حَتّى يَنْقَطِعَ عَنِ الخَلْقِ كُلُّهُ إِلَيهِ، فَحِينَئِذٍ يَقُولُ هذا خالِصٌ لِي فَيَتَقَبِّلَهُ بِكَرَمِهِ»[1].
4-و أخيراً يقول الإمام الصادق عليه السلام:«ما أَنْعَمَ اللَّهُ عَزَّوَجَلَّ عَلَى عَبْدٍ أَجَلَّ مِنْ أَنْ لا يَكُونَ فِي قَلْبِهِ مَعَ اللَّهِ غَيْرُهُ»[2].
الآن بعدما عرفنا أهميّة الإخلاص، ودوره العميق في سلوك طريق الحّق و القرب من اللَّه، و السّير في حركة الإنسان في خط الإيمان والتوحيد، يبقى هنا سؤال يفرض علينا نفسه، وهو كيف يمكننا تحصيل الأخلاص؟
لا شك أنّ الإخلاص في النيّة، هو وليد الإيمان واليقين العميق بالمعارف الإلهيّة، و كلمّا كان الإنسان متيقناً على مستوى التّوحيد الأفعالي، وأنّ كلّ شيء في عالم الوجود يبدأ من اللَّه تعالى ويعود إليه، وهو المؤثر الأول وعلّة العلل وأنّ الاسباب و العِلل الجليّة والخفيّة خاضعة لأمره وتدبيره، فحينئذٍ يكون سلوك هذا الإنسان مُنسجماً مع هذه العقيدة، بالمستوى الذي يكون فيه عمله في غاية الخُلوص، لأنّه لا يرى مُؤثّراً في الوجود غير اللَّه، يثير في نفسه الدّوافع المضادّة للإخلاص، و الحركة في غير طريق التّوحيد.
و عكست الرّوايات هذه الحقيقة، فقال الإمام علي عليه السلام:«الإخلاصُ ثَمَرَةُ اليَقِينِ»[3].
و عنه عليه السلام:«ثَمَرَةُ العِلْمِ إِخلاصُ العَملِ»[4].
وأخيراً تناول الإمام علي عليه السلام المسألة بشيءٍ من التفصيل، فقال:«أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ، وَ كَمالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصدِيقُ بهِ، وَكَمالُ التَّصدِيقِ بِهِ، تَوحِيدُهُ، وَكَمالُ تِوحِيدهِ الإِخلاصُ لَهُ»[5].
موانع الإخلاص:
أشار علماء الأخلاق الأفاضل إلى هذه المسألة إشارات دقيقة وواضحة، فقال البَعض، إنّ
[1]. مستدرك الوسائل، ج 1، ص 101.
[2]. المصدر السابق.
[3]. غُرر الحِكم، ج 1، ص 30 (الرقم 903).
[4]. المصدر السابق، ص 17، (الرقم 444).
[5]. نهج البلاغة، الخطبة 1.
موانع الإخلاص وآفاته على نحوين: جليّةٌ، و خفيّةٌ. فبعضها خطر جداً، و البعض الآخر أضعف، و الشّيطان و النّفس الأمّارة، يسعيان لتكدير صفاء القلب، و تلويثه بالرّياء، بالمستوى الذي يحوّل الإنسان إلى كيان مهزوزٍ، أمام حالات الخطر، و يشلّ فيه إرادة المُواجهة.
فَبعضٌ من مراحل الرّياء واضحةٌ للعيان، بحيث يمكن لكلّ فرد التّوجه إليها، مثلما يأمر الشّيطان المصلي بالتوءدة بصلاته، كي يراه الناس ويقولوا هذا إنسانٌ مؤمنٌ، فلا يتحرّكون من موقع الغِيبة له و الوَقيعة فيه.
فهذه من حيل الشّيطان الجليّة.
و يمكن أن تكون وساوس الشيطان بصورةٍ أخفى، حيث تتلبّس بلباس الطّاعة، فمثلًا، يلقي في نفسك: أنّك إنسانٌ معروفٌ، و النّاس تشير إليك بالبَنان، و يجب أن تكون طاعتك وعبادتك على أتمّ الصّحة، لكي يقتدي بك الناس في أعمالهم، وستكون شريكاً معهم في ثوابهم، فَهنا ستستسلم لأحابيل الرّياء من دون أن تشعر.
أو تكون الخُدع والحيل أشدّ وأقوى وأخفى، فمثلًا يقول للمصلّي إنّ العبادة في السرّ يجب أن تكون مثلها في العلانية، والذي تكون عبادته في السّر، أدنى مستوى من العلانية، يعتبر من المرائين، و بهذه الصّورة يدفعه ليحسن صلاته وينمّق عبادته في الخفاء، ليكون كذلك في صلاته أمام الناس، و هذا نوعٌ من الرّياء الخَفي، و يمكن أن يغفل عنه الكثيرون، وكذلك المراحل الأخفى والأشد[1].
