بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 244

«الآية الخامسة»:تنهى المسلمين من التشبّه بأعمال المشركين الكفّار، الذين لا يفعلون شيئاً إلّاللرياء و التّفاخر فقط: «وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ».

فطبقاً للقرائن و الشواهد الموجودة، وتصديق المفسّرين، فإنّ هذه تشير إلى خروج المشركين من قريش في يوم بَدر، بحليّهم وزينتهم وقد جلبوا معهم آلات الطّرب و اللّعب و اللّهو و النبّيذ، وهم يقصدون جلب أنظار أصحابهم من المشركين الوثنيين.

جاء في بعض التّفاسير، أنّ منطقة بدر، كانت تعتبر من المراكز التّجارية لعرب الجاهليّة في وقتها، و أنّ أبا جهل جاء بوسائل الطرب و الجواري، لغرض مُراءاة النّاس، وفَقْأ العيون كما يقول المثل الشّائع.

و على كلّ حال، فإنّ القرآن الكريم قد نهى المؤمنين من أمثال هذه الأعمال الشائنة، و دعاهم إلى ترويض النّفس بالإخلاص و التّقوى، للتغلب على تلك الحالات النفّسية الخطرة، و أن لا ينسوا مصير المُرائين و أتباع الشّيطان في معركة بدر.

«و الآية الأخيرة»:من الآيات مورد البحث، نجدها تذّم الرّياء ولكن بصورة اخرى فتقول: «فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ* الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ* الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ* وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ».

فقد جاءت كلمة «الويل»، في (27) مورداً من القرآن، و إختصّت في الأغلب بالذّنوب الكبيرة الخطرة جدّاً، وهنا تحكي عن شدّة قُبح ذلك العمل في واقع الإنسان و روحه.

إنّ ما ورد في الآيات الآنفة الذكر، يوضح إلى درجةٍ كبيرةٍ، قُبحَ هذه الخطيئة، و أخطارها و آثارها السلبيّة على سعادة الإنسان في حركة الحياة، و من الواضح فإنّ الرّياء يقف حَجرَ عثرةٍ في طريق تهذيب النّفس، و طهارة القلب و الرّوح للإنسان المؤمن.


صفحه 245

الرّياء في الرّوايات الإسلاميّة:

تطرقت الرّوايات لهذا الأمر بقوّةٍ و أهميّة بالغةٍ، و عرّفت الرّياء بأنّه من أخطر الذّنوب، و منها:

1-ما وَرد عن الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، أنّه قال:«أَخْوَفَ ما أَخافُ عَلَيكُمْ الرّياء و الشَّهوةُ الخَفِيّةُ»[1].

ويمكن أن يكون المراد من الشّهوة الخفيّة، هو المقاصد الخفيّة للرياء.

2-و أيضاً ما نقل عنه صلى الله عليه و آله:«أَدنى‌ الرِّياءِ شِركٌ»[2].

3-وأيضاً عنه صلى الله عليه و آله:«لا يَقْبَلُ اللَّهُ عَملًا فِيهِ مِقدارُ ذَرَّةٍ مِنْ رِياءٍ»[3].

4-و عنه صلى الله عليه و آله:«إِنَّ المُرائِي يُنادى‌ يَومَ القِيامَةِ يا فاجِرُ يا غادِرُ يا مُرائي ضَلَّ عَمَلُكَ وَ حَبَطَ أَجْرُكَ إِذْهَبْ فَخُذْ أَجْرَكَ مِمَّن كُنْتَ تَعْمَلُ لَهُ»[4].

5-و قال أحد أصحاب الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه و آله في يوم ما باكياً، فقلت:

ما يُبكيك يا رسول اللَّه؟ فقال:«إنّي تَخَوَّفْتَ عَلى‌ أُمَّتِي الشَّركَ، أَمّا إِنّهُمْ لا يَعَبُدُونَ صَنَماً وَلا شَمْساً وَ لاقَمَراً وَلا حَجرَاً، وَلَكِنَّهُم يُراؤُونَ بِأَعْمالِهِم»[5].

6-و في حديث آخر عنه صلى الله عليه و آله قال:«إِنَّ المَلَكَ لَيَصْعَدُ بِعَمَلِ العَبْدِ مُبْتَهِجاً بِهِ فَإِذا صَعَدَ بِحَسَناتِهِ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّوَجَلَّ إِجْعَلُوها فِي سِجِّينٍ إِنَّهُ لَيسَ إِيَّايَ أَرادَ بِها»[6].

