الإنسانية، بحيث يجذب الروح نحوه تدريجياً، و بالتّكرار سوف يتكرّس ذلك الفعل في باطن الإنسان، ويتحول إلى كيفيّةٍ تسمى:(بالعادة)، وإذا إستمرت تلك العادة تحوّلت إلى(مَلَكَةٍ).
وعلى هذا، وبما أنّ المَلَكات والعادات الأخلاقيّة السّيئة، تنشأ من تكرار العمل، فإنّه يمكن مُحاربتها بواسطة نفس الطّريقة، طبعاً لا يمكننا أن ننكر تأثير التّعليم الصّحيح والمحيط السّالم، في إيجاد المَلَكات الحَسنة، و الأخلاق الصّالحة، في واقع الإنسان وروحه.
و هناك«قولٌ ثالثٌ»،: و هو أنّ بعض الصّفات الأخلاقيّة قابلةٌ لِلتغير، وبعضها غير قابل، فالصّفات الطّبيعيّة و الفطريّة غير قابلةٍ لِلتغير، ولكنّ الصّفات التي تتأثّر بالعوامل الخارجيّة يمكن تغييرها[1].
وهذا القول لا دليل عليه، لأنّ التّفصيل بين هذهِ الصّفات، مدعاة لقبول مَقولة الأخلاق الفطريّة والطبيعيّة، والحال أنّه لم يثبت ذلك، وعلى فرض ثُبوته، فمن قال بأنّ الصّفات الفطريّة غير قابلةٍ لِلتغيّر والتّبدّل؟. ألم يتمكن الإنسان من تغيير طِباع الحيوانات البريّة؟.
ألا يمكن لِلتربية و التّعليم، أن تَتَجذّر في أعماق الإنسان وتغيّره؟.
الآيات و الرّوايات التي يستدل بها، على إمكانيّة تغيّر الأخلاق:
ما ذكرناه آنفاً كان على مستوى الأدلة العقليّة و التّأريخيّة، و عند رجوعنا للأدلة النّقلية، يعني ما وصل إلينا من مبدأ الوحي وأحاديث المعصومين عليهم السلام، سوف تتبيّن لنا المسألة من خلاله بصورةٍ أفضل لأنّه:
1-إنّ الهدف من بعث الأنبياء و الرّسل و إنزال الكتب السّماوية، إنّما هو لأجل تربية وهداية الإنسان، وهذا أقوى دليل على إمكان التربية، و ترشيد الفضائل الأخلاقيّة لدى جميع أفراد البشر، ويشير إلى هذا المعنى قوله تعالى:
«هُوَ الَّذي بَعَثَ فِي الْامِّيينَ رَسُولًا مِنْهُم يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ
[1]. أيّد هذه النظريّة المحقق النّراقي في كتابه جامع السعادات: ج 1، ص 24.
وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبْينٍ»[1].
وأمثالها من الآيات الكريمة التي تبيّن لنا أنّ الهدف من بعثة الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله: هوتعليم وتزكيةكل اولئك الذي كانوا في ضلالٍ مبينٍ.
2-كلّ الآيات التي توجّه الخطاب الإلهي إلى الإنسان، مثل:«يا بني آدم» و «يا أيّها النّاس» و «يا أيّها الإنسان» و «يا عبادي»، تشمل أوامر ونواهي تتعلق بتهذيب النّفوس، و إكتساب الفضائل الأخلاقيّة، و هي بدورها خير دليل على إمكانيّة تغيير «الأخلاق الرّذيلة»، و إصلاح الصّفات القبيحة في واقع الإنسان، وإلّا ففي غير هذه الصّورة تَنتفي عُموميّة هذه الخطابات الإلهيّة، فتصبح لغواً بدون فائدةٍ.
وقد يقال: إنّ هذهِ الآيات، غالباً ما تشتمل على الأحكام الشرعيّة، و هذه الأحكام تتعلق بالجوانب العمليّة و السلوكيّة في حياة الإنسان، بينما نجد أنّ الأخلاق ناظرةٌ للصفات الباطنيّة؟
ولكن يجب أن لا ننسى، أنّ العلاقة بين «الأخلاق» و «العمل»، هي: علاقة اللّازمِ و الَملزومِ لِلآخر، و بمنزلة العلّة والمعلول، فالأخلاق الحسنة تُعتبر مصدراً للأعمال الحسنة، والأخلاق الرذيلة مصدراً للأعمال القبيحة، وكذلك الحال في الأعمال، فإنّها من خلال التّكرار تتحول بالتّدريج، إلى ملكاتٍ و صفاتٍ أخلاقيّةٍ في واقع الإنسان الداخلي.
