بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 292

النّتيجة:

نستنتج ممّا ذُكر آنفاً: أنّ العِبادة لَها دورها الفاعل، والعميق في تَهذيب الأخلاق، و يمكن تَلخيص هذا المعنى في عدّة نقاط:

1-إنّ التوجه لِلمبدأ، والإحساس بحضور اللَّه تعالى، مع الإنسان في كلّ وقتٍ و مكانٍ، يدفع الإنسان نحوَ المزيد من مُراقبة أعماله وحركاته وسكناته، و يُساعده على السّيطرة على ميوله الذّاتية، و أهوائه النفسيّة، لأنّ العالم محضر اللَّه، والمعصية في حال الحضور، تمثّل الإنحراف عن خطّ الحقّ، و بالتّالي فهي عين الوقوع في لُجّة الكُفران للنعمة.

2-إنّ التّوجه لصفات جَلاله و جَماله، التي وردت في العبادات و الأدعية، يثير في نفس الإنسان حالةً من لُزوم الإقتباس، من تلك الأنوار القُدسيّة، و يعيشها في واقعه الرّوحي، ليسير في طريق التّكامل الأخلاقي.

3-التّوجه للمَعاد والمحكمة الإلهيّة العظيمة في يوم القيامة، يمثّل أداةً فاعلةً لتطهير و تزكيّة النّفس، خوفاً من العقاب و الحِساب في غدٍ.

4-العِبادة و الدّعاء، تضفي على الإنسان هالاتٍ من النّور لا توصف، فلا تستطيع معها ظُلمات الرّذيلة أن تقف أمامها، فيحسّ الإنسان بالقُرب الإلهي، و صفاء الضّمير بعد كلّ عبادةٍ، شريطَة أن تكونَ مقرونةً بحضور القلب.

5-إنّ مضامين العبادات و الأدعية، غنيٌّ جدّاً بالتّعاليم والآداب الأخلاقيّة، فهي ترسمُ الطّريق لِلسالك نحو اللَّه تعالى، و هي في الحقيقة دروسٌ قيّمةٌ، توصل الإنسان السّالك لِهدفه السّامي، من أقصر طريقٍ، و بدونِ العبادة و المُناجاة، و خاصّةً في حالات الخَلوة مع اللَّه، تعالى و لا سيّما في وقت السّحر، فسوف لن يصل الإنسان إلى غايته المنشودة.

تأثير العبادة في صقل الرّوح في الرّوايات الإسلاميّة:

لهذه المسألة، صَداً وَاسعاً في الرّوايات الإسلاميّة، و نشير إلى بعضٍ منها، تاركين التّفاصيل‌


صفحه 293

إلى البحوث الموسّعة:

1-أشارت جميع الرّوايات الإسلاميّة، التي تناولت فلسفة الأحكام، إلى دور العبادة في تَهذيب النّفوس و صفاء القلوب، فقال الإمام علي عليه السلام، في قِصار كلماته:

«فَرَضَ اللَّهُ الإِيمانَ تَطْهِيراً مِنَ الشِّركِ، والصَّلاةَ تَنْزِيهاً عَنِ الكِبْرِ وَالزَّكاةَ تَسبِيباً لِلرِّزْقِ وَالصِّيامَ إِبتِلاءً لِإِخلاصِ الخَلْقِ»[1].

وَ وَرد نفس هذا المعنى، مع إختلافٍ بسيطٍ في خُطبة الزّهراء عليها السلام فإنّها تقول:«فَجَعَلَ اللَّهُ الإِيمانَ تَطْهِيراً مِنَ الشِّركِ، والصَّلاةَ تَنْزِيهاً عَنِ الكِبْرِ وَالزَّكاةَ تَزكِيَّةً لِلنَّفْسِ وَنَماءً في الرِّزْقِ وَالصِّيامَ تَثبيتاً لِلإِخلاصِ»[2].

2-و يشبّه الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله الصّلاة بنهرٍ جاري، يتولى تطهير البدن كلّ يومٍ خمس مرّاتٍ، حيث يقول:«إِنّما مَثلُ الصَّلاةِ فِيكُم كَمَثلَ السّري- وهو النهر- عَلى‌ بابِ أَحَدِكُم يَخرُجُ إِلَيهِ في اليَومِ وَاللَّيلَةُ، يَغْتَسِلُ مِنْهُ خَمسُ مرّاتٍ، فَلا يَبْقى‌ الدَّرنُ عَلَى الغَسلِ خَمْسُ مرّاتٍ، وَلَم تَبْقَ الذُّنُوبُ عَلى‌ الصَّلاةِ خَمسُ مِّراتٍ»[3].

