بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 286

الخُطوة التّاسعة: العبادة و الدّعاء تصقل مرآة القلب:

الخُطوة الاخرى، هي العبادة و الدّعاء، و لأجل التّعرف على دور، العِبادة و الدّعاء في بناء و تهذيب النّفوس، علينا أولًا التّعرف، على حقيقة ومفهوم العبادة و الدّعاء.

الواقع أنّ الحديث عن هذا الموضوع، طويلٌ وعريضٌ، وقد تناوله العلماءُ، العظماءُ، في كتبهم الأخلاقيّة والتفسيريّة و الفقهيّة، بصورةٍ مُفصّلةٍ ووافيةٍ، ولكن يمكن القول و بإختصارٍ شديدٍ: علينا قبل معرفة حقيقة العبادةِ و مفهومها، أوّلًا أن ندرس مفهوم كلمة «عبد»، و هي الأصل و الجَذر اللّغوي، لكلمة: «العِبادة».

«العبُد» لُغة تُطلق على الإنسان، الذي لا حول له ولا قوّة، في مقابِل مولاه، فإرادته تابعةٌ لإرادة مَولاه، ولا يملك شيئاً في عرضِ ما يملكه مولاه، و لا حقَّ له في التّقصير في طاعة سيّده.

و عليه فإنّ العبودية، هي آخر وأقصى مراحل الخُضوع والخُشوع، في مقابل السيّد، حيث إنّ كلّ شي‌ءٍ في حياته يراهُ من هبته و إنعامه و إكرامه، ومن هنا يتبيّن لنا بوضوح، أنّه لا أحد يستحقّ هذه الدّرجة من العِبادة، و يكون مَعبوداً سوى اللَّه تعالى، فهو الفَيض اللّامتناهي الذي لا ينقطع أبداً.

و من بُعدٍ آخر، أنّ «العُبوديّة»: هي قمّة و نهاية التّكامل المعنوي، للرّوح في حركة التّكامل المعنوي‌للإنسان، و غايةُ ما يطمح إليه الإنسان، من حالة القُرب من اللَّه تعالى، و التّسليم المُطلق لِلذات المُقدسة، فالعبادة لا تنحصر بالرّكوع و السّجود و القيام و القُعود، بل إنّ روح العِبادة هي التّسليم المطلق للَّه‌تعالى، و لذاته المُقدسة و المَنزّهة من كلٍّ عيبٍ و نقصٍ.

و من البديهي أنّ العبادة، هي أفضل وسيلةٍ للرّقي المعنوي، و تحصيل الكَمال المطلق، في حركة الإنسان والحياة، وتقف حائلًا أمام كلّ رذيلةٍ، فإنّ الإنسان يسعى لِلقُرب من معبوده، لِتَتَجلى‌ في نفسه إشعاعاتٌ من نور قُدسه و جَلاله و جَماله، و يكون مظهراً و مرآةً لصفات الجمال و الكَمال الإلهيّة، في واقعه النّفسي و سلوكه العملي.

و في حديثٍ عن الإمام الصادق عليه السلام، أنّه قال:«العبُودِيّةُ جَوهَرَةٌ كُنْهُها الرُّبُوبِيَّةُ»[1].

[1]. مصباح الشّريعة، ص 536، نقلًا عن ميزان الحكمة، مادة «عبد».


صفحه 287

و هو إشارة لتلك الإنعكاسة الربّانية، التي تتجلّى‌ في العبد جرّاء العِبادة الخالصةِ، المنفتحة على اللَّه، حيث يصل بواسطتها إلى درجاتٍ من الرّقي و الكمال، بحيث يمكنه معها السّيطرة على الكَون، و يكون صاحبٌ بالولاية التَّكوينيّة، أو هو: كالحديد الأسود، الذي يحمّر جرّاء مجاورته لِلنار، وهذه الحرارة و النّورانية ليست من ذاته، لكنّها من معطيات تلك النار.

و منها نعود لِلقرآن الكريم، لنستوحي ممّا فيه من آياتٍ حول العبادة، و ما لها من دورٍ في تنمية الفضائل الأخلاقية:

1-«يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»[1].

2-«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»[2].

3-«وَأَقِمْ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ»[3].

4-«إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً* إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً* وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً* إِلَّا الْمُصَلِّينَ* الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ»[4].

5-«خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا»[5].

6-«الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ»[6].

7-«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ»[7].