نعم فإنّ آفات الإخلاص كثيرةٌ، و لا يستطيع أيّ إنسانٍ العبور منها، إلّابتوفيق ربّاني، و لطفٍ إلهي.
و نجد هذا المعنى كذلك في الرّوايات الإسلاميّة، حيث أتحفتنا بما يلزم، للتنبيه على آفات الإخلاص ومنها:
[1]. المحجّة البيضاء، ج 8، ص 133.
ما ورد عن أميرالمؤمنين عليه السلام، حيث قال:«كَيفَ يَستَطِيعُ الإخلاصُ مَنْ يَغْلِبَهُ الهوى»[1].
و في الواقع فإنّ ما ذُكر في الحديثٍ، آنفاً، هو أهم وأقوى آفات الإخلاص، نعم فإنّ هوى النفس، يكدّر عين الإخلاص و يُظلِمُها.
و عنه عليه السلام، قال:«قَلِّلِ الآمالَ تَخْلُصُ لَكَ الأعمالُ»[2].
و الجدير بالذّكر، أنّ الوساوس يمكن أن تأتي بشكلٍ آخر، فتقول للمُصلي لا تذهب لِصلاة الجماعة، لأنّ نيّتك يمكن أن تتلّوث بالرّياء أمام الناس، وعليك بإقامة الصّلاة في بيتك، لكي تعيش أجواء الإخلاص في خطّ العبادة و الصلاة، و تتخلص من براثن الرّياء!!.
أو يدعوه لترك المستحبات لنفس السّبب، لِيحرمه من ثوابها.
ولعل هذا هو السّبب في دعوة القرآن الكريم، للإنفاق بالسرّ و العَلانية: «الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ»[3].
و نختم بحثنا بملاحظةٍ مُهمّةٍ، ألا و هيَ، أنّ الإخلاص في السرّ، ليس بتلك الدرجة من الصّعوبة والأهميّة، بل المهم هو أن يعيش الإنسان، حالة الإخلاص في العلانية، و أمام مرأى و مسمعٍ من الناس.
معطيات الإخلاص:
بما أنّ حالة الإخلاص، تُمثّل أغلى جوهرةٍ تُحفظ في خزانة الرّوح، و ما يترتّب على هذه الحالة من معطيات إيجابيةٍ مهمّةٍ، فقد أوردت الرّوايات تلك المسألة، بصورةٍ بليغةٍ جميلةٍ، و منها:«ما أَخْلَصَ عَبْدٌ للَّهِ عَزَّوَعَلَّ أَربَعِينَ صَباحاً إلّاجَرَتْ يَنابِيعُ الحِكْمَةُ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسانِهِ»[4].
[1]. غررالحكم ج 2 ص 553 الرقم 4.
[2]. المصدر السابق ح 2906.
[3]. سوره البقره الايه 274.
[4]. عُيون أخبار الرضا، ج 1، ص 69، بحار الأنوار، ج 67، ص 342.
و في حديثٍ آخر عن أميرالمؤمنين عليه السلام، أنّه قال:«عِنْدَ تَحققُ الإخلاصُ تَسْتَنِيرُ البَصائِرُ»[1].
وَ وَرد عنه عليه السلام أيضاً:«فِي إخلاصِ النيّاتِ نَجاحُ الامورِ»[2].
و يتّضح من ملاحظة هذا الحديث، أنّالنيّة كلّما أخلصت، كان الإهتمام بِباطن الأعمال أقوى، أو بتعيبرٍ أدق: إنّ الجَودة و الدّقة على مستوى السّلوك و العمل، ستكون في ذَروتها، ونجاح العمل سيكون مضموناً، و العَكس صحيحٌ، فإذا كان الهدف يتركز على معالم الظاهر فقط، دون أن يولّي أهميّةً للمحتوى، فسيكون مصير العمل إلى الفَشل و الخَيبة.
و لذلك قال أمير المؤمنين عليه السلام:«لَو خَلُصَتِ النِّيَّاتُ لَزَكَّتِ الأَعمالُ»[3].
الرّياء:
النقطة المقابلة للإخلاص هي: «الرّياء»، و قد ورد ذمّه بكثرةٍ في الآيات و الروايات الشريفة، التي نهرت النّاس من هذا العمل المُشين، و إعتبرته من أوضح مصاديق الشّرك الخفي، و علّة بطلان الأعمال، و علامة من علامات النّفاق.
و نجد فيها أنّ الرّياء يهدم الفضائل، و يزرع بذور الرّذائل في روح الإنسان، وُ يشغله عن الهدف الأساسي الحقيقي، في خطّ الرّسالة و الإستقامة.
