بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 295

7-و نختم هذا البحث الواسع، بحديثٍ عن أمير المؤمنين عليه السلام، أنّه قال:«دَوامُ العِبادَةِ بُرهانُ الظَّفَرِ بِالسَّعادَةِ»[1].

و من أراد التّفصيل أكثر فليراجع: «وسائل الشّيعة»، الأبواب الاولى من العِبادات، و كذلك ما ورد في: «بحار الأنوار».

نعم فإنّ كلّ من يطلب السّعادة، عليه أن يتحرك بإتّجاه توثيق العلاقة مع اللَّه تعالى، من موقع الدّعاء و العبادة.

النّتيجة:

نستنتج من هذه الرّوايات الشّريفة التي أوردناها، و الاخرى التي أَعْرضنا عنها لِلإختصار، أنّ علاقة العبادة بصفاء الرّوح، و تهذيب النّفوس، و تفعيل القيم الأخلاقيّة في واقع الإنسان، علاقةٌ طرديّةٌ، و كلّما تحرّك الإنسان في عبادته، من موقع الإخلاص للَّه‌تعالى، كان أثرها في نفسه أقوى وأشدّ.

و هذا الأمر محسوس جدّاً، فالمخلص الذي يؤدي عبادته بحضور قلبٍ، فإنّه يحسُ بالنّور والصفاء في قلبه، و الميل إلى الخير و النّزوع عن الشّر، ويجد في روحه العبوديّة والخشوع والخضوع الحقيقي، بإتجاه خالقه وبارئه.

و هذا الأخير في الحقيقة هو العامل المشترك بين جميع العبادات، و إن كان لكلّ منها تأثير خاص على النفس، فالصّلاة تنهى عن الفَحشاء و المنكر، و الصّيام يقوّي الإرادة و ينشط العقل، لِيْسيطر على جميع نوازع النّفس، والحج يمنح الإنسان بُعداً معنوياً، يجعله بعيداً عن زخارف الدّنيا و زبرجها، و الزّكاة تقمع البخل في واقع النّفس، و تقضي على أشكال الطّمع والحرص على الدنيا.

و ذِكر اللَّه يَهدى‌ء الرّوح، و يمنحها الطّمأنينة والرّاحة، و كلّ ذكرٍ من الأذكار، تتجلّى فيه‌

[1]. غُرر الحِكم، الرقم 4147.


صفحه 296

صفةٌ من صفاتِ جَلاله و جَماله سبحانه و تعالى، التي تتولّى ترغيب الإنسان في السّلوك إلى اللَّه، و الإنسجام مع خطّ الرّسالة.

و عليه فإنّ الشّخص الذي يؤدّي العبادة على أتمّ وجهٍ، سينتفع من فوائدها في دائرة المعطيات العامة، وكذلك تمنحه العبادات آثارها الإيجابيّة الخاصّة، بما يحقّق له بلورة فضائله الأخلاقيّة، و ملكاته النفسانيّة في واقع وجوده، فالعِبادة تشكّل الخطوة والحجر الأساس، لبناء النّفس، في خطّ التّقوى و الإيمان، و الإنفتاح على اللَّه، شَريطة الانس بمثل هذه المعاني الروحيّة، و التّعرف على فلسفة العبادة، فلا ينبغي أن نقنع بالمحافظة على قوى الجسم وحده، و لأهميّة مَبحث الذّكر خصّصنا له بَحثاً مُستقلًّا عن باقي البحوث.

ذِكر اللَّه و تربية الرّوح:

أعطى علماء الأخلاق، الأهميّة القُصوى لِلذكر، و ذلك تبعاً لما ورد، في الرّوايات الإسلاميّة و القرآن الكريم، و اعتبروه من العناصر المهمّة في خطّ العبادة، و تطهير النّفس و تهذيبها، و ذكروا لكلّ مرحلةٍ من مراحل السّير و السّلوك، الذّكر الخاص بها.

فمثلًا في مرحلة التّوبة، ينبغي للسالك في طريق الحقّ، الإهتمام بِذِكر:«ياغَفّار»،و في مرحلة محاسبة النّفس:«ياحَسيب»،و في مرحلة إستنزال الرّحمة:«يا رحمان» و «يا رَحيم»... وَ هَلُمَّ جرّا.

و هذه الأذكار تتناسب و حالات الإنسان، و السّلوك الذي يسلكه الإنسان في خطّ الإستقامة، و الإلتزام بها على كلّ حالٍ حسنٍ، و لا تختص بعنوان: قصد الوُرود إلى ساحة الرّحمة الإلهيّة.

نعم فإنّ ذكر اللَّه تعالى، من أكبر العبادات وأفضل الحسنات، في عمليّة التّصدي للتحديات النّفسية الصّعبة، و تحقيق الصّيانة من الوساوس الشّيطانية.