تفسير و إستنتاج:

تتحرك الآيات الآنفة الذّكر، لتؤكّد لنا حقيقةً واحدةً، ألا و هي، أنّ كلّ إنسانٍ يريد

[1]. سورة البقرة، الآية 21.

[2]. سورة البقرة، الآية 183.

[3]. سورة العنكبوت، الآية 45.

[4]. سورة المعارج، الآية 19 إلى 24.

[5]. سورة التّوبة، الآية 103.

[6]. سورة الرّعد، الآية 28.

[7]. سورة البقرة، الآية 153.


صفحه 288

الوصول إلى الكمال المطلقُ و يتحرك على مستوى تهذيب النّفس، عليه أنّ يسلك طريق العبادة، فالسّائر في خطّ الإستقامة و التّربية، ولأجل أن يبني نفسه، و يحصل على ملكة التّقوى، عليه أنّ يَعبُد و يَدعو اللَّه تعالى، من موقع العِشق و الشّوق ليوفقه في ذلك، ويطلب منه العَون، لإزالة شوائب نفسه، لِتّتصل النّقطة بالبحر، و لِتَنْدَكّ ذاته بالذّات الأزليّة، و يتحول نحاس وجوده، في بوتقة العِشق، إلى ذهبٍ خالصٍ.

هنا تحرّكت‌«الآية الأُولى»، لتخاطب جميع الناس بدون إستثناء، أن يسلكوا إلى اللَّه من موقع العِبادة، وأرشدتهم لِطريق التقوى، فقالَ تعالى‌: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ».

و التّأكيد على مسألة الخلقة للأوّلين، لعلها تقع في دائرة تنبيه العَرب الجاهلين، الذين كانوا يستدلون بعبادتهم للأصنام، بسنّة آباهم، فيقول الباري: إنّنا خلقناكم و الجِبلّة الأولين، نعم فهو الخالق والمالك لكلّ شي‌ءٍ و لا يستحق العبادة أحدٌ إلّاهو، وإذا ما توجه الإنسان، حقيقةً نحو الباري تعالى، فستتفتح في جوانحه عناصر الخير و التّقوى، لأنّ ما يوجد من الشّوائب في النفس، إنّما هو بِسبب التّوجه لغير اللَّه، من موقع العبادة الزّائفة.

فهذه الآية تبيّن معالم الرّابطة والعلاقة الوثيقة، بين العبادة التقوى.

و تطرقت‌«الآية الثّانية»، للحديث عن عبادةٍ مهمّةٍ، و هي الصّوم و علاقته بالتّقوى، فقال:

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ».

و من المعلوم أنّ الصّوم يُنوّر القلب و يجلوه، بحيث يحسّ معه الإنسان أنّه يعيش القُرب من الحسنات، و البُعد عن السّيئات و القَبائح، والإحصائيات التي ترد في هذا الشّهر من المصادر المختصّة عن الجرائم، تشير إلى أنّها تصل إلى أدنى مستوى، في شهر رَمضان، و أنِّ الشرّطة في هذا الشّهر المُبارك، يتفرّغون لِلأهتمام بامور اخرى، إداريّة عالقة بالأشهر الماضية!!.

و هذا الأمر إنّ دلّ على شي‌ءٍ، فهوَ يدلّ على أنّ الإنسان، كلّما إقترب من اللَّه تعالى، في خطّ العبوديّة و الطّاعة، فإنّه يبتعد عن الموبقات و الآثام، و القبائح بنفس المقدار.


صفحه 289

و أشارت‌«الآية الثّالثة»، إلى علاقة الصّلاة بالنّهي عن الفَحشاء و المنكر، و خاطبت الرّسول الكريم صلى الله عليه و آله، بإعتباره قدوة واسوة للآخرين، فقالت: «وَأَقِمْ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ».

«فالفَحشاء و المنكر»، عبارةٌ عَنْ مجموعة الأفعال غير الأخلاقيّة، التي تنبع وتنشأ من الصّفات الأخلاقيّة، و النّزعات الشّريرة الموجودة في مطاوي النّفس البشرية، حيث تؤثّر بدورها في سلوك الإنسان، و تفرز الأخلاق الظاهريّة لَه، و «الصّلاة» تمثّل أَداةَ ردعٍ لتلك الأخلاق المنحرفة، في دائرة السّلوك، لأنّ الأذكار و الأدعية، تعمل على تهذيب النّفس، و ترويضها و تطويعها في طريقِ الخَير و الصّلاح، و حالة القُرب من الباري تعالى، هذه هي التي تتولى إبعاد الإنسان عن منبع الشّر و الرّذيلة، الذي هو عبارةٌ عن هوى النّفس و حبّ الدنيا، من خلال الإنفتاح على آفاق المَلكوت، لِتَغرف نفسه من أنوار القُدس، وترتفع به إلى عالم الخلودِ و الكَمالِ المُطلق.