و هو أداةٌ قويةٌ مؤثرةٌ بيد الشّيطان الرّجيم، لإضلال و صرف النّاس عن الطّريق الصّحيح، و تحويلهم من دائرة الإيمان، إلى دائرة الكفر و الإنحراف.
و نعود هنا للآيات القرآنية الكريمة، التي ترينا وجه المرائي القبيح، و النّتائج السلبيّة المترتّبة على الرّياء:
1-«يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَاتُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ
[1]. غُرر الحِكم، ج 2، ص 490، الرقم 12.
[2]. المصدر السّابق، ص 14، الرقم 68.
[3]. المصدر السّابق، ص 603، الرقم 11.
النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لَايَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَايَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ»[1].
2-«فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً»[2].
3-«إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا»[3].
4-«وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنْ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِيناً»[4].
5-«وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ»[5].
6-«فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ* الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ* الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ* وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ»[6].
تفسير و إستنتاج:
«الآية الاولى»:تبيّن أن المنّ بالصدقات و إيذاء الآخرين، يدخل في عداد الرّياء و يمحق أعمال الخير، وتبيّن أنّ المرائي لا يعيش الإيمان باللَّه ولا باليوم الآخر، «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى ...»، وبعدها يشبّه هؤلاء الناس بمثل الذي يُنفق أمواله من موقع الرّياء: «كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ...».
وجاء في ذيل الآية: تشبيهٌ جميلٌ جدّاٌ لأعمالهم العقيمة، التي لا تثمر في نطاق المعنويّات و ترتب الثّواب، فأعمالهم كالصّخر الذي يعلوه التراب، فيَشتَبِه الفلاح في أمره، فيبذر فيه البذور بأمل الخصب و الزّرع، فيأتي المطر ويزيل كلّ شيءٍ، فقال: «فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ
[1]. سورة البقرة، الآية 264.
[2]. سورة الكهف، الآية 110.
[3]. سورة النّساء، الآية 142.
[4]. سورة النساء، الآية 28.
[5]. سورة الأنفال، 47.
[6]. سورة الماعون، الآية 4 إلى 7.
فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً».
و من المؤكد أنّ مثل هذا العمل و الزرع، لن يثمر أو يورق، فكذلك سبحانه و تعالى، لا يهدي من ينطلق في تعامله مع اللَّه تعالى من موقع الرّياء والكفر، «لَايَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَايَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ».
فعرّفت الآية مثل هؤلاء الأفراد بالمرائين الذين لا يؤمنون باللَّه ولا باليوم الآخر، و مرّة اخرى عرّفتهم بالكافرين، الذين تتحرك أعمالهم كالسّراب المخادع، الذي لا قيمة له، لأنّهم بذروا أعمالهم في أرض الرّياء السّبخة التي لا تصلح للزراعة، و يوجد إحتمال آخر في تفسير الآية، و هو أنّ المرائي نفسه بمثابة قطعة الصّخر، التي لا يثبت عليها التراب، ولا يفيد معه أيّ بذرٍ من بذور الخير و الصّلاح.
نعم! فأرواحهم مريضةٌ و أعمالهم عقيمة، لا تقوم على أساس من الخير، و نيّاتهم مشوبة بدرن الرّياء و الشّرك الخَفي.
و اللّطيف: أنّ الآية التي تلتها في سورة البقرة، شبّهت أعمال المخلصين، بجُنينةٍ لا بذور فيها إلّا بذور الصّلاح، فأصابها وابلٌ فنبتت نَباتاً حسناً، فأثمرت ثمراً مضاعفاً و مُباركاً فيها.
«الآية الثانية»:خاطبت الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، و أمرته بإيصال التّوحيد الخالص للنّاس، إنسجاماً مع خطّ الرّسالة، و بإعتبار أَنَّ التّوحيدَ أصلٌ أساسي في الإسلام: «قُلْ إِنّما أَنا بَشَرٌ مِثلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ إِنّما إِلَهُكُم إِلهٌ واحِدٌ».
و بذلك يستوحي المؤمن من جو الآية الكريمة، أنّ الأعمال يجب أن تكون خالصةً و منزّهةً من أدران الشّرك: «فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً».
و عليه فإنّ الشّرك في العبادة، يهدم أساس التّوحيد، و الإعتقاد بالمعاد في حركة الإنسان و الحياة، أو بتعبيرٍ أدق: فإنّ جواز السّفر إلى الجنّة الخالدة، يتمثل بِخُلوص العمل في دائرة السّلوك و النيّة.
