بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 235

الإخلاص في الرّوايات الإسلاميّة:

و أتحفتنا الروايات بزخم كبير من المفاهيم، التي تدور حول محور الإخلاص، و نشير إلى بعضٍ منها:

1-ما جاءنا عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، أنّه قال:«ثَلاثٌ لايَغُلُّ عَلَيهِنَّ، قَلْبُ رَجُلٍ مُسْلِمٍ، إِخلاصُ العَمَلِ للَّهِ عَزَّوَجَلَّ، وَ النَّصِيحَةِ لِأئِمَّةِ المُسْلِمِينَ، و اللُّزُومَ لِجَماعَتِهِم»[1].

2-ما ورد عنه صلى الله عليه و آله، في حديثٍ آخر:«الإِخلاصُ سِرٌّ مِنْ أَسرارِي اسْتَودِعَهُ قَلْبَ مَنْ أَحَبَبْتُهُ مِنْ عِبادِي»[2].

3-قال الإمام علي عليه السلام:«الإِخلاصُ أَشرَفُ نِهايَةٍ»[3].

4-في حديث آخر عنه عليه السلام، قال:«الإِخلاصُ أَعلَى‌ الإِيمانِ»[4].

5-وعنه عليه السلام:«فِي إِخلاصِ الأَعمالِ تَنافَسَ اولُوا النُّهى وَالألبابِ»[5].

6-ما ورد في أهميّة الاخلاص بحيث أنّ الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، قسّم المؤمنين وِفق درجات إخلاصهم، فقال:«بِالإِخلاصِ تَتَفاضَلُ مَراتِبُ المُؤمِنِينَ»[6].

7-و في بيان أنّ آخر مرحلةٍ من مراحل اليّقين، هو الإخلاص، قال الإمام علي عليه السلام:«غايَةُ اليَقِينِ الإِخلاصُ»[7].

8-ما ورد من معطيات الاخلاص على مستوى العمل، لدرجة أنّ قليلًا منه يكفي للنّجاة، قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله:«أَخْلِصَ قَلْبَكَ يَكْفَيكَ القَلِيلَ مِنَ العَمَلِ»[8].

9-وقال علي عليه السلام:«الإِخلاصُ عِبادَةُ المُقَرِّبِينَ»[9].

10-و نختم هذه الأحاديث، بحديث عن أمير المؤمنين عليه السلام، أنّه قال عليه السلام:«طُوبى‌ لِمَنْ‌

[1]. المحجّة البيضاء، ج 8، ص 125- وأورد الحديث بالكامل: الصدوق في، خصاله، باب الثلاثة، ص 167.

[2]. المحجّة البيضاء، ج 8، ص 125.

[3]. تصنيف الغرر، ص 197، الرقم (3894).

[4]. غرر الحكم، ج 1، ص 30.

[5]. المصدر السّابق، ج 1، ص 513.

[6]. ميزان الحكمة، مادة خلص، ج 1، ص 754.

[7]. غُرر الحِكم، ج 2، ص 503.

[8]. بحار الأنوار، 70، ص 175، ذيل الحديث 15.

[9]. غرر الحِكم، ج 1، ص 25 (الرقم 718).


صفحه 236

أَخْلَصَ للَّهِ العِبادَةَ وَالدُّعاءِ، وَلَمْ يَشْغَلْ قَلْبَهُ بِما تَرى‌ عَيناهُ، وَلَمْ يَنْسَ ذِكْرَ اللَّهِ بِما تَسْمَعُ اذُناهُ وَلَمْ يَحْزَنْ صَدْرُهُ بِما اعطِي غَيْرَهُ»[1].

حقيقة الإخلاص:

يقول المرحوم الفيض الكاشاني، في المحجّة البيضاء حول هذا الموضوع: «إعلم أنّ كلّ شي‌ء يتصور أن يشوبه غيره، فإذا صفا عن شوبه، و خلص عنه سمّي خالصاً وسُمّي الفعل المصفّى، المخلص إخلاصاً، قال اللَّه تعالى: «وَإِنَّ لَكُمْ في الأَنعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِما فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ»[2]، فإنّما خلوص اللّبن، أن لا يكون فيه شوب من الدم و الفرث، و من كلّ ما يمكن أن يتمزج به والاخلاص، يضادّه الإشراك، فمن لا يكون مخلصاً فهو مشرك، إلّاأنّ للشّرك درجاتٍ، و الإخلاص في التوحيد يضادّه الشرك في الإلهيّة، و الشّرك منه خفي ومنه جلّي وكذلك الإخلاص»[3].