فالمصلّي الحقيقي سيبتعد عن الفحشاء و المنكر لا مُحالة، لأنّ الصّلاة و العِبادة تَصون النّفس من المنكرات، و تحول دون إختراق الرذائل للنّفس الإنسانية، وتعمل على تَفعيل عناصر الخَير، في أعماق الوِجدان.

و تحدّثت‌«الآية الرابعة»عن حالة الجَزع و البخل، اللّذان هما من السجّايا الوضيعة في واقع الإنسان، و خُصوصاً الجَزع في حالة سيطرة المشكلات و الشّرور، و البُخل في حالة إنفتاح أبواب الثّراء أمام الإنسان، و إستثنت الآية المصلّين، و قالت: «إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً* إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً* وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً* إِلَّا الْمُصَلِّينَ* الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ».

فهذه الآيات الكريمة، تبيّن لنا بصورِةٍ جيدةٍ، أنّ التّوجه للَّه‌تعالى، و السّير في خطّ العبادة و الدُّعاء و المناجات، له دورٌ هامّ في مَحو الرّذائل الأخلاقيّة، من قبيل البُخل و الجّزع من واقع النّفس.


صفحه 290

و تشيرُ«الآية الخامسة»، إلى تطهير النّفس، بواسطة «الزّكاة»، و التي بدورها تُعتبر، من العبادات الإسلامِيَّةِ المُهِمَّةِ، في ديننا الحنيف، فتقول: «خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا».

و جُملة: «تُزكيّهم بها»، هي دليلٌ واضحٌ على هذه الحقيقة، و هي أنّ الزّكاة تعمل على تطهير النفس، من البَخل و الحِرص و حُبِّ الدنيا، وتزرع في نفسه صفة الكرم، و حبّ الخير لِلناس، وتثير في نفسه الحركة، على مستوى حمِاية الفقراء و المحتاجين.

و ما ورد من روايات في هذا الصدد، تبيّن هذه الحقيقة أيضاً، ومنها الحديث النبوي الشريف:«ما تَصَدَّقَ أَحَدُكُم بِصَدَقَةٍ مِنْ طَيِّبٍ- وَلا يَقْبَلُ اللَّهُ إلّاالطّيِّبَ-، إلّاأَخَذَها الرَّحمانُ بِيَمِينِهِ وَإِنْ كانَتْ تَمْرَةً فَتَربُو مِنْ كَفِّ الرَّحمانِ في الجِنان حَتّى‌ تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الجَبَلِ»[1].

ا الحديث الشّريف يبيّن تلك العلاقة الوثيقة المباشرة، بين هذه العبادة المهمّة و بين توطيد العلاقة مع اللَّه تعالى، و تفعيل الحالات المعنوية في واقع الإنسان ومحتواه الداخلي.

و تتحرك‌«الآية السّادسة»، من موقع الإشارة إلى عبادة مهمّةٍ اخرى‌، و هي عبادة:

«الذِّكر»، للَّهِ تعالى، و ما لَها من دورٍ في بعث الطّمأنينة، في واقع الرّوح فتقول: «الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ».

فالطّمأنينة تقترنُ دائماً مع التّوكل على الباري تعالى؛ و عدم الوقوع في أسر الماديّات والامور الدنيويّة، من الإنخداع بِبَريق الدُنيا، و الطّمع و البُخل و الحَسد و ما شابهها من الامور، فَمع وجود هذه الحالات السّيئة في واقع النفس، فسوف لن يذوق الإنسان معها الرّاحة و الطّمأنينة.

و عليه، فإنّ ذكر اللَّه تعالى بإمكانه إزالة هذه الصّفات السّلبية عن القلب، و تطهير النّفس منها لِتَتَهيأ الأرضيّة المساعدة، في تَفتّح براعم السّكينة و الطّمأنينة في واقع القلب و الرّوح.

أو بتعبيرٍ أدق، إنّ جميع الإضطرابات الرّوحية، و أشكال القلق النّفسي، في واقع الذّات‌

[1]. صحيح مسلم، ج 2، ص 702، طبع بيروت.