و جاء في شأن نزول الآية: قال إبن عباس: أنّها نزلت في جُندب بن زهير العامري، قال: يا
رسول اللَّه إنّي أعمل العمل للَّهتعالى، واريد به وجه اللَّه تعالى، إلّاأنّه إذا إطّلع عليه أحد من الناس سرّني؛ فقال النّبي صلى الله عليه و آله:«إنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ وَلا يَقْبَلُ إِلّا الطَّيِّبَ وَلا يَقْبَلُ ما شُورِكَ فِيهِ»[1].
وجاء في شأن نزول الآية أيضاً، قال طاووس: قال رجل: يا رسول للَّه! إني احبّ الجهاد في سبيل اللَّه تعالى واحبّ أن يرى مكاني، فنزلت الآية.[2]
وَ وَرد مثل هذا المضمون بالنّسبة للإنفاق وصِلة الرّحم[3]، وتبيّن أنّ الآية الآنفة: نزلت بعد الأسئلة المختلفة، في الأعمال المشوبة بغير الأهداف الإلهيّة، و قد إعتبرت المُرائي على حدّ من يعيش حالة الشّرك باللَّه و الشّخص الذي لا إيمان له بالآخرة.
و نقرأ في حديثٍ آخر، عن الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله:«مَنْ صَلّى يُرائي فَقَدْ أَشرَكَ، وَ مَنْ صامَ يُرائِي فَقَدْ أَشرَكَ، وَمَنْ تَصَدَّقَ يُرائي فَقَدْ أَشرَكَ، ثُمَّ قَرَأ: فَمَنْ كانَ يَرجُوا لِقاءَ رَبِّهِ ...»[4].
«الآية الثّالثة»:بيّنت أنّ الرّياء هو من فعل المنافقين: «إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا».
والجدير بالذكر أنّ النّفاق عبارةٌ عن إزدواجية الظّاهر والباطن، وكذلك الرّياء فهو إزدواجية الظاهر والباطن، حيث يتحرك المرائي في أعماله لجلب الأنظار، فمن الطّبيعي أن يكون الرّياء من برامج المنافقين.
«الآية الرابعة»:إعتبرت الأعمال التي ينطلق بها الإنسان من موقع الرّياء، مساويةٌ لعدم الإيمان باللَّه تعالى واليوم الأخر: «وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنْ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِيناً».
و عليه فإنّ المرائين هم أصحاب الشيطان، الذين يفتقدون الإيمان الحقيقي بالمبدأ و المعاد.
[1]. تفسير القُرطبي، ج 11، ص 69.
[2]. المصدر السابق.
[3]. المصدر السابق.
[4]. الدر المنثور، (طبقاً لتفسير الميزان، ج 13، ص 407).
«الآية الخامسة»:تنهى المسلمين من التشبّه بأعمال المشركين الكفّار، الذين لا يفعلون شيئاً إلّاللرياء و التّفاخر فقط: «وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ».
فطبقاً للقرائن و الشواهد الموجودة، وتصديق المفسّرين، فإنّ هذه تشير إلى خروج المشركين من قريش في يوم بَدر، بحليّهم وزينتهم وقد جلبوا معهم آلات الطّرب و اللّعب و اللّهو و النبّيذ، وهم يقصدون جلب أنظار أصحابهم من المشركين الوثنيين.
جاء في بعض التّفاسير، أنّ منطقة بدر، كانت تعتبر من المراكز التّجارية لعرب الجاهليّة في وقتها، و أنّ أبا جهل جاء بوسائل الطرب و الجواري، لغرض مُراءاة النّاس، وفَقْأ العيون كما يقول المثل الشّائع.
و على كلّ حال، فإنّ القرآن الكريم قد نهى المؤمنين من أمثال هذه الأعمال الشائنة، و دعاهم إلى ترويض النّفس بالإخلاص و التّقوى، للتغلب على تلك الحالات النفّسية الخطرة، و أن لا ينسوا مصير المُرائين و أتباع الشّيطان في معركة بدر.
«و الآية الأخيرة»:من الآيات مورد البحث، نجدها تذّم الرّياء ولكن بصورة اخرى فتقول: «فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ* الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ* الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ* وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ».
فقد جاءت كلمة «الويل»، في (27) مورداً من القرآن، و إختصّت في الأغلب بالذّنوب الكبيرة الخطرة جدّاً، وهنا تحكي عن شدّة قُبح ذلك العمل في واقع الإنسان و روحه.
إنّ ما ورد في الآيات الآنفة الذكر، يوضح إلى درجةٍ كبيرةٍ، قُبحَ هذه الخطيئة، و أخطارها و آثارها السلبيّة على سعادة الإنسان في حركة الحياة، و من الواضح فإنّ الرّياء يقف حَجرَ عثرةٍ في طريق تهذيب النّفس، و طهارة القلب و الرّوح للإنسان المؤمن.