و كذلك ما ورد من تعبيرات لطيفةٍ في الرّوايات، تبيّن الإخلاص الحقيقي والمخلصين الحقيقيين، منها:

1-الحديث الوارد عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، أنّه قال:«إِنَّ لِكُلِّ حَقٍّ حَقِيقَةً، وَما بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الإِخلاصِ، حَتّى‌ لا يُحِبَّ أَنْ يُحْمَدَ عَلَى‌ شَي‌ءٍ مِنْ عَمَلٍ للَّهِ»[4].

2-نقل عنه صلى الله عليه و آله:«أَمّا عَلامَةُ الُمخْلِصِ فَأَربَعَةٌ، يُسْلمُ قَلْبَهُ وَتُسلمُ جَوارِحُهُ، وَبَذَلَ خَيْرَهُ وَكَفَّ شَرَّهُ»[5].

3-في حديث آخر عن الإمام الباقر عليه السلام، أنّه قال:«لا يَكُونُ العَبْدُ عابِداً للَّهِ حَقَّ عِبادَتِهِ‌

[1]. اصول الكافي، ص 16.

[2]. سورة النّحل، الآية 66.

[3]. المحجّة البيضاء، ج 8، ص 128.

[4]. بحار الأنوار، ج 69، ص 304.

[5]. تُحف العقول، ص 16.


صفحه 237

حَتّى‌ يَنْقَطِعَ عَنِ الخَلْقِ كُلُّهُ إِلَيهِ، فَحِينَئِذٍ يَقُولُ هذا خالِصٌ لِي فَيَتَقَبِّلَهُ بِكَرَمِهِ»[1].

4-و أخيراً يقول الإمام الصادق عليه السلام:«ما أَنْعَمَ اللَّهُ عَزَّوَجَلَّ عَلَى عَبْدٍ أَجَلَّ مِنْ أَنْ لا يَكُونَ فِي قَلْبِهِ مَعَ اللَّهِ غَيْرُهُ»[2].

الآن بعدما عرفنا أهميّة الإخلاص، ودوره العميق في سلوك طريق الحّق و القرب من اللَّه، و السّير في حركة الإنسان في خط الإيمان والتوحيد، يبقى هنا سؤال يفرض علينا نفسه، وهو كيف يمكننا تحصيل الأخلاص؟

لا شك أنّ الإخلاص في النيّة، هو وليد الإيمان واليقين العميق بالمعارف الإلهيّة، و كلمّا كان الإنسان متيقناً على مستوى التّوحيد الأفعالي، وأنّ كلّ شي‌ء في عالم الوجود يبدأ من اللَّه تعالى ويعود إليه، وهو المؤثر الأول وعلّة العلل وأنّ الاسباب و العِلل الجليّة والخفيّة خاضعة لأمره وتدبيره، فحينئذٍ يكون سلوك هذا الإنسان مُنسجماً مع هذه العقيدة، بالمستوى الذي يكون فيه عمله في غاية الخُلوص، لأنّه لا يرى مُؤثّراً في الوجود غير اللَّه، يثير في نفسه الدّوافع المضادّة للإخلاص، و الحركة في غير طريق التّوحيد.

و عكست الرّوايات هذه الحقيقة، فقال الإمام علي عليه السلام:«الإخلاصُ ثَمَرَةُ اليَقِينِ»[3].

و عنه عليه السلام:«ثَمَرَةُ العِلْمِ إِخلاصُ العَملِ»[4].