و عليه فقد ذكرت هذه الرّوايات، لكلّ عبادةٍ: دوراً خاصّاً في عمليّة تهذيب النّفوس الإنسانيّة.

3-وَ وَرد في حديثٍ آخر عن الإمام الرضا عليه السلام، يشرح فيه السّبب، الذي شرّع اللَّه تعالى بِسَببِه العبادة، فيقول:

«فَإنْ قالَ فَلِمَ تَعبَّدَهُم؟ قِيلَ لِئَلا يَكُونُوا ناسِينَ لِذِكْرِهِ وِلا تارِكِينَ لِأَدَبِهِ وَ لا لاهِينَ عَنْ أَمْرِهِ وَنَهْيهِ إِذا كانَ فِيهِ صَلاحُهُم وَقِوامُهُم، فَلَو تُرِكُوا بِغَيرِ تَعَبُّدٍ لَطالَ عَلَيهِم الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُم»[4].

فيتّضح من ذلك أنّ العبادة، تجلو القلب و تُبلوِر الرّوح و تَحثّ على ذكر اللَّه تعالى، الذي هو

[1]. نهج البلاغة، قِصار الكلمات، الكلمة 252.

[2]. يرجى الرجوع إلى كتاب: حياة السيدة الزهراء عليها السلام.

[3]. المحجّة البيضاء، ج، ص 339، كتاب أسرار الصّلاة.

[4]. عيون أخبار الرضا عليه السلام، طِبقاً لنقل نور الثقلين، ج 1، ص 39، ح 39.


صفحه 294

مدعاة لإصلاح الظاهر والباطن.

4-وَ وَرد في حديث آخر، عن الإمام الرّضا عليه السلام، و في مَعرض حديثه لإحصاء فوائد الصّلاة، أنّه قال:

«مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإِيجابِ وَالمُداوَمَةِ عَلى‌ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّوَجَلَّ بِاللَّيلِ وَالنَّهارِ لِئَلا يَنْسَى‌ العَبْدُ سَيِّدَهُ وَمُدَبِّرَهُ وَخَالِقَهُ، فَيَبْطُرَ وَيَطْغى‌ وَيَكُونَ فِي ذِكْرِهِ لِرَبِّهِ وَقِيامِهِ بَينَ يَدَيهِ زاجِراً لَهُ عَنِ المَعاصِي وَ مانِعاً لَهُ عَنْ أَنْواعِ الفَسادِ»[1].

5-وَ وَرد عن الإمام الصادق عليه السلام، في دور الصّلاة و ميزان قبولها، أنّه قال:

«مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَعْلَمَ أَنْ قُبِلَتْ صَلاتُهُ أَمْ لَم تُقْبَلْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ مَنَعَتْ صَلاتُهُ عِنَ الفَحشاءِ وَالمُنْكَرِ، فَبِقَدَرِ ما مَنَعَتْهُ قُبِلَتْ»[2].

فهذا الحديث يُبيّن بوضوح، أنّ صحّة الصّلاة و قبولها، لها علاقةٌ طرديّةٌ بالأخلاق و الدّعوة إلى الخير و ترك الشّر، و من لم تؤثّر صلاته، في تفعيل عناصر الخير و الصّلاح في وجدانه، فعليه أن يعيد النّظر فيها حتماً، لأنّها وإن كانت مسقطة للتكليف، إلّاأنّها غير مقبولةٍ لدى الباري تعالى.

6-و في فلسفة الصّيام، قال الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله:

«إِنَّ الصَّومَ يُمِيتُ مُرادَ النَّفْسِ وَشَهْوَةَ الطَّبْعِ الحَيوانِي، وَ فِيهِ صَفاءُ القَلْبِ وَطَهارَةِ الجَواحِ وَ عَمارَةُ الظَّاهِر وَ الباطِنِ، وَالشُّكْرُ عَلَى النِّعَمِ، وَالإِحْسانِ إِلى‌ الفُقَراءِ، وَزِيادَةُ التَّضَرُّعِ وَالخُشُوعِ، وَالبُكَاءِ وَجَعَلَ الإِلتِجاءِ إِلى‌ اللَّهِ، وَسَبَبُ إِنْكِسارِ الهِمَّةِ، وَتَخْفِيفِ السَّيِّئاتِ، وَتَضعِيفِ الحَسَناتِ وَ فِيهِ مِنَ الفَوائِدِ ما لا يُحْصى‌»[3].