7-و أيضاً عنه صلى الله عليه و آله:«يَقُولُ اللَّهُ سُبْحانَهُ إِنِّي أَغْنَى‌ الشُّرَكاءِ فَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا ثُمَّ أَشْرَكَ فِيهِ غَيرِي فَأَنَا مِنْهُ بَرِى‌ءٌ وَهُوَ لِلَّذِي أَشرَكَ بِهِ دُونِي»[7].

هذه الأحاديث السّبعة عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، بيّنت أنّ إثم الرّياء بدرجةٍ من الشدّة، بحيث لا

[1]. المحجّة البيضاء، ج 6، ص 141.

[2]. المصدر السابق.

[3]. المصدر السّابق.

[4]. المصدر السابق.

[5]. المصدر السابق.

[6]. اصول الكافي، ج 2، ص 295.

[7]. ميزان الحكمة، ج 2، ص 1017، الطبعة الجديدة.


صفحه 246

يضاهيه شي‌ءٌ من الذّنوب و الخطايا، و ما ذلك إلّاللنتائج السّيئة للرّياء في نفس وروح الإنسان، وكذلك على مستوى الفرد والمجتمع.

أمّا ما ورد عن الأئمّة عليهم السلام:

8-ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام، ينقل عن جدّه عليه السلام:«سَيأَتِي عَلَى النَّاسِ زَمانٌ تَخْبَثُ فِيهِ سَرائِرِهُمْ وَتَحْسُنُ فِيهِ عَلانِيَّتِهِم، طَمَعاً في الدُّنيا لا يُريدُونَ بِهِ ما عِنْدَ رَبِّهِم يَكُونَ دِينُهُمْ رِياءً، لايُخالِطُهُم خَوْفٌ، يَعُمُّهُمُ اللَّهُ بِعِقابٍ فَيَدْعُونَهُ دُعاءَ الغَرِيقِ فلا يَسْتَجِيبُ لَهُمْ»[1].

9-و في حديثٍ آخر عن الإمام الصادق عليه السلام، أنّه قال:«كُلُّ رِياءٍ شِرْكٌ، إِنَّهُ مَنْ عَمِلَ لِلنَّاسِ كانَ ثَوابُهُ لِلنّاسِ، وَ مَنْ عَمِلَ للَّهِ كانَ ثَوابُهُ عَلَى اللَّهِ»[2].

10-و في حديث عن أميرالمؤمنين عليه السلام، قال:«المُرائِي ظاهِرُهُ جَمِيلٌ وَ باطِنُهُ عَلِيلٌ»[3].

و قال أيضاً:«ما أَقْبَحَ بِالإِنسانِ باطِناً عَلِيلًا وَ ظاهِراً جَمِيلًا»[4].

و ما ورد عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، و عن الأئمّة الهداة، في هذا المجال كثير.

فلسفة تحريم الرّياء:

قد يتعجّب البعض الذين يعيشون السّذاجة الفكريّة، عند نظرهم و للوهلة الاولى، للروايات التي تتعرض لمسألة الرّياء، و نتائج المرعبة، و يتصورون أنّ عمل الإنسان إذا كان سليماً ومنتجاً في واقعه الخارجي، فأيّاً كانت النيّة و الدّافع، فلن يؤثر ذلك في تغيير العمل، فالذي يبني مُستَشفاً! أو مسجداً أو يعبّد الطّرق و الجسور .. و غيرها من الامور التي تصبّ في الصّالح العام للناس، فعمله صحيحٌ و حسنٌ مهما كانت نيّته، فلْندَع النّاس يفعلوا الخير، وما لنا والنيّة!!

[1]. اصول الكافي، ج 2، ص 296.

[2]. المصدر السابق، ص 293.

[3]. أمالي الصّدوق، ص 398؛ غرر الحكم، ج 1، ص 60، الرقم 1614.

[4]. غُرر الحِكم، ج 2، ص 749، الرقم 209.


صفحه 247

ولكن الخطأ الفادح يكمن هنا لأنّه:أولًا:إنّ كلّ عملٍ و فعلٍ يترتب عليه نوعان من ردود الفعل، أحدهما ما ينعكس أثره في نفس الإنسان، والآخر ما يترتب على الفعل في الخارج، فالمُرائي يحطّم نفسه من الدّاخل و يُبعدها عن التّوحيد و الدّين الحنيف، و يوقعها في وادي الشّرك، و يعتبر عزّته و إحترامه رهنٌ بيدَ النّاس، و ينسى‌ قُدَرة الباري تعالى في دائرة التّصرف في عالم الوجود، و بهذا يكون الرّياء نوعاً من الشّرك باللَّه تعالى، و يُفضي إلى نتائج وخيمة على مستوى الأخلاق و القِيَم الإنسانية.