وأخيراً تناول الإمام علي عليه السلام المسألة بشي‌ءٍ من التفصيل، فقال:«أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ، وَ كَمالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصدِيقُ بهِ، وَكَمالُ التَّصدِيقِ بِهِ، تَوحِيدُهُ، وَكَمالُ تِوحِيدهِ الإِخلاصُ لَهُ»[5].

موانع الإخلاص:

أشار علماء الأخلاق الأفاضل إلى هذه المسألة إشارات دقيقة وواضحة، فقال البَعض، إنّ‌

[1]. مستدرك الوسائل، ج 1، ص 101.

[2]. المصدر السابق.

[3]. غُرر الحِكم، ج 1، ص 30 (الرقم 903).

[4]. المصدر السابق، ص 17، (الرقم 444).

[5]. نهج البلاغة، الخطبة 1.


صفحه 238

موانع الإخلاص وآفاته على نحوين: جليّةٌ، و خفيّةٌ. فبعضها خطر جداً، و البعض الآخر أضعف، و الشّيطان و النّفس الأمّارة، يسعيان لتكدير صفاء القلب، و تلويثه بالرّياء، بالمستوى الذي يحوّل الإنسان إلى كيان مهزوزٍ، أمام حالات الخطر، و يشلّ فيه إرادة المُواجهة.

فَبعضٌ من مراحل الرّياء واضحةٌ للعيان، بحيث يمكن لكلّ فرد التّوجه إليها، مثلما يأمر الشّيطان المصلي بالتوءدة بصلاته، كي يراه الناس ويقولوا هذا إنسانٌ مؤمنٌ، فلا يتحرّكون من موقع الغِيبة له و الوَقيعة فيه.

فهذه من حيل الشّيطان الجليّة.

و يمكن أن تكون وساوس الشيطان بصورةٍ أخفى‌، حيث تتلبّس بلباس الطّاعة، فمثلًا، يلقي في نفسك: أنّك إنسانٌ معروفٌ، و النّاس تشير إليك بالبَنان، و يجب أن تكون طاعتك وعبادتك على أتمّ الصّحة، لكي يقتدي بك الناس في أعمالهم، وستكون شريكاً معهم في ثوابهم، فَهنا ستستسلم لأحابيل الرّياء من دون أن تشعر.

أو تكون الخُدع والحيل أشدّ وأقوى وأخفى‌، فمثلًا يقول للمصلّي إنّ العبادة في السرّ يجب أن تكون مثلها في العلانية، والذي تكون عبادته في السّر، أدنى مستوى من العلانية، يعتبر من المرائين، و بهذه الصّورة يدفعه ليحسن صلاته وينمّق عبادته في الخفاء، ليكون كذلك في صلاته أمام الناس، و هذا نوعٌ من الرّياء الخَفي، و يمكن أن يغفل عنه الكثيرون، وكذلك المراحل الأخفى‌ والأشد[1].

نعم فإنّ آفات الإخلاص كثيرةٌ، و لا يستطيع أيّ إنسانٍ العبور منها، إلّابتوفيق ربّاني، و لطفٍ إلهي.

و نجد هذا المعنى كذلك في الرّوايات الإسلاميّة، حيث أتحفتنا بما يلزم، للتنبيه على آفات الإخلاص ومنها:

[1]. المحجّة البيضاء، ج 8، ص 133.


صفحه 239

ما ورد عن أميرالمؤمنين عليه السلام، حيث قال:«كَيفَ يَستَطِيعُ الإخلاصُ مَنْ يَغْلِبَهُ الهوى‌»[1].

و في الواقع فإنّ ما ذُكر في الحديثٍ، آنفاً، هو أهم وأقوى آفات الإخلاص، نعم فإنّ هوى النفس، يكدّر عين الإخلاص و يُظلِمُها.

و عنه عليه السلام، قال:«قَلِّلِ الآمالَ تَخْلُصُ لَكَ الأعمالُ»[2].

و الجدير بالذّكر، أنّ الوساوس يمكن أن تأتي بشكلٍ آخر، فتقول للمُصلي لا تذهب لِصلاة الجماعة، لأنّ نيّتك يمكن أن تتلّوث بالرّياء أمام الناس، وعليك بإقامة الصّلاة في بيتك، لكي تعيش أجواء الإخلاص في خطّ العبادة و الصلاة، و تتخلص من براثن الرّياء!!.

