذجٍ كثيرةٍ من أصحاب النبي الأكرم صلى الله عليه و آله، و العلماء الكبار، و المؤمنين المخُلصين، الذين إذا مسّهم إغواء الشّيطان، و إرتكبوا بعض الذنوب، كانوا يسارعون في وضع أنفسهم تحت طائلة العقاب، لئلّا يتكرّر هذا العمل منهم مرّةً اخرى في المستقبل، و منها:
1-ورد أنّ أحد أصحاب النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله، و إسمه «ثَعلبة»[3]، كان من الأنصار، و كان يُؤاخي «سعيد بن عبدالرحمن»، و هو من المهاجرين، و صاحَبَ سعيدٌ الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله في إحدى غزواته، و خَلّف ثعلبة في المدينة، مُعتمداً عليه في حلّ مشاكل بيته و عائلته، و ما يحتاجونه من باقي الامور المعيشيّة، و في يوم ما، إحتاجت امرأة «سعيد» إلى شيءٍ، فوقفت خلف الباب، تتحدّث مع ثعلبة في ذلك الأمر، فوسوس له الشّيطان في ممارسة الإثم، فكشف عن حجابها، فرآها جميلةً جدّاً، فأراد أن يضمّها إلى صدره، ولكنّها نهرته قائلة له: ما تفعل يا ثعلبة، أمِنَ الحقِّ أن يكون أخوك في الجِهاد، و أنت تُريد بأهلِهِ السّوء؟!
إنتبه ثعلبةُ من نومه وغفلته، وأيقظه هذا النّداء من غيّه، فَصاحَ وفرّ على وجهه في البيداء باكياً، وهو يقول:«إِلَهِي أَنْتَ المُعرُوف بِالغُفرانِ وأَنا المَوصُوفُ بِالعِصيانِ»[4].
فبقي في الصحراء مدّةً طويلةً مُعاقباً نفسه، مَضيّقاً عليها لِما صدر منه، و في قصّةٍ طويلةٍ
[1]. غُرَر الحِكَم.
[2]. المصدر السابق، ح 5153.
[3]. ثعلبة كان إسماً لعدّة من أصحاب النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله، و ثَعلبةُ هذا، غير ثعلبة بن حاطِب الأنصاري، الذي إمتنع عن أداء الزكاة، فطرده الرّسول و المسلمون.
[4]. ذكرت هذه القصة في كتبٍ كثيرةٍ، منها خزينة الجواهر، ص 320، وكذلك في تفسير الفخر الرازي، في ذيل هذه الآية، بصورة ملخصة، ج 9، ص 9.
تحكي أنّه عاد بعدها إلى الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، وتاب على يده، فنزلت الآية أدناه لتوكيد قبول توبته، وهي الآية (135) من سورة آل عمران: «وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَآسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ آلذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ».
2-نقل عن حالات الفقيه الكبير، المرحوم آية اللَّه، البروجردي قدس سره، عندما كان يجلس للدرس مع طلابه، فربّما بَدَر منه أثناء النّقاش، أن يرفع صوته بالتّوبيخ لأحد طلّابه، ولم يكن ذلك منه إلّامن باب المحبّة، و علاقة الأب مع إبنه، فكان يندم مباشرةً و يعتذر، و ينذر للصوم في غَدِه ليُكفّر عن فعله، رغم أنّه لم يصدر منه ما يخالف الشّرع.
3-نقلُ أحد كِبار عُلماء الأخلاق، عن أحد الوعّاظ، أنّه عندما كان يصعد على المِنبَر للوعظ و الخطابة، و قبل الشّروع كان يُسلّم على الحسين عليه السلام، و لا يبدأ بكلامه حتى يسمع الجواب منه عليه السلام، هذه الحالة المعنوية، لم تحصل لديه إلّابعد حادثةٍ حدثت له مع أحد الوعّاظ، حيث قَرّر في يوم من الأيّام مع نفسه، يكسر مجلس ذلك الواعظ المعروف، بإيراده كلاماً أبلغ وأحلى من كلام ذلك الشّيخ، فتنبّه لِخَطئه، و أخذ على نفسه بعدم إرتقاء المنبر لمدّة (40) يوماً، عِقاباً لنفسه على فعلتها تلك، فالقي في قلبه ذلك النّور و تلك الحالة الإلهيّة.[1]
و زبدة الكلام، أنّه وللحصول على النتائج و المعطيات، المرجوّة من المراقبة و المحاسبة، أن يتحرك الشّخص في عملية التّزكية، من موقع معاقبة النفس عند زلَلِها و جُموحها عن الطريق، وإلّا فلا يمكن تَوخّي النّتائج المطلوبة في نطاق التّهذيب و التّزكية، و هذا لا يعني أننا نُمضي أعمال و فعال بعض الصّوفيين المنحرفين، كما أورد بعضها الغزالي في كتابه: «إحياء العلوم»، فما يفعلوه من أعمال خَشنةٍ مُتهوِّرة، و سلوكياتٍ شاذةٍ، في دائرة معاقبة النفس و جُبران تقصيرها، لا تَمُتّ إلى الدّين بصلةٍ، و قصدنا من المعاقبة، هي أعمالٌ مشروعةٌ في دائرة المفاهيم الإسلاميّة، كالصّوم، و مخالفة الهوى، و حرمان النفس من بعض لذّاتها المادية، التي لا تخدش في سماحة الدين ورأفته، بل هي من اسسه.