و ثانياً:بالنّسبة للعمل الخارجي، الذي يقصد به الرّياء و السّمعة، فالمجتمع هو الخاسر الأوّل في هذا المضمار، لأنّ المرائي يسعى لتحسين عمله، على مستوى الظّاهر فحسب دون الإهتمام بالباطن، ممّا يُفضي إلى تحويل العمل، إلى إنحراف و إفسادٍ على المستوى الإجتماعي.

و بعبارةٍ اخرى: إنّ المجتمع الذي يتّخذ من الرّياءِ مركباً، في ممارسات الأفراد، سيكون كلّ شي‌ءٍ فيه بلا مُحتوى، ك: (الثقافة، الإقتصاد، السياسة، الصحة والنظام والقوى الدفاعية) و كلّها ستهتم بالظّاهر فقط، ولا يكون الهدف منها نيل السّعادة الحقيقيّة للأفراد، بل سيركضون وراء كلّ شي‌ءٍ برّاقٍ و جميلِ الظاهر، و أمّا باطنه، فاللَّه العالم.

و هذا النّوع من الإتجاه، يورد صدمات و ضربات و مضرّات في حركة الواقع الإجتماعي، لا تخفى على ذهن الفطن الكيّس.

علامات المُرائي:

قد يصاب بعض الأشخاص، لدى مطالعتهم لتلك الأحاديث التي تُشدّد على المرائي بالوسَوسة النّاشئة من الإبهام في تشخيص موضوع الرّياء، و رغم أنّ الجَدير بالإنسان التّشديد في مسألة الرّياء، لأنّ نفوذه خفيٌّ جدّاً، وكم حَدَث للإنسان، أن يعمل عملًا ويبقى‌ لفترةٍ طويلةٍ غير ملتفتٍ لأصابته بالرّياء، كالقصّة المعروفة عن أحد المؤمنين السّابقين، حيث نقل عنه، أنّه قضى صلوات جماعته كلّها، التي صلّاها في سنوات من عمره الطويل، ولمّا سألوه عن السّبب قال: إنّي كنت دائماً اصلّي الجماعة في الصّف الأول، وفي يوم من الأيّام تأخّرت‌


صفحه 248

بعض الشّي‌ء، فلم أجد مكاناً في الصّف المقدّم، فإضطررت للوقوف خلف الجميع، فشعرت في نفسي بالأذى‌ من ذلك، و تنبّهت لهذه المسألة، فأعدت جميع الصّلوات لأنّها كانت رياء؟!

بالطّبع، الإفراط و التّفريط في هذه المسألة، مَثَلُه كَمَثَلِ بقيّةِ المسائل، غير محمودٍ، و خطأٌ محضٌ، و المفروض التَّنبّه للرياء من خلال تتبع مقدماته و علاماته، و لا نَدع مجالًا للوساوس في إطار إكتشاف هذه الحالة السّلبية، في دائرة السّلوك الخارجي، و الواقع النّفسي، و لعلماء الأخلاق الأفاضل أبحاثٌ لطيفةٌ في هذا المضمار، و منهم العلّامة المرحوم الفَيض الكاشاني؛، فقد طرح سؤالًا في كتابه: «المحجّة البيضاء»، و قال: فبأيّ علامةٍ يُعرف العالم و الواعِظ، أنّه صادق مخلصٌ في وعظه، غير مريدٍ رئاء النّاس؟.

قال في جواب هذا السؤال: «فاعلم أنّ لذلك علاماتٍ، إحداها أنّه لو ظهر من هو أحسن منه و عظاً و أغزرُ منه علماً، و النّاس له أشدّ قبولًا، فرح به ولم يحسده، نعم لا بأسَ بالغِبطة، و هي: أن يتمنّى لنفسه مثل عمله، والاخرى أنّ الأكابِر إذا حَضروا مجلسه لم يتغيّر كلامه، بل يبقى‌ كما كان عليه، فينظر إلى الخلق بعينٍ واحدةٍ، و الاخرى: أن لا يحبّ إتّباع النّاس له في الطريق، و المشي خلفه في الأسواق، و لذلك علاماتٌ كثيرةٌ يطول إحصاؤها»[1].