ذكرُ اللَّه، يخرق حُجب الأنانيّة والغرور و النّوازع النّفسانية، التي تُعدّ من أَقوى العوامل، لِهَدم سعادة الإنسان، ويمنح الإنسان وعياً في أجواء السّلوك إلى اللَّه تعالى، من الأخطار التي‌


صفحه 297

تهدّد سعادته، ويرسم له معالم مسيرته في حركة الحياة والواقع.

ذكر اللَّه تعالى: هو المطر الذي ينزل على أرض القَلب، لِيسقي بذور التّقوى و الفضيلة، و يعمل على تقويتها و تنميتها. و الحقيقة أنّ المحاولة للإحاطة بعظمة هذه العبادة، و إحصاء معطيّاتها على مستوى تهذيب النّفس، لا تفي بالغرض، و لا تحيط بأهميتها في خطّ السّلوك المعنوي للإنسان.

بعد هذه الإشارة نعود إلى القرآن الكريم، لنستوحي من آياته، أهميّة ذكر اللَّه تعالى:

1-«الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ»[1].

2-«وَأَقِمْ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ»[2].

3-«إِنَّني أَنَا اللَّهُ لَاإِلَهَ إِلَّا أَنَا فَآعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي»[3]

4-«إذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتي وَلَا تَنِيَا في ذِكْرِي»[4].

5-«وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً»[5].

6-«وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَ اتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً»[6].

7-«فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا»[7].

8-«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً* وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا* هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى آلنُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً»[8].

[1]. سورة الرّعد، الآية 28.

[2]. سورة العنكبوت، الآية 45.

[3]. سورة طه‌ الآية 14.

[4]. سورة طه‌، الآية 42.

[5]. سورة طه‌، الآية 124.

[6]. سورة الكهف، الآية 28.

[7]. سورة النّجم، الآية 29.

[8]. سورة الأحزاب، الآية 41 إلى 43.


صفحه 298

9-«إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ»[1].

10-«رِجَالٌ لَاتُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ»[2].

تفسير و إستنتاج:

«الآية الاولى»:تطرّقت للحديث عن دور ذكر اللَّه تعالى، في خلق حالة الطّمأنينة في القلوب؛ لِتتولّى‌ إنقاذ الإنسان من حالات الزلّل و التّوتر، وتوجهه فيها إلى تحقيق الفضائل الأخلاقية في واقع النّفس، فيقول تعالى‌: «الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ».

ثمّ يبيّن قاعدةً كليّةً، تقول: «أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ‌تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ».

فما يجول في خاطر الإنسان و خُلدِه، من الحُزن من المستقبل و التّفكير بالرّزق، و الموت و الحياة و المرض و ما شابهها من امور الدنيا، كلّها تدفع الإنسان للتّفكير الجاد في مصيره، وتسلب منه الرّاحة النّفسية، و تَورثه القلق الحقيقي نحو المستقبل المجهول.

و كذلك عناصر: البخل و الطّمع، و الحرص، هي أيضاً من الامور التي تزرع القلق و التّوتر في نفس الإنسان، ولكن عندما يتجسّد ذِكر اللَّه الكريم، الغني القوي، الرّحمن الرّحيم، الرزّاق في وعي الإنسان، ويعيش الإيمان بأنّ اللَّه تعالى، هو الواهب والمانع الحقيقي، فعندما تَتَجسّد هذه المعاني و المفاهيم، و تتفاعل مع بعضها في واقع الإنسان في حركة الحياة، فسوف يعيش الإطمئنان، و السّكينة أمام تحدّيات الواقع، فكلّ شي‌ءٍ يراه مسيّراً لقدرة اللَّه تعالى وإرادته المطلقة، و ما شاء كانَ و ما لَمْ يَشأ لم يكن.

و بهذا سيطمئن الإنسان، و يسلّم أمره إلى بارئِه، و ستزرع في نفسه حالة التّقوى و حبّ الفضائل، و هو ما نَقرأه في الآية الشّريفة:

«يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ* ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً* فَادْخُلِي فِي عِبَادِي* وَ ادْخُلِي جَنَّتِي»[3].

[1]. سورة المائدة، الآية 91.

[2]. سورة النّور، الآية 37.

[3]. سورة الفجر، الآية 27 إلى 30.


صفحه 299

و تحركت‌«الآية الثّانية»، بعد ذكرها لمعطيات الصّلاة، على مستوى النّهي عن الفحشاء والمُنكر: «إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ»، إلى تقرير هذه الحقيقة و هي: «وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ».