فقد ذكر هذا الحديث الشّريف، أربعة عشر صفةً إيجابيةً للصّوم في واقع النّفس، و هي مجموعةٌ من الفضائل و الأفعال الأخلاقيّة، تصعد بالإنسان في مدارج الكمال المعنوي و الإلهي.

[1]. وسائل الشيعة، ج 3، ص 4.

[2]. مجمع البيان، ج 8، ص 285، ذيل الآية 45 من سورة العنكبوت.

[3]. بحار الأنوار، ج 93، ص 254.


صفحه 295

7-و نختم هذا البحث الواسع، بحديثٍ عن أمير المؤمنين عليه السلام، أنّه قال:«دَوامُ العِبادَةِ بُرهانُ الظَّفَرِ بِالسَّعادَةِ»[1].

و من أراد التّفصيل أكثر فليراجع: «وسائل الشّيعة»، الأبواب الاولى من العِبادات، و كذلك ما ورد في: «بحار الأنوار».

نعم فإنّ كلّ من يطلب السّعادة، عليه أن يتحرك بإتّجاه توثيق العلاقة مع اللَّه تعالى، من موقع الدّعاء و العبادة.

النّتيجة:

نستنتج من هذه الرّوايات الشّريفة التي أوردناها، و الاخرى التي أَعْرضنا عنها لِلإختصار، أنّ علاقة العبادة بصفاء الرّوح، و تهذيب النّفوس، و تفعيل القيم الأخلاقيّة في واقع الإنسان، علاقةٌ طرديّةٌ، و كلّما تحرّك الإنسان في عبادته، من موقع الإخلاص للَّه‌تعالى، كان أثرها في نفسه أقوى وأشدّ.

و هذا الأمر محسوس جدّاً، فالمخلص الذي يؤدي عبادته بحضور قلبٍ، فإنّه يحسُ بالنّور والصفاء في قلبه، و الميل إلى الخير و النّزوع عن الشّر، ويجد في روحه العبوديّة والخشوع والخضوع الحقيقي، بإتجاه خالقه وبارئه.

و هذا الأخير في الحقيقة هو العامل المشترك بين جميع العبادات، و إن كان لكلّ منها تأثير خاص على النفس، فالصّلاة تنهى عن الفَحشاء و المنكر، و الصّيام يقوّي الإرادة و ينشط العقل، لِيْسيطر على جميع نوازع النّفس، والحج يمنح الإنسان بُعداً معنوياً، يجعله بعيداً عن زخارف الدّنيا و زبرجها، و الزّكاة تقمع البخل في واقع النّفس، و تقضي على أشكال الطّمع والحرص على الدنيا.

و ذِكر اللَّه يَهدى‌ء الرّوح، و يمنحها الطّمأنينة والرّاحة، و كلّ ذكرٍ من الأذكار، تتجلّى فيه‌

[1]. غُرر الحِكم، الرقم 4147.


صفحه 296

صفةٌ من صفاتِ جَلاله و جَماله سبحانه و تعالى، التي تتولّى ترغيب الإنسان في السّلوك إلى اللَّه، و الإنسجام مع خطّ الرّسالة.

و عليه فإنّ الشّخص الذي يؤدّي العبادة على أتمّ وجهٍ، سينتفع من فوائدها في دائرة المعطيات العامة، وكذلك تمنحه العبادات آثارها الإيجابيّة الخاصّة، بما يحقّق له بلورة فضائله الأخلاقيّة، و ملكاته النفسانيّة في واقع وجوده، فالعِبادة تشكّل الخطوة والحجر الأساس، لبناء النّفس، في خطّ التّقوى و الإيمان، و الإنفتاح على اللَّه، شَريطة الانس بمثل هذه المعاني الروحيّة، و التّعرف على فلسفة العبادة، فلا ينبغي أن نقنع بالمحافظة على قوى الجسم وحده، و لأهميّة مَبحث الذّكر خصّصنا له بَحثاً مُستقلًّا عن باقي البحوث.