و أفضل المعايير لمعرفة المرائي من غيره، هو ما وردنا عن الأئمّة الأطهار، ومن جملة الأحاديث:

1-في حديثٍ عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، قال:«أَمّا عَلامَةُ المُرائي فَأرْبَعَةٌ: يَحْرُصُ في العَمَلِ للَّهِ إِذا كانَ عِنْدَهُ أَحَدٌ وَيَكْسَلُ إِذا كانَ وَحْدَهُ وَ يَحْرُصُ في كُلِّ أَمْرِهِ عَلَى‌ الَمحمَدَةِ وَيُحْسِنُ سَمْتَهُ بِجُهْدِهِ»[2].

2-وَ وَرد في نفس هذا المعنى في حديثٍ عن أميرالمؤمنين، بألفاظٍ جميلةٍ، فقال:«لِلمُرائي أرْبَعة عَلاماتٍ:

يَكْسَلُ إذا كانَ وَحدَهُ،

وَ يَنْشُطُ إِذا كانَ في النّاسِ،

[1]. المحجّة البيضاء، ج 6، ص 200.

[2]. تُحف العقول، ص 17.


صفحه 249

وَ يَزِيدُ في العَمَلِ إِذا اثنِيَ عَلَيهِ،

وَيَنْقُصُ مِنْهُ إِذا لَمْ يُثْنَ عَلَيهِ»[1].

و ورد نفس هذا المعنى عن لقمان الحكيم أيضاً[2].

و خلاصة القول: إنّ كلّ عملٍ، كان القصد منه المباهاة للناس، فهو دليلٌ على الرّياء، و مهما كان هذا القصد غامضاً و خفيّاً في دائرة الوعي، فهو دليلٌ على إزدواجيّة شخصيّة الإنسان في التعامل مع نفسه، في الخلأ والملأ.

و هذا الأمر في الحقيقة بالغ في الدقّة و الغموض، لدرجةٍ أنّ الإنسان يخدع وجدانه و ضميره، بإتيان نفس الأعمال التي يأتي بها في الملأ، و بدرجةٍ عاليةٍ من الجودة و الحُسن، في خلوته ليقنع نفسه أنّه لا يُرائي، لأنّه يساوي بأعماله في الظّاهر والباطن، ولكنّ الحقيقة هي إزدواجيّة ذلك الشّخص، ففي كلا الحالتين يكون مرائياً.

بالطّبع يجب إجتناب الإفراط و التّفريط في هذه المسائل، لأننا وجدنا اناساً إمتنعوا من أداء كثيرٍ من الواجبات‌ و حُرموا من الثّواب حذراً أو خوفاً من الرّياء، فلم يؤلّفوا كتاباً، ولم يرشدوا أحداً من النّاس، ولم يصعدوا المنابر، لا لِشي‌ءٍ إلّالأنّهم كانوا يعيشون الخوف من الوقوع في الرّياء؟!

و قد ورد في الرّوايات، أنّ من يقصد القُربة إلى اللَّه تعالى، إذا أتى بعملٍ ما علانيةً، و عرف به الناس وفرح هو من ذلك، ما دام قصده هو التّقرب إلى اللَّه سبحانه و تعالى، فلن يؤثّر ذلك على عمله‌[3].

و لا يخفى على القارى‌ء الكريم، أنّ القصد من هذا الأمر، هو تشجيع النّاس إلى سلوك طريق الخير و الصّلاح، و إمضاء أعمالهم المتقرّب بها إلى اللَّه تعالى، في السّر و العلانية، والمهم هو قصد القُربة و إخلاص النيّة فقط.

و جاءت الآيات و الرّوايات، مؤكّدةً لهذا المعنى، وحثّت الإنسان على الإنفاق و التّصدق‌

[1]. شرح نهج البلاغة، إبن أبي الحديد، ج 2، ص 180.

[2]. الخصال: (طبقاً لنقل ميزان الحكمة، ج 2، ص 1020)، الطّبعة الجديدة.

[3]. راجع وسائل الشّيعة، ج 1، الباب 15، من أبواب مقدمة العبادات، ص 55.


صفحه 250

في السرّ و العلانية، وهذا إن دلّ على شي‌ءٍ فإنّه يدلّ على إمكانيّة الإتيان بالأعمال علانيةً، و بدوافع إلهيّة بعيداً عن الرّياء.

و يوجد خمسُ آياتٍ شجّعت على الإنفاق سرّاً و علانيةً، أو سِرّاً وجهراً[1].

مضافاً إلى أنّ قسماً كبيراً من العبادات، يؤدّى في العلانية، فإذا مالم يتسلط الإنسان على نفسه في خط الإلتزام الديني، و يُمسك بزمامها في دائرة النّوازع الذاتيّة، فَسيخسر هو و المجتمع كثيراً من أشكال الثّواب و الخير، وستختل أركان بعض العبادات في خطّ الممارسة والعمل.