[1]. و كذلك قصّة علي بن يقطين، و إبراهيم الجمّال المعروفة.
و كما يقول المرحوم النّراقي، في «معراج السّعادة»:
إذا صدرت من الشّخص مخالفةٌ؛ ما فعليه تأديب نفسه و ترويضها، بالعبادات الثّقيلة مثلًا، أو بإنفاق الأموال التي يحبّها ويجمعها، أو يقوم يتجويع نفسه عند أكله لِلُقمة الحرام، أو يؤدب نفسه بالسّكوت، ويمدح الشّخص الذي يغتابه، أو يجبرها بذكر اللَّه تعالى، وإذا إستهان أو استصغر أحداً من الناس لفقره، فليكرمه بالمال الكثير، و كذلك الحال في بقيّة المعاصي، و الموبقات التي صدرت منه، ولكلٍّ بِحَسَبِه»[1].
الخطوة السّادسة: «النيّة» و «إخلاص النيّة»
تناول العلماء في بداية مباحثهم الأخلاقية، مسألة «النيّة» و «إخلاص النيّة»، و فرّقوا بينهما وقالوا: إنّ «النيّة» شيءٌ، و «إخلاصُ النيّة» شيءٌ آخر، لكنّهم لم يذكروا فروقاً واضحةً و مشخّصَةً، فأدخلوا إخلاص النيّة في مبحث النيّة، بحيث يصعب الّتمييز بينهما.
و لأجل التّفريق و الّتمييز بينهما، يمكن القول: إنّ المقصود من «النيّة»: هو العَزمُ و الإرادةُ الرّاسختين لفعلٍ ما، بقطع النّظر عن الدّافع الإلهي، أو المادي الذي يقف خلفها.
بالطّبع إذا أراد الإنسان أن يرى ثمرة عمله، في دائرة الواقع وحركة الحياة، فعليه أن يدخل إلى ساحة العمل و السّلوك، بإرادةٍ قويّةٍ، و عزمٍ راسخ، لا تُزلزِلهُ التّحديات، و لا تهزّه الصّعاب، سواءً في نطاق تحصيل العلم، أو في الزّراعة و التجارة و السّياسة.
و الخُلاصة: إنّ كلّ عملٍ إيجابي، نريد أن نصل به إلى النتائج المرجوّة، علينا في البداية، أن نتقدم نحو ميدان العمل و الممارسة، بقلبٍ ثابتٍ و إرادةٍ بعيدةٍ عن التّردد، و بالطبع فإنّ هذا الأمر لا يتمّ إلّابالتنظير له، في مرحلةٍ سابقةٍ، و دراسةِ كلّ جوانبه و الامور المحيطة به، من عوائد و نتائج إيجابيّة أو سلبيّة، و العقبات التي يمكن أن تقف بوجهه، و بعدها المُضي قُدُماً بخطى ثابتةٍ نحو الهدف، في خطّ العمل و التّطبيق.
[1]. معراج السعادة، الطّبعة الجديدة، ص 703، (مع شيءٍ من التّلخيص).
و لأجل السّير في طريق تهذيب الأخلاق و السلوك إلى اللَّه تعالى، نحتاج إلى نيّة جادّةٍ، و إرادةٍ حاسمةٍ، لأنّ ضعف الإرادة، يمثّل أكبر عائقٍ أمام تحقيق ما يطمح إليه الإنسان، في دائرة التّكامل الأخلاقي، فأيّ مانع يقف بوجهه، سُرعان ما يُولّي دُبُرَه و يعود أدراجَه، فالضّعف في عنصر الإرادة، بإمكانه أن يتَسرّب إلى سائر القوى الباطنيّة، و بالعكس، فإنّ القويُّ الإرادة، سيقوم بتوظيف قِواه، و ملكاته الداخليّة، و يدفعها بقوةٍ نحو الهدف المنشود.
و هذا هو الأمر، الذي عبّر عنه القرآن الكريم ب: «العزم»، و قد سُمّي الأنبياء العظام، لعزمهم القوي، و إرادتهم الحديديّة، ب الأنبياء أولو العزم)[1]
فخاطب القرآن الكريم، الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، قائلًا: «فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكّل عَلَى اللَّهِ»[2].
و بالنسبة لآدم عليه السلام، قال: «وَلَقَدْ عَهِدنا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً»[3]، حيث تناول من الشّجرة الممنوعة، ولم تكن لديه إرادةٌ قويةٌ في خطّ الطّاعة.