3-القول والإعتقاد بعدم إمكان التّغيير للأخلاق، مدعاة للقول و الإعتقاد بالجَبر؛ لأنّ مفهومها هو: أنّ صاحب الخُلق السّيء و الخُلق الحسن، ليسا بقادرين على تغيير أخلاقهم، وبما أنّ الأعمال و السّلوكيات تعتبر إنعكاساً للصفات والملكات الأخلاقيّة، ولِذا فمثل هؤلاء يتحرّكون في سلوكياتهم من موقع الجَبر، لكننا نرى أنّهم مكلّفين بفعل الخيرات وترك الخبائث، وعليه يترتب على هذا القول جميع المفاسد التي تترتب على مقولة الجبر[2].
4-الآيات الصّريحة التي ترغّب الإنسان في تهذيب أخلاقه، و تُحذّره من الرذائل، هي أيضاً دليلٌ محكمٌ على إمكانيّة تغير الصفات و الطّبائع الإنسانية، مثل قوله تعالى: «قَدْ أَفْلَحَ
[1]. سورة الجمعة: الآية 2، ويوجد نفس المعنى والمضمون في الآية 164 من سورة آل عمران.
[2]. انظر: اصول الكافي، ج 1 ص 155، وكشف المراد، بحث القضاء والقدر وما يترتب على ذلك من مفاسد المذهب الجَبري.
مَنْ زَكّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها»[1].
فالتّعبير بكلمة دَسّاها، والتي هي في الأصلِ بمعني: خلطُ الشيّءِ بشيءٍ آخر غير مرغوب فيه من غير جنسه، مثل«دسّ الحنطة بالتراب»، يبيّن لنا أنّ الطّبيعة الإنسانيّة مجبولةٌ على الصفاء و النّقاوة و التقوى، و التلويث، و الرذائل تعرض عليها من الخارج وتنفذ فيها، والإثنان قابلان للتّغير والتّبدل.
نقرأ في الآية (34) من سورة فُصّلت: «إِدْفَعْ بِالَّتي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذا الَّذي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمْيمٌ».
تُبيّن لنا هذهِ الآية أنّ العداوات المتأصّلة و المتجذّرة في الإنسان: بالمحبّة والسّلوك السليم، يمكن أن تتغير وتتبدل إلى صداقةٍ حميمةٍ بالتّحرك في طريق المحبّة و السّلوكيات السليمة، ولو كانت الأخلاق غير قابلةٍ للتغير، لما أمكن الأمر بذلك.
ونجد في هذا المجال أحاديث إسلامية، تؤكّد هذا المعنى أيضاً، من قبيل الأحاديث التالية:
1-الحديث المعروف الذي يقول:«إنّما بُعثتُ لُاتمم مكارم الاخلاق»[2]هو دليل ساطعٌ على إمكانيّة تغيير الصّفات الأخلاقيّة.
2-الأحاديث الكثيرة التي تحث الإنسان على حسن الخُلق، كالحديث النّبوي الشريف الآتي:«لَو يَعلَمُ العَبدُ ما فِي حُسنِ الخُلقِ لَعَلِمَ أَنّهُ يَحتاجُ أن يكونَ لَهُ خُلقٌ حسنٌ»[3].
3-و كذلك الحديث النبوي الشريف الآخر حيث يقول:
«الخُلقُ الحسنُ نِصفُ الدِّينِ»[4].
4-نقرأ في حديثٍ عن أمير المؤمنين عليه السلام:«الخُلقُ الَمحمُودُ مِن ثِمارِ العَقلِ وَالخُلقُ المَذمُومُ مِن ثِمارِ الجُهلِ»[5].
[1]. سورة الشّمس، الآية 9 و 10.
[2]. سفينة البحار (مادة خلق).
[3]. بحار الأنوار، ج 10، ص 369.
[4]. بحار الأنوار، ج 71، ص 385.
[5]. غرر الحكم، 1280- 1281.
وبما أنّ كلًا من «العلم» و «الجهلَ» قابلان للتغيير؛ فتتبعها الأخلاق في ذلك أيضاً.