صفحه 291

البشريّة، ناشئة من هذه الرّذائل الأخلاقيّة، وستزول وتقلع جذورها بذكر اللَّه، الذي يعمل على تسكين روح الإنسان، و تجفيف مصادر القلق هذه، لِتحل محلّها السّكينة والهدوء النّفسي‌[1].

و أخيراً تناولت‌«الآية السّابعة»، دور الصّلاة و الصّيام في رفع المعنويات، و تقوية عناصر الخير في وجدان الإنسان: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ».

و قد فسّرت بعض الرّوايات الإسلاميّة الصّبر بالصيام‌[2]، من حيث كون الصّوم أحد المَصاديق البارزة لِلصبر، و إلّافالصّبر له مفهومٌ وسيعٌ يشمل كلّ أنواع المُقاومة، و التّحدي لِلأهواء النّفسانية و الوساوس الشيطانية، في طريق طاعة اللَّه تعالى، وكذلك تَستوعب الآية حالة الصّبر على المصائب و المحن، التي تصيب الإنسان في حركة الواقع.

و قد وَرد في حديثٍ عن أمير المؤمنين عليه السلام، أنّه كلّما أهمّه شي‌ءٌ إندفع مُسرعاً نحو الصّلاة، وبعدها يتلو هذه الآية ثلاث مرّاتٍ:«كانَ عَليٌّ عليه السلام إذا أَحالَهُ أَمْرٌ فَزِعٌ قامَ إِلى‌ الصَّلاةِ ثُمَّ تَلا هذِهِ الآيةَ:«و اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ»»[3].

نعم فإنّ العبادة ترسخ في النّفس محاسنها، و تصقلها و تعمل على تفعيل عناصر الخير فيها، من: التّوكّل و الشّهامة و الصّبر و الإستقامة، و تستأصل الرّذائل الأخلاقيّة من قَبيل: الجُبن و الشّك و الإضطراب و التّوتر النّاشي‌ء من حالات الصّراع، وحبّ الدنيا وتزيحها عن واقع النّفس، وبهذا تحيي العبادة في واقع النّفس، شطراً مُهمّاً من الفضائل الأخلاقية، وكذلك تقوم بإلغاء الكثير من عناصر الشّر، و قوى الإنحراف و الرّذيلة من وجود الإنسان.

[1]. للتفصيل يرجى مراجعة التفسير الأمثل، ذيل الآية الآية الشريفة المبحوثة.

[2]. مجمع البيان، ج 1، ذيل الآية 45 من سورة البقرة، التي تشابه الآية التي نحن في صددها، وتفسير البرهان، ج 1، ص 166، ذيل 153، سورة البقرة، ففي حديثٍ عن الصّادق عليه السلام، قال في الآية «الصّبرُ هُو الصّوم»: بحار الأنوار، ج 93، ص 294.

[3]. اصول الكافي، (طبقاً لنقل الميزان، ج 1، ص 154).


صفحه 292

النّتيجة:

نستنتج ممّا ذُكر آنفاً: أنّ العِبادة لَها دورها الفاعل، والعميق في تَهذيب الأخلاق، و يمكن تَلخيص هذا المعنى في عدّة نقاط:

1-إنّ التوجه لِلمبدأ، والإحساس بحضور اللَّه تعالى، مع الإنسان في كلّ وقتٍ و مكانٍ، يدفع الإنسان نحوَ المزيد من مُراقبة أعماله وحركاته وسكناته، و يُساعده على السّيطرة على ميوله الذّاتية، و أهوائه النفسيّة، لأنّ العالم محضر اللَّه، والمعصية في حال الحضور، تمثّل الإنحراف عن خطّ الحقّ، و بالتّالي فهي عين الوقوع في لُجّة الكُفران للنعمة.

2-إنّ التّوجه لصفات جَلاله و جَماله، التي وردت في العبادات و الأدعية، يثير في نفس الإنسان حالةً من لُزوم الإقتباس، من تلك الأنوار القُدسيّة، و يعيشها في واقعه الرّوحي، ليسير في طريق التّكامل الأخلاقي.

3-التّوجه للمَعاد والمحكمة الإلهيّة العظيمة في يوم القيامة، يمثّل أداةً فاعلةً لتطهير و تزكيّة النّفس، خوفاً من العقاب و الحِساب في غدٍ.

4-العِبادة و الدّعاء، تضفي على الإنسان هالاتٍ من النّور لا توصف، فلا تستطيع معها ظُلمات الرّذيلة أن تقف أمامها، فيحسّ الإنسان بالقُرب الإلهي، و صفاء الضّمير بعد كلّ عبادةٍ، شريطَة أن تكونَ مقرونةً بحضور القلب.