أمّا في دائرة الرّوايات الشّريفة، فنرى أنّها توّجهت إلى عنصر العزم، و أكّدت عليه من موقع الأهميّة. ومنها:
ما نقل عن الإمام موسى الكاظم عليه السلام، في أدعية رجب، نقرأ:«وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ أَفضَلَ زَادِ الرَّاحِلِ إِلَيكَ عَزْمُ إِرادَةٍ يَخْتارُكَ بِها وَ قَدْ ناجاكَ بِعَزمِ الإِرادَة قَلبي»[4].
و في حديث آخر عن الصّادق عليه السلام، قال:«إِنّما قَدَّرَ اللَّهُ عَوْنَ العِبادِ عَلى قَدْرِ نَيّاتِهِم، فَمَن صَحَّتْ نِيَّتَهُ تَمَّ عَوْنُ اللَّهِ لَهُ، وَ مَنْ قَصُرَتْ نِيَّتَهُ قَصُرَ عَنْهُ العَوْنَ بِقَدْرِ الَّذِي قَصَّرَهُ»[5].
و في حديثٍ آخر، عنه عليه السلام:«ما ضَعُفَ بَدَنٌ عَمّا قَوِيتْ عَلَيهِ النِّيَّةُ»[6].
فهذا الحديث، يبيّن لنا فاعليّة الإرادة، و دورها في الصّعود بالقوى الجسمانيّة، إلى أبعد الحدود والمراتب في حركة الإنسان.
[1]. ورد في مقاييس اللغة: أن العزم في الأصل بمعنى القطع، و الإرادة القاطعة اخذت منه.
[2]. سورة آل عمران، الآية 159.
[3]. سورة طه، الآية 115.
[4]. نقله المحدّث القمي في مفاتيحه، عن إبن طاووس رحمهما اللَّه تعالى، و هو في أعمال شهر رجب المُرجّب.
[5]. بحار الأنوار، ج 67، ص 211.
[6]. المصدر السابق، ص 205، ح 14.
و من المعاني الاخرى «لِلنيّة»، هو إختلاف الدّوافع، بالنّسبة لِلأعمال الّتي تكون على هيئةٍ واحدةٍ في الظّاهر، فالذّهاب للجهاد، يمكن أن يكون الباعث له هو كسب الغنائم، أو الإستعلاء على النّاس، أو يكون دافِعُهُ نصرة الحقّ، و دفع الظّلم، و إطفاء نار الفِتن، و أمثال ذلك.
فالذّهاب لِلحرب، واحدٌ في الشّكل و الظّاهر، ولكن شتّان بين النّوايا السّليمة، و بين النّوايا المغرضة.
و لأجل ذلك، أتت الأوامر بإصلاح النيّة، و تنقيتها من الشّوائب، قبل السّلوك في أيّ طريق، و ما السّالك في خطّ اللَّه، و الكمال المعنوي بِمُستثنى عن ذلك، فهل أنّ هدفه من سلوك سبيل التهذيب والرياضة، هو التّكامل المعنوي، و الوصال الحقيقي، أم أنّه يريد كسب عنصر القّوة في عالم النفس، و التّسلط على ما وراء الطّبيعة، ليشار إليه بِالبَنان؟!.
و ما وردنا من حديثٍ:«إِنّما الأَعمالُ بالنِّيَّاتِ»، هو إشارةٌ لهذا المعنى، وَ وَرد الحديث في موسوعة: بحار الأنوار، عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، فقال:«إِنّما الأَعمالُ بالنِّيَّاتِ و إنَّما لِكُلِّ امرِءٍ ما نَوى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَ مَنْ كانَتْ هِجرَتُهُ إِلى دُنيا يُصِيبَها أو إِمرَأَةٍ يَتَزَوَّجَها فَهِجْرَتُهُ إِلى ما هاجَرَ إِلَيهِ»[1].
و كذلك الحديث الوارد عن عليٍ عليه السلام، حيث يقول:«عَلى قَدْرِ النِّيَّةِ تَكُونُ مِنَ اللَّه عَطِيَّةٌ»[2].
فهو إشارةٌ إلى نفس المعنى الآنف الذكر.
و يُستفاد مما تقدم، أنّه ولأجل الوصول إلى المقاصد والأهداف المنشودة، في أيّ أمرٍ و عملٍ، و خصوصاً المصيريّة منها، علينا أن نتحرّك في دائرة العمل، بإرادةٍ قويّةٍ و عزمٍ راسخٍ، في مُواجهة التحدّيات الصّعبة، لتحقيق الأهداف المرسومة، و بدون ذلك، سيحل فينا عنصر اليأس والحيرة و الضّياع.
وكذلك هو حال السّائر في طريق تهذيب النّفس، و إصلاح الخَلل في واقعه الداخلي، عليه البِدء بإرادةٍ حديديّةٍ، و يدعمها بالتوكّل على الباري تعالى، في عمليّة السّلوك المعنوي، ويمكن
[1]. بحار الأنوار، ج 67، ص 211، وورد في هامشه، أن هذا الحديث متفق عليه عند جميع المسلمين، ثم يشير إلى كلام البخاري في صحيحه، في كتاب الإيمان، ص 23.
[2]. غُرر الحِكَم، ح 1594.