5-وفي حديثٍ آخر، جاء عن الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله:
«إنّ العَبدَ لَيَبلُغُ بِحُسنِ خُلقِهِ عَظيمَ دَرجاتِ الآخِرَةِ وَشَرفِ المَنازِلِ وَأَنّهُ لَضَعِيفُ العِبادةِ»[1].
حيث نجد في هذا الحديث، مقارنةً بين حُسن الأخلاق والعبادة، هذاأولًا.
وثانياً:إنّ الدرجات العُلى في الآخرة تتعلق بالأعمال الإختياريّة.
وثالثاً:التّرغيب لكسب الأخلاق الحسنة، كلّ ذلك يدلّ على أنّ الأخلاق أمرٌ إكتسابي، و غير خارجة عن عنصر الإرادة في الإنسان.
مثيل هذهِ الرّوايات والمعاني القَيّمة كثيرٌ، في مضامين أحاديث أهل البيت عليهم السلام، وهي إن دلّت على شيءٍ فإنّها تدلّ على إمكانِيَّة تغيّر الأخلاق، وإلّا فستكون لغواً وبلا فائدةٍ[2].
6-وفي حديث آخر ورد عن الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، نقرأ فيه أنّه قال لأحد أصحابه و أُسمه جرير بن عبداللَّه:«إنّك امرُءٌ قَد أحسنَ اللَّهُ خَلقَكَ فأَحسِنْ خُلْقَك»[3].
وخلاصة القول أنّ رواياتنا مليئةٌ بهذا المضمون، حيث تدلّ جميعها على أنّ الإنسان قادر على تغيير أخلاقه[4].
ونختم هذا البحث بحديثٍ عن الإمام علي عليه السلام، يحثّنا فيه على حُسن الخلق، حيث قال عليه السلام:
«الكَرَمُ حُسنُ السّجيةِ وَ إجتنابِ الدَّنِيّةِ»[5].
[1]. المحجّة البيضاء، ج 5، ص 93.
[2]. أُصول الكافي، ج 2 في باب حسن الخلق ص 99، نقل رحمه اللَّه: 18 رواية حول هذا الموضوع.
[3]. سفينة البحار مادة خلق.
[4]. راجع أصول الكافي، ج 2؛ وروضة الكافي؛ ميزان الحكمة، ج 3؛ سفينة النجاة، ج 1.
[5]. غُرر الحِكم.
أدلّة مُؤيّدي نظرية ثبات الأخلاق، و عَدم تغيّرها:
وفي مقابل ما ذكرناه آنفاً، إستدلّ البعض برواياتٍ يظهر منها أنّ الأخلاق غير قابلةٍ للتغيير، ومنها:
1-الحديث المعروف الوارد عن الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، حيث قال:
«النّاسُ مَعادِنٌ كَمَعادِنِ الذَّهبِ وَالفِضَّةِ، خِيارُهُم فِي الجَاهِليّةِ خِيارُهُم فِي الإسلامِ».
2-الحديث الآخر الوارد أيضاً عن الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله:
«إذا سَمِعتُم أَنَّ جَبَلًا زالَ عَن مَكانِهِ فَصدِّقُوهُ، وَإذا سَمِعتُم بِرَجُلٍ زَالَ عَن خُلقِهِ فَلا تُصَدِّقُوهُ! فإنَّهُ سَيعُودُ إلى ما جُبِلَ عَلَيهِ»[1].
الجواب:
إنّ تفسير مثل هذهِ الروايات، و بالنّظر للأدلة السّابقة، و الروايات التي تصرّح بإمكانية تغير الأخلاق، ليس بالأمر العسير، لأنّ النّقطة المهمّة والمقبولة في المسألة، أنّ نفوس الناس بالطبع متفاوتة، فبعضها من ذَهبٍ و البعض الآخر من فضّةٍ، ولكنّ هذا لا يدلّ على عدم إمكانية تغيير هذه النفوس والطبائع.
وبعبارةٍ اخرى: إنّ مثل هذهِ الصّفات النّفسية في حدّ المقتضي: ليس علّةً تامّةً، ولذلك رأينا وبالتجربة أشخاصاً تغيّرت أخلاقهم بالكامل، ويعود الفضل في ذلك للتربية والتعليم.
و علاوةً على ذلك، إنّنا إذا أردنا أن نعمّم الحكم، في الحديث الشّريف، على جميع النّاس، فهذا يعني أنّهم كلّهم ذَووا خُلقٍ حَسنٍ. فبعضهم حسنٌ و البعض الآخر أحسَن، (كما هو الحال في الذّهب و الفضّة). و عليه فَلَن يبقى مكانٌ للأخلاق السّيئة في طبع الإنسان. (فتأمّل).