أو يدعوه لترك المستحبات لنفس السّبب، لِيحرمه من ثوابها.

ولعل هذا هو السّبب في دعوة القرآن الكريم، للإنفاق بالسرّ و العَلانية: «الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ»[3].

و نختم بحثنا بملاحظةٍ مُهمّةٍ، ألا و هيَ، أنّ الإخلاص في السرّ، ليس بتلك الدرجة من الصّعوبة والأهميّة، بل المهم هو أن يعيش الإنسان، حالة الإخلاص في العلانية، و أمام مرأى‌ و مسمعٍ من الناس.

معطيات الإخلاص:

بما أنّ حالة الإخلاص، تُمثّل أغلى جوهرةٍ تُحفظ في خزانة الرّوح، و ما يترتّب على هذه الحالة من معطيات إيجابيةٍ مهمّةٍ، فقد أوردت الرّوايات تلك المسألة، بصورةٍ بليغةٍ جميلةٍ، و منها:«ما أَخْلَصَ عَبْدٌ للَّهِ عَزَّوَعَلَّ أَربَعِينَ صَباحاً إلّاجَرَتْ يَنابِيعُ الحِكْمَةُ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى‌ لِسانِهِ»[4].

[1]. غررالحكم ج 2 ص 553 الرقم 4.

[2]. المصدر السابق ح 2906.

[3]. سوره البقره الايه 274.

[4]. عُيون أخبار الرضا، ج 1، ص 69، بحار الأنوار، ج 67، ص 342.


صفحه 240

و في حديثٍ آخر عن أميرالمؤمنين عليه السلام، أنّه قال:«عِنْدَ تَحققُ الإخلاصُ تَسْتَنِيرُ البَصائِرُ»[1].

وَ وَرد عنه عليه السلام أيضاً:«فِي إخلاصِ النيّاتِ نَجاحُ الامورِ»[2].

و يتّضح من ملاحظة هذا الحديث، أنّ‌النيّة كلّما أخلصت، كان الإهتمام بِباطن الأعمال أقوى، أو بتعيبرٍ أدق: إنّ الجَودة و الدّقة على مستوى السّلوك و العمل، ستكون في ذَروتها، ونجاح العمل سيكون مضموناً، و العَكس صحيحٌ، فإذا كان الهدف يتركز على معالم الظاهر فقط، دون أن يولّي أهميّةً للمحتوى، فسيكون مصير العمل إلى الفَشل و الخَيبة.

و لذلك قال أمير المؤمنين عليه السلام:«لَو خَلُصَتِ النِّيَّاتُ لَزَكَّتِ الأَعمالُ»[3].

الرّياء:

النقطة المقابلة للإخلاص هي: «الرّياء»، و قد ورد ذمّه بكثرةٍ في الآيات و الروايات الشريفة، التي نهرت النّاس من هذا العمل المُشين، و إعتبرته من أوضح مصاديق الشّرك الخفي، و علّة بطلان الأعمال، و علامة من علامات النّفاق.

و نجد فيها أنّ الرّياء يهدم الفضائل، و يزرع بذور الرّذائل في روح الإنسان، وُ يشغله عن الهدف الأساسي الحقيقي، في خطّ الرّسالة و الإستقامة.

و هو أداةٌ قويةٌ مؤثرةٌ بيد الشّيطان الرّجيم، لإضلال و صرف النّاس عن الطّريق الصّحيح، و تحويلهم من دائرة الإيمان، إلى دائرة الكفر و الإنحراف.

و نعود هنا للآيات القرآنية الكريمة، التي ترينا وجه المرائي القبيح، و النّتائج السلبيّة المترتّبة على الرّياء:

1-«يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَاتُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ

[1]. غُرر الحِكم، ج 2، ص 490، الرقم 12.

[2]. المصدر السّابق، ص 14، الرقم 68.

[3]. المصدر السّابق، ص 603، الرقم 11.


صفحه 241

النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لَايَقْدِرُونَ عَلَى شَيْ‌ءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَايَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ»[1].