ذِكر اللَّه و تربية الرّوح:

أعطى علماء الأخلاق، الأهميّة القُصوى لِلذكر، و ذلك تبعاً لما ورد، في الرّوايات الإسلاميّة و القرآن الكريم، و اعتبروه من العناصر المهمّة في خطّ العبادة، و تطهير النّفس و تهذيبها، و ذكروا لكلّ مرحلةٍ من مراحل السّير و السّلوك، الذّكر الخاص بها.

فمثلًا في مرحلة التّوبة، ينبغي للسالك في طريق الحقّ، الإهتمام بِذِكر:«ياغَفّار»،و في مرحلة محاسبة النّفس:«ياحَسيب»،و في مرحلة إستنزال الرّحمة:«يا رحمان» و «يا رَحيم»... وَ هَلُمَّ جرّا.

و هذه الأذكار تتناسب و حالات الإنسان، و السّلوك الذي يسلكه الإنسان في خطّ الإستقامة، و الإلتزام بها على كلّ حالٍ حسنٍ، و لا تختص بعنوان: قصد الوُرود إلى ساحة الرّحمة الإلهيّة.

نعم فإنّ ذكر اللَّه تعالى، من أكبر العبادات وأفضل الحسنات، في عمليّة التّصدي للتحديات النّفسية الصّعبة، و تحقيق الصّيانة من الوساوس الشّيطانية.

ذكرُ اللَّه، يخرق حُجب الأنانيّة والغرور و النّوازع النّفسانية، التي تُعدّ من أَقوى العوامل، لِهَدم سعادة الإنسان، ويمنح الإنسان وعياً في أجواء السّلوك إلى اللَّه تعالى، من الأخطار التي‌


صفحه 297

تهدّد سعادته، ويرسم له معالم مسيرته في حركة الحياة والواقع.

ذكر اللَّه تعالى: هو المطر الذي ينزل على أرض القَلب، لِيسقي بذور التّقوى و الفضيلة، و يعمل على تقويتها و تنميتها. و الحقيقة أنّ المحاولة للإحاطة بعظمة هذه العبادة، و إحصاء معطيّاتها على مستوى تهذيب النّفس، لا تفي بالغرض، و لا تحيط بأهميتها في خطّ السّلوك المعنوي للإنسان.

بعد هذه الإشارة نعود إلى القرآن الكريم، لنستوحي من آياته، أهميّة ذكر اللَّه تعالى:

1-«الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ»[1].

2-«وَأَقِمْ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ»[2].

3-«إِنَّني أَنَا اللَّهُ لَاإِلَهَ إِلَّا أَنَا فَآعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي»[3]

4-«إذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتي وَلَا تَنِيَا في ذِكْرِي»[4].

5-«وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً»[5].

6-«وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَ اتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً»[6].

7-«فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا»[7].

8-«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً* وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا* هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى آلنُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً»[8].

[1]. سورة الرّعد، الآية 28.

[2]. سورة العنكبوت، الآية 45.

[3]. سورة طه‌ الآية 14.

[4]. سورة طه‌، الآية 42.

[5]. سورة طه‌، الآية 124.

[6]. سورة الكهف، الآية 28.

[7]. سورة النّجم، الآية 29.

[8]. سورة الأحزاب، الآية 41 إلى 43.


صفحه 298

9-«إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ»[1].

10-«رِجَالٌ لَاتُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ»[2].

تفسير و إستنتاج:

«الآية الاولى»:تطرّقت للحديث عن دور ذكر اللَّه تعالى، في خلق حالة الطّمأنينة في القلوب؛ لِتتولّى‌ إنقاذ الإنسان من حالات الزلّل و التّوتر، وتوجهه فيها إلى تحقيق الفضائل الأخلاقية في واقع النّفس، فيقول تعالى‌: «الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ».

ثمّ يبيّن قاعدةً كليّةً، تقول: «أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ‌تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ».

فما يجول في خاطر الإنسان و خُلدِه، من الحُزن من المستقبل و التّفكير بالرّزق، و الموت و الحياة و المرض و ما شابهها من امور الدنيا، كلّها تدفع الإنسان للتّفكير الجاد في مصيره، وتسلب منه الرّاحة النّفسية، و تَورثه القلق الحقيقي نحو المستقبل المجهول.