و بالنّسبة للحديث الثاني، نرى أنّ المسألة أيضاً هي من باب المُقتضي، و ليس علّةً تامّةً، أو بعبارة اخرى: إنّ الحديث ناظرٌ لأغلبية الناس، وليس جميعهم، وإلّا لخالف مضمون الحديث، صريح التّأريخ، الذي حكى لنا قَصصاً حقيقيّةً عن أفرادٍ إستطاعوا تغيير أنفسهم
[1]. جامع السّعادات، ج 1، ص 24.
وبقوا على ذلك حتّى الممات.
ولخالف أيضاً التّجارب اليوميّة، التي رأينا فيها الكثير من الأشخاص الفاسدين، غيّروا طريقة حياتهم بسبب التّعليم و التربية، و إستمروا يسيرون في خطّ الهداية و الصّلاح حتى الممات.
و خُلاصة القول:أنّه وفي نفس الوقت الذي تختلف فيه سَجايا النّاس، لا يوجد أحد مجبور على الرّذائل و الأخلاق السّيئة، وكذلك الحال بالنسبة للأخلاق الحسنة، فذَوُوا السّجايا الطيّبة إذا ما إتّبعوا هواهم، سيسقطون إلى الحضيض، وذَووا السّجايا الخبيثة، قادرون على بناء أنفسهم و ذاتهم، من موقع التّهذيب و التزكية، و الوصول إلى أعلى درجات الكمال الرّوحي.
ويجب التّنويه إلى أنّ بعض الأفراد الفاسدين والمفسدين، ولأجل توجيه أعمالهم المخالفة للطريق السّليم، يتذرّعون بحججٍ واهيةٍ من هذا القبيل؛ و أنّ اللَّه تعالى قد جَبَلنا على ذلك الخُلق السّيء. وإن شاء أن يُغيّرنا لفعل؟! ....
وعلى كلّ حال، فإن الإعتقاد بعدم إمكانيّة تغيير الأخلاق، ليس له نتيجةٌ إلّاالوقوع في وادي الإعتقاد بالَجبر، ورفض ما دعا إليه الأنبياء، و القول بأنّ سعي علماء الأخلاق و أطّباء النفس في إصلاح النفوس، هو سعيٌ غير مثمر، ويترتب على ذلك بالتّالي فساد المجتمعات البشرية.
6- المَسار التّأريخي لِعلم الأخلاق
نختم البحث أعلاه، بشرح مقتضب للمسار التأريخي لعلم الأخلاق:
فمما لا شك فيه أنّ الأبحاث الأخلاقية، ولدت مع أوّل قدم وضعها الإنسان على الأرض، لأن النّبي آدم عليه السلام لمُ يعلّم أبناءه الأخلاق فقط، بل إنّ البّاري تعالى، عندما خلقه وأسكنه الجنّة، أفهمه المسائل الأخلاقيّة و الأوامر و النّواهي، في دائرة السّلوك الأخلاقي مع الآخرين.
وآتخذ سائر الأنبياء عليهم السلام طريق تهذيب النّفوس والأخلاق، و التي تكمَن فيها سعادة
الإنسان، حتى وصل الأمر إلى السيّد المسيح عليه السلام، حيث كان القسم الأعظم من تعاليمه، هو أبحاثٌ أخلاقيّةٌ، فَنَعَته حواريّوه و أصحابه بالمعلِّم الأكبر للأخلاق.
ولكن أعظم مُعلِّمي الأخلاق، هو: رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، لأنّه رفع شعار:«إنّما بُعثت لُاتمّم مكارَم الأخلاق».
وقال عنه الباري تعالى: «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ»[1].
ويوجد قديماً بعض الفَلاسفة، مَنْ لُقّب بمعلّم الأخلاق، مثل:إفلاطون، و أرسطو، و سُقراط،و جَمعٌ آخر من فَلاسفة اليونان.
و على كلّ حال، فإنّه وبعد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، فإنّ الأئمّة عليهم السلام هم أكبر معلّمي الأخلاق، و ذلك بشهادة الأحاديث التي نُقلت عنهم، حيث ربّوا أشخاصاً بارزين يمكن أن يعتبر كلّ واحد منهم مُعلِّماً لعصرهِ.