علاجُ الرِّياء:

يوجد طريقان لِمُعالجة حالة الرّياء، فالرّياء مَثَلُه كَمَثَلِ سائر الأخلاق السلبيّة و السّلوكيّات الذّميمة، ففي بادى‌ء الأمر، علينا التّركيز على معرفةِ العِلَل، و جذور هذه الحالة السّلبية في الواقع النّفسي، لأجل القضاء عليها، ثم التّحرك نحو دراسة عواقبها المؤلمة، و الكشف عنها في عمليّة التّصدي لها، و توخي جانب الحَذر منها.

بالطّبع لقد أشرنا آنفاً، أنّ الرّياء هو: «الشّرك الأفعالي»، و الغفلة عن حقيقة التّوحيد، فإذا ما تأصلت حقيقة التّوحيد الأفعالي في قلوبنا، و إستحكمت في نفوسنا، و إستيقنّا أنّ العزّة للَّه جميعاً، من موقع المشاهدة الوجدانية، و رأينا أنّ الرّزق والضرّ و النّفع بيده و هو المسخّر للقلوب، فسوف لن نختار سواه بدلًا، ولن نُدنّس أنفسنا و أفعالنا بحالة الرّياء الشّنيعة، التي لا تنسجم مع خطّ التّوحيد في دائرة الأفعال، فالذي يعيش اليقين الرّاسخ بهذه الحقيقة، و هي أنّ مَنْ يكون مع اللَّه تعالى، يكون كلّ شي‌ءٍ معه، و بدونه فهو لا شي‌ء، ويرى بعين البصيرة، مِصداق قوله تعالى: «إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ»[2].

[1]. سورة البقرة، الآية 274؛ الرّعد، 22؛ إبراهيم، 31؛ النّحل، 75؛ فاطر، 29.

[2]. سورة آل عمران، الآية 160.


صفحه 251

وإذا أدركنا هذه الحقيقة القرآنية التي تقرر أنّ العزّة للَّه‌تعالى: «أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمْ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً»[1].

أجل إذا ترسّخَ الإيمان بهذه الحقائق الإيمانيّة في أعماق الرّوح، فلا يجد الإنسان في نفسه باعثاً على الرّياء و النّفاق، و كسب الجاه والمقام لدى الناس و المُفاخرة و المُباهاة.

و قال بعض علماء الأخلاق، إنّ دعامة الرّياء وأساسِه هو حبّ الجاه و المُقام، و عند تحليلنا لمفهوم الرّياء، نجد أنّه يتكون من ثلاثة أركانٍ:

«حبّ الثّناء والمدح من الناس»، و «الفرار من مذمّتهم»، و «الطّمع لِما في أيديهم».

ثم يضرب لذلك مثلًا و هو المجاهد في سبيل اللَّه، فتارةً يكون قصدُه المُباهاة و المفاخرة، و إظهار شجاعته وبطولاته للناس، واخرى خوفاً من أن يتّهمه الناس بالجُبن و الخوف، و ثالثةً يكون دافعه الحصول على الغنائم، و الفائز الوحيد، هو الذي يدافع عن الحقّ و الدّين لا غير.

هذا من جهةٍ، و من جهةٍ اخرى، عندما يتأمل الإنسان في سلبيات الرّياء و أضراره ونتائجه القاتلة، نرى أنّه كالنّار التي تقع على عبادات الإنسان و طاعاته، فتحوّلها إلى رماد تذروه الرّياح، ولا يقتصر الأمر على ذلك فحسب، بل هو ذنبٌ عظيمٌ يسوّد وجه صاحبه في الدّنيا و الآخرة ...

الرّياء: حشرة الإرضة التي تَنخر دَعامات بيت سعادة الإنسان، لينهار به في وادٍ سحيقٍ من الشّقاء و الظلّام ..

و الرّياء بدوره نوعٌ من أنواع الكفر و النّفاق و الشّرك ...

و الرّياء يسحق الشّخصيّة و الحريّة و الكرامة، و أشدّ النّاس بؤساً يوم القيامة، المراؤون.

فهذه حقائقٌ تردع الإنسان، و تبعده عن ذلك الأمر الشّينع.

و لا ننسى أنّ المرائي‌سيفتَضِح، إن عاجلًا أو آجلًا في هذه الدّنيا، و ستظهر حقيقته الزّائفة على فلتات لسانه و شَطحات كلماته، وهذا العامل له قسطٌ من التأثير في عمليّة الرّدع النّفسي،

[1]. سورة النّساء، الآية 139.