و كذلك عناصر: البخل و الطّمع، و الحرص، هي أيضاً من الامور التي تزرع القلق و التّوتر في نفس الإنسان، ولكن عندما يتجسّد ذِكر اللَّه الكريم، الغني القوي، الرّحمن الرّحيم، الرزّاق في وعي الإنسان، ويعيش الإيمان بأنّ اللَّه تعالى، هو الواهب والمانع الحقيقي، فعندما تَتَجسّد هذه المعاني و المفاهيم، و تتفاعل مع بعضها في واقع الإنسان في حركة الحياة، فسوف يعيش الإطمئنان، و السّكينة أمام تحدّيات الواقع، فكلّ شي‌ءٍ يراه مسيّراً لقدرة اللَّه تعالى وإرادته المطلقة، و ما شاء كانَ و ما لَمْ يَشأ لم يكن.

و بهذا سيطمئن الإنسان، و يسلّم أمره إلى بارئِه، و ستزرع في نفسه حالة التّقوى و حبّ الفضائل، و هو ما نَقرأه في الآية الشّريفة:

«يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ* ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً* فَادْخُلِي فِي عِبَادِي* وَ ادْخُلِي جَنَّتِي»[3].

[1]. سورة المائدة، الآية 91.

[2]. سورة النّور، الآية 37.

[3]. سورة الفجر، الآية 27 إلى 30.


صفحه 299

و تحركت‌«الآية الثّانية»، بعد ذكرها لمعطيات الصّلاة، على مستوى النّهي عن الفحشاء والمُنكر: «إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ»، إلى تقرير هذه الحقيقة و هي: «وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ».

نعم، فإنّ ذكر اللَّه هو روح الصّلاة، والرّوح أشرف شي‌ءٍ في عالم الوجود، فإذا ما منَعت الصّلاة عن الفحشاء و المُنكر، فإنّما ذلك بسبب تضمّنها لذكر اللَّه، لأنّ ذكر اللَّه هو الذي يذكّر الإنسان بالنّعم، التي غرق بها الإنسان في واقع الحياة، و تذكّر نِعم اللَّه، بِدوره يمنع الإنسان من العصيان و الطّغيان، و سيخجل من إرتكاب الذّنوب، هذا من جهةٍ.

و من جهةٍ اخرى، سيدعو الإنسان للتّفكير بيوم القيامة، الذي لا ينفع فيه مالٌ و لا بنون، و يوم تنشر الصّحف و تَتطاير الكُتب، و يعيش المُسيئون الفضيحة و العار، في إنتظار ملائكة العذاب التي تأخذهم إلى الجحيم، و يكتب الفوز و النّصر للمحسنين، و سيكون في إستقبالهم ملائكة الرّحمة الذين يقولون لهم، ادخلوها بسلامٍ آمِنين، فذِكر هذه الامور، و تجَسيدها في وعي الإنسان، سيدفع إلى التّوجه نحو الفضائل، و يمنعه من مُمارسة الرّذيلة و الإثم.

و قال بعض المفسّرين، إنّ جُملة: «وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ»، إشارةً إلى أنّ ذِكر اللَّه تعالى، هو أسمى و أرقى العبادات، في مسيرة الإنسان المعنويّة.

و يوجد إحتمالٌ آخرٌ، و هو أنّ المقصود من: «وَلَذِكْرُ اللَّهِ»، هو ذِكر اللَّه لِعبده، (و ذلك في مقابل ذكر العبد للَّه‌تعالى)[1].

حيث يصعد ذكر اللَّه تعالى به، إلى أسمى و أعلى درجات العبوديّة، في آفاقها الواسعة، ولا شي‌ء أفضل من هذه الحالة المعنويّة للإنسان، ولكنّ الإحتمال الأوّل، يتناسب مع معنى الآية أكثر.

«الآية الثّالثة»:ذكرت أوّل كلامٍ للَّه‌تعالى، مع نبيّه موسى عليه السلام، في وادي الطّور الأيمَنِ، في البُقعة المباركة عند الشّجرة، فسمع موسى عليه السلام النداء قائلًا: «إِنَّني أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاٌعْبُدْني‌

[1]. المحجّة البيضاء، ج 2، ص 266.