نعم، فإنّ ذكر اللَّه هو روح الصّلاة، والرّوح أشرف شي‌ءٍ في عالم الوجود، فإذا ما منَعت الصّلاة عن الفحشاء و المُنكر، فإنّما ذلك بسبب تضمّنها لذكر اللَّه، لأنّ ذكر اللَّه هو الذي يذكّر الإنسان بالنّعم، التي غرق بها الإنسان في واقع الحياة، و تذكّر نِعم اللَّه، بِدوره يمنع الإنسان من العصيان و الطّغيان، و سيخجل من إرتكاب الذّنوب، هذا من جهةٍ.

و من جهةٍ اخرى، سيدعو الإنسان للتّفكير بيوم القيامة، الذي لا ينفع فيه مالٌ و لا بنون، و يوم تنشر الصّحف و تَتطاير الكُتب، و يعيش المُسيئون الفضيحة و العار، في إنتظار ملائكة العذاب التي تأخذهم إلى الجحيم، و يكتب الفوز و النّصر للمحسنين، و سيكون في إستقبالهم ملائكة الرّحمة الذين يقولون لهم، ادخلوها بسلامٍ آمِنين، فذِكر هذه الامور، و تجَسيدها في وعي الإنسان، سيدفع إلى التّوجه نحو الفضائل، و يمنعه من مُمارسة الرّذيلة و الإثم.

و قال بعض المفسّرين، إنّ جُملة: «وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ»، إشارةً إلى أنّ ذِكر اللَّه تعالى، هو أسمى و أرقى العبادات، في مسيرة الإنسان المعنويّة.

و يوجد إحتمالٌ آخرٌ، و هو أنّ المقصود من: «وَلَذِكْرُ اللَّهِ»، هو ذِكر اللَّه لِعبده، (و ذلك في مقابل ذكر العبد للَّه‌تعالى)[1].

حيث يصعد ذكر اللَّه تعالى به، إلى أسمى و أعلى درجات العبوديّة، في آفاقها الواسعة، ولا شي‌ء أفضل من هذه الحالة المعنويّة للإنسان، ولكنّ الإحتمال الأوّل، يتناسب مع معنى الآية أكثر.

«الآية الثّالثة»:ذكرت أوّل كلامٍ للَّه‌تعالى، مع نبيّه موسى عليه السلام، في وادي الطّور الأيمَنِ، في البُقعة المباركة عند الشّجرة، فسمع موسى عليه السلام النداء قائلًا: «إِنَّني أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاٌعْبُدْني‌

[1]. المحجّة البيضاء، ج 2، ص 266.


صفحه 300

وَأَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي».

و الحقيقة أنّ الآية ذكرت، أنّ الهدف والفلسفة الأصليّة للصّلاة، هي ذكر اللَّه تعالى، و ما ذلك إلّالأهميّة الذّكر، في حركة الإنسان المنفتحة على اللَّه تعالى، و خُصوصاً أنّها ذكرت مسألة الصّلاة، و ذكر اللَّه بعد بحث التّوحيد مباشرةً.

«الآية الرابعة»خاطبت الأخوين موسى و هارون عليهما السلام، من موقع نَصبهما لِمقُام النّبوة و السّفارة الإلهيّة، وأمرتهما بمحاربة قوى الإنحراف و الزّيغ، و التّصدي لفرعون و أعوانه:

«اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي».

فالأمر بذكر اللَّه تعالى و عدم التّواني فيه، لِلوقوف بوجه طاغية: مثلَ فِرعون، هو أمرٌ يحكي عن دور الذّكر و أبعاده الوسيعة، و أهميّته الكبيرة في عمليّة السّلوك إلى اللَّه تعالى، فذِكر اللَّه يمنح الإنسان عناصر القّوة و الشّجاعة، في عمليّة مواجهة التّحديات الصّعبة، لِلواقع المُنحرف.

وَ وَرد في تفسير: «في ظِلال القرآن»، في مَعرض تفسيره لهذه الآية، قوله: (إنّ اللَّه تعالى أمر موسى و هارون عليهما السلام، أن اذكروني، فإنّ ذِكري، هو سِلاحكم و وسيلتكم لِلنجاة»[1].

و بعض المفسّرين فسّروا كلمة «الذّكر»، الواردة في الآية، بإبلاغ الرّسالة، و قال البعض الآخر، أنّها مطلق الأمر بالذّكر، و قال آخرون: إنّها ذِكر اللَّه تعالى خاصّةً، و الحقيقة أنّه لا فرق بين التّفسيرات الثّلاثة، و يمكن أن تجتمع كلّها في مفهوم الآية.

و من المعلوم أنّ الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، و لِاجل أن يستمر في إبلاغ الرّسالة، و التّحرك في خطّ الطّاعة و التّصدي لقوى الباطل و الإنحراف، عليه أن يستمد القوّة و القدرة من ذكر اللَّه تعالى، و التّوجه إليه في واقع النّفس والقلب.

[1]. في ظِلال القرآن، ج 5، ص 474.