فحياة المعصومين عليهم السلام و أتباعهم، هي خيرُ دليلٍ على سُمّو نفوسهم، و رفعة أخلاقهم، في حركة الواقع.
ويبقى السّؤال في أنّه متى تأسّس علم الأخلاق في الإسلام، ومن هم مشاهيره؟. و هذا البحث مذكورٌ بالتّفصيل في الكتاب القيّم:تأسيس الشّيعة لعلوم الإسلام، بقلم آية اللَّه الشّهيد الصّدر قدس سره. ولا بأس بالإشارة إلى بعض ما جاء فيه، حيث قسّم السيد الصدر الموضوع إلى ثلاثة أقسام:
أ-يقول إنّ أوّل من أسّس علم الأخلاق، هو الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، (وذلك من خلال الرّسالة التي كتبها لإبنه الإمام الحسن عليه السلام) بَعد رجوعه من صفّين، حيث بيّن الاسس الأخلاقيّة، و تطرق للمَلكات الفاضلة و الصّفات الرذيلة، و حلّلها بأحسن وجهٍ[2].
و نقل هذهِ الرّسالة، بالإضافة إلى السيّد الرّضي في نهج البلاغة، الكثير من علماء الشّيعة أيضاً.
ونقلها كذلك بعض علماء أهل السُنّة، مثل:أبو أحمد بن عبداللَّه العسكري، في كتابه
[1]. سورة القلم، الآية 4.
[2]. رسالة الامام السّجاد عليه السلام الحقوقية، و دعاء مكارم الأخلاق، و كثير من الأدعية و المناجاة في طليعة الآثار الأخلاقية الإسلامية المعروفة، بحيث لا يوازيها أثر ولا يصل إلى مقامها شيء.
الزّواجر والمواعظ، حيث أوردها كلّها وقال:
(لو كانَ مِنَ الحِكمةِ ما يجب أن يُكتبَ بالذّهبِ لكانتْ هذِهِ).
ب-أوّل من كتب كتاباً في دائرة (علم الأخلاق)، هو:إسماعيل بن مهران أبو النصر السكوني،وهو من علماء القرن الثاني، و أسماه:المؤمن والفاجر،(و هو أوّل كتاب أخلاقي عُرف في الإسلام).
ج-بعدها يذكر بعض من أسماء أكابر العلماء في هذا المجال، (وإن كانوا لم يألفّوا كُتباً فيها) مثل:
«سلمان الفارسي»، حيث قال في حقّه الإمام علي عليه السلام:
«سَلمانُ الفارسِي مِثلُ لُقمانِ الحَكيمِ، عَلِمَ عِلمَ الأوّلِ والآخرِ، بحرٌ لا يُنزفُ، وهو مِنّا أهلَ البيتِ»[1].
2- «أبوذَرْ الغَفاري»، و الذي بقيَ طويلًا يُروّج للأخلاق الإسلاميّة، و هو الّنموذج الحيّ لها، والمشاحنات التي كانت بينه وبين الخليفة الثّالث «عَثمان»، و «معاوية»، في المسائل الأخلاقيّة معروفةٌ لدى الجميع، حيث أودت بحياته، ومات في سبيل ذلك الطّريق القويم.
3- «عَمّار بن ياسِر»، و قد ذكر أمير المؤمنين عليه السلام في حقّه و حقّ إخوانه و أصحابه المخلصين، يبيّن منزلتهم الأخلاقية السّامية، فقال:«أينَ إِخواني الّذين رَكِبُوا الطَّريقَ وَمَضوا عَلَى الحَقِّ، أينَ عَمّارُ ... ثُمَّ ضَربَ يَدَهُ عَلَى لِحيَتِهِ الشَّريفَةِ الكَريمَةِ فأطالَ البُكاءَ، ثُمَّ قَالَ:
اوَّهْ عَلى إِخواني الَّذِينَ تَلَوا القُرآنَ فأحكَمُوهُ، وَتَدّبَرُوا الفَرضَ فأقامُوهُ، أَحْيَوا السُّنّةَ وأماتُوا البِدعَةَ»[2].
4- «نوف البكّالي»، كان مثال الزّهد و العبادة و حُسن الأخلاق، و توفّي بعد السّنة (90) للهجرة.
5- «محمد بن أبي بكر»،كان من خُلّص أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، ويحذو حَذو الإمام
[1]. بحار الأنوار، ج 222، ص 391.
[2]. نهج البلاغة، خطبه 182.