2-«فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً»[2].

3-«إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا»[3].

4-«وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنْ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِيناً»[4].

5-«وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ»[5].

6-«فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ* الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ* الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ* وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ»[6].

تفسير و إستنتاج:

«الآية الاولى»:تبيّن أن المنّ بالصدقات و إيذاء الآخرين، يدخل في عداد الرّياء و يمحق أعمال الخير، وتبيّن أنّ المرائي لا يعيش الإيمان باللَّه ولا باليوم الآخر، «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى ...»، وبعدها يشبّه هؤلاء الناس بمثل الذي يُنفق أمواله من موقع الرّياء: «كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ...».

وجاء في ذيل الآية: تشبيهٌ جميلٌ جدّاٌ لأعمالهم العقيمة، التي لا تثمر في نطاق المعنويّات و ترتب الثّواب، فأعمالهم كالصّخر الذي يعلوه التراب، فيَشتَبِه الفلاح في أمره، فيبذر فيه البذور بأمل الخصب و الزّرع، فيأتي المطر ويزيل كلّ شي‌ءٍ، فقال: «فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ‌

[1]. سورة البقرة، الآية 264.

[2]. سورة الكهف، الآية 110.

[3]. سورة النّساء، الآية 142.

[4]. سورة النساء، الآية 28.

[5]. سورة الأنفال، 47.

[6]. سورة الماعون، الآية 4 إلى 7.


صفحه 242

فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً».

و من المؤكد أنّ مثل هذا العمل و الزرع، لن يثمر أو يورق، فكذلك سبحانه و تعالى، لا يهدي من ينطلق في تعامله مع اللَّه تعالى من موقع الرّياء والكفر، «لَايَقْدِرُونَ عَلَى شَيْ‌ءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَايَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ».

فعرّفت الآية مثل هؤلاء الأفراد بالمرائين الذين لا يؤمنون باللَّه ولا باليوم الآخر، و مرّة اخرى عرّفتهم بالكافرين، الذين تتحرك أعمالهم كالسّراب المخادع، الذي لا قيمة له، لأنّهم بذروا أعمالهم في أرض الرّياء السّبخة التي لا تصلح للزراعة، و يوجد إحتمال آخر في تفسير الآية، و هو أنّ المرائي نفسه بمثابة قطعة الصّخر، التي لا يثبت عليها التراب، ولا يفيد معه أيّ بذرٍ من بذور الخير و الصّلاح.

نعم! فأرواحهم مريضةٌ و أعمالهم عقيمة، لا تقوم على أساس من الخير، و نيّاتهم مشوبة بدرن الرّياء و الشّرك الخَفي.

و اللّطيف: أنّ الآية التي تلتها في سورة البقرة، شبّهت أعمال المخلصين، بجُنينةٍ لا بذور فيها إلّا بذور الصّلاح، فأصابها وابلٌ فنبتت نَباتاً حسناً، فأثمرت ثمراً مضاعفاً و مُباركاً فيها.

«الآية الثانية»:خاطبت الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، و أمرته بإيصال التّوحيد الخالص للنّاس، إنسجاماً مع خطّ الرّسالة، و بإعتبار أَنَّ التّوحيدَ أصلٌ أساسي في الإسلام: «قُلْ إِنّما أَنا بَشَرٌ مِثلُكُمْ يُوحى‌ إِلَيَّ إِنّما إِلَهُكُم إِلهٌ واحِدٌ».

و بذلك يستوحي المؤمن من جو الآية الكريمة، أنّ الأعمال يجب أن تكون خالصةً و منزّهةً من أدران الشّرك: «فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً».

و عليه فإنّ الشّرك في العبادة، يهدم أساس التّوحيد، و الإعتقاد بالمعاد في حركة الإنسان و الحياة، أو بتعبيرٍ أدق: فإنّ جواز السّفر إلى الجنّة الخالدة، يتمثل بِخُلوص العمل في دائرة السّلوك و النيّة.

و جاء في شأن نزول الآية: قال إبن عباس: أنّها نزلت في جُندب بن زهير العامري، قال: يا