صفحه 301

و تناولت‌«الآية الخامسة»، إفرازات و نتائج، الإعراض عن ذكر اللَّه تعالى في حركة الإنسان، قال تعالى: «وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَومَ القِيامَةِ أَعمى‌».

فعذابهم بالدّنيا أنّهم يعيشون ضنك العيش، وفي الآخرة العمى، و فَقد البَصر!.

فضنك العيش، ربّما يكون بتضييق الرّزق على من يعيش الغفلة عن ذكر اللَّه تعالى، أو ربّما بإلقاء الحرص على قلب الغني، فيتحرك في تعامله مع الآخرين، من مَوقع الطّمع و البُخل، فلا يكاد يُنفق درهماً في سبيل اللَّه، ولا يعين فقيراً ولو بشقّ تَمرةٍ، فيكون مِصداق حديث أميرالمؤمنين عليه السلام، حيث يقول:«يَعِيشُ فِي الدُّنيا عَيْشَ الفُقَراءَ وَيُحاسَبُ فِي الآخِرَةِ حِسابَ الأَغِنياء»[1].

ففي الحقيقة أنّ أغلب الأغنياء وبسبب حرصهم الشّديد على النّفع المادي، يعيشون في حالة قلقٍ دائمةٍ، و لا ينتفعون من أموالهم بالقدر الكافي، وتكون عليهم حسرات في الدّنيا و الآخرة.

ولكن لماذا يُحشر أعمى؟

وَ لَربّما لِتشابُه الأحداث هناك، مع الأحداث في الدنيا، فالغافل عن ذكر اللَّه تعالى في الدنيا، و لإعراضه عن الحقيقة و آيات اللَّه تعالى، و تَجاهله لدواعي الحقّ و الخير في باطنه، فإنّه لا يرى الحقّ بعين البصيرة، في حركة الحياة والواقع، و لذلك سوف يُحشر أعمى في عَرصات القِيامة.

كيف يكون ذِكر اللَّه؟

فسّرت الكثير من الرّوايات الإسلاميّة، ذِكر الباري تعالى: «بالحج»، وَ وَرد في البعض الآخر، أنّ الذّكر هنا: بمعنى الولاية لأمير المؤمنين عليه السلام.

و الحق أنّ الإثنين هما مِصداقان من مَصاديق ذكر اللَّه تعالى، فالحجّ هو مجموعةٌ من‌

[1]. بحار الأنوار، ج 69، ص 119.


صفحه 302

الأعمال و السّلوكيات، تذكّر باللَّه تعالى، و كذلك علي عليه السلام، فذِكره و النّظر إليه عبادةٌ، تُعمّق في الإنسان روح الإيمان، و تُذكّره باللَّه تعالى.

«الآية السّادسة»:خاطبت الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، من موقع النّهي عن طاعة الأشخاص الذين يعيشون في غفلةٍ، وحثّته على معاشرة الّذين يذكرون ربّهم، صباحاً و بِالغَداة و العَشِي، ولا يريدون إلّااللَّه تعالى، فقال تعالى‌:

«وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً».

و من المعلوم أنّ اللَّه سبحانه و تعالى، ما كان ليعذّب أحداً بالغفلة عن ذكره، بل لأنّ مثل هؤلاء الأشخاص، ينطلقون في تعاملهم مع الحقّ، من موقع العناد و الّتمرد و التّكَبّر و التعصّب لِلباطل.

و بناءاً عليه، فإنّ القصد من الإغفال هو سلب نعمة الذّكر منه، لِيلاقي جزاءه في الدّنيا قبل الآخرة، و لهذا، فإنّ ذلك لا يستلزم الجَبر.

و لا نرى أحداً من هذه الجماعة، إلّامُتّبعاً لِهواه، مُتّخذاً سبيل الإفراط و التَّفريط في كلّ فعاله، لذلك تعقّب الآية قائلةً: «وَآتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً».

و يُستفاد من هذه الآية، أنّ الغفلة عن ذِكر اللَّه تعالى، تؤثّر سلباً في أخلاق وروح الإنسان، و تُؤدّي به إلى وادي الأهواء، و تجرّه إلى منحدرِ الأنانية.

نعم، فإنّ روح و قلبَ الإنسان، لا يسع إثنان، فإمّا «اللَّه تعالى»، و إمّا «هوى النّفس»، و لا يمكن الجمع بينهما.

فالهَوى هو مصدر الغَفلة عن اللَّه تعالى، و خلقه، و سَحق جميع القِيم و الاصول الأخلاقية، و بالتّالي فإنّ هَوى النّفس، يغرق الإنسان في عُتمة ذاته الضّيقة، و يُعمي بصره عن كلِّ شي‌ءٍ يدور حوله في واقع الحياة، والإنسان الذي يتحرّك من موقع الهَوى، لا يرى إلّاإشباع شَهواته،