5-إنّ مضامين العبادات و الأدعية، غنيٌّ جدّاً بالتّعاليم والآداب الأخلاقيّة، فهي ترسمُ الطّريق لِلسالك نحو اللَّه تعالى، و هي في الحقيقة دروسٌ قيّمةٌ، توصل الإنسان السّالك لِهدفه السّامي، من أقصر طريقٍ، و بدونِ العبادة و المُناجاة، و خاصّةً في حالات الخَلوة مع اللَّه، تعالى و لا سيّما في وقت السّحر، فسوف لن يصل الإنسان إلى غايته المنشودة.

تأثير العبادة في صقل الرّوح في الرّوايات الإسلاميّة:

لهذه المسألة، صَداً وَاسعاً في الرّوايات الإسلاميّة، و نشير إلى بعضٍ منها، تاركين التّفاصيل‌


صفحه 293

إلى البحوث الموسّعة:

1-أشارت جميع الرّوايات الإسلاميّة، التي تناولت فلسفة الأحكام، إلى دور العبادة في تَهذيب النّفوس و صفاء القلوب، فقال الإمام علي عليه السلام، في قِصار كلماته:

«فَرَضَ اللَّهُ الإِيمانَ تَطْهِيراً مِنَ الشِّركِ، والصَّلاةَ تَنْزِيهاً عَنِ الكِبْرِ وَالزَّكاةَ تَسبِيباً لِلرِّزْقِ وَالصِّيامَ إِبتِلاءً لِإِخلاصِ الخَلْقِ»[1].

وَ وَرد نفس هذا المعنى، مع إختلافٍ بسيطٍ في خُطبة الزّهراء عليها السلام فإنّها تقول:«فَجَعَلَ اللَّهُ الإِيمانَ تَطْهِيراً مِنَ الشِّركِ، والصَّلاةَ تَنْزِيهاً عَنِ الكِبْرِ وَالزَّكاةَ تَزكِيَّةً لِلنَّفْسِ وَنَماءً في الرِّزْقِ وَالصِّيامَ تَثبيتاً لِلإِخلاصِ»[2].

2-و يشبّه الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله الصّلاة بنهرٍ جاري، يتولى تطهير البدن كلّ يومٍ خمس مرّاتٍ، حيث يقول:«إِنّما مَثلُ الصَّلاةِ فِيكُم كَمَثلَ السّري- وهو النهر- عَلى‌ بابِ أَحَدِكُم يَخرُجُ إِلَيهِ في اليَومِ وَاللَّيلَةُ، يَغْتَسِلُ مِنْهُ خَمسُ مرّاتٍ، فَلا يَبْقى‌ الدَّرنُ عَلَى الغَسلِ خَمْسُ مرّاتٍ، وَلَم تَبْقَ الذُّنُوبُ عَلى‌ الصَّلاةِ خَمسُ مِّراتٍ»[3].

و عليه فقد ذكرت هذه الرّوايات، لكلّ عبادةٍ: دوراً خاصّاً في عمليّة تهذيب النّفوس الإنسانيّة.

3-وَ وَرد في حديثٍ آخر عن الإمام الرضا عليه السلام، يشرح فيه السّبب، الذي شرّع اللَّه تعالى بِسَببِه العبادة، فيقول:

«فَإنْ قالَ فَلِمَ تَعبَّدَهُم؟ قِيلَ لِئَلا يَكُونُوا ناسِينَ لِذِكْرِهِ وِلا تارِكِينَ لِأَدَبِهِ وَ لا لاهِينَ عَنْ أَمْرِهِ وَنَهْيهِ إِذا كانَ فِيهِ صَلاحُهُم وَقِوامُهُم، فَلَو تُرِكُوا بِغَيرِ تَعَبُّدٍ لَطالَ عَلَيهِم الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُم»[4].

فيتّضح من ذلك أنّ العبادة، تجلو القلب و تُبلوِر الرّوح و تَحثّ على ذكر اللَّه تعالى، الذي هو

[1]. نهج البلاغة، قِصار الكلمات، الكلمة 252.

[2]. يرجى الرجوع إلى كتاب: حياة السيدة الزهراء عليها السلام.

[3]. المحجّة البيضاء، ج، ص 339، كتاب أسرار الصّلاة.

[4]. عيون أخبار الرضا عليه السلام، طِبقاً لنقل نور الثقلين، ج 1، ص 39، ح 39.