علامات الإيمان باللَّه والمعاد.
الثاني:إنّ التّأكيد على هذا الأمر، لا ينبع من حاجة الباري إليه، بل هو من حاجة الإنسان إليه، في مساره التّكاملي و المعنوي إلى اللَّه تعالى، و لحِفظ سَلامة المجتمع البشري في حركة الواقع و الحياة.
«الآية الثّالثة»: ناظرةٌ إلى غَزوة الأحزاب، وهي في الحقيقةِ تشيرُ إلى مُلاحظةٍ مُهمّةٍ جِدّاً، ألا و هي: أنّ الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، و بالرّغم من الأزمات النّفسية و التّحديات الصّعبة في تلك الظّروف، و سوء ظنّ بعض المسلمين الجدد، بالوعد الإلهي بالنّصر في ميادين الوَغى، فإنّه بَقي صامِداً ينظّر لِلحرب، و يستخدم أفضل التّكتيكات العسكريّة، إنتظاراً لِلّحظة الحاسمة، و كان ينتظر الفُرصة للإنقضاض على عدوّة، فكان يَمزح مع أصحابه ليقوّي من معنوياتهم، و أخذ المِعوَل بنفسه لِيحفُر الخَندق بيده، و يُشجع أصحابه ويذكّرهم باللَّه تعالى وثوابه، ويبشّرهم بالفتوحات المُقبلة العَظيمة.
و هذا الأمر تَسبّب في تماسك المسلمين، و مقاومتهم أمامَ عدوّهم، و جيشه الجرّار المتفوق عليهم بالعدّة و العَدَد، بالتّالي الإنتصار عليهم، فقال تعالى:
«لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً».
فالرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، لا يُتأَسّى به فقط في ميادين الجِهاد الأصغر، بل وكذلك في ميادين الجِهاد الأكبر، ألا وهو جهاد النّفس و التّصدي لِلأهواء المُضلّة، من موقع المحاربة، فَمن يتّخذِه اسوةً حسنةً في هذا المضمار، فإنّه سيصل من أقرب الطّرق و أسرعها، إلى غايته و هدفِه المَنشود.
و الجدير بالذّكر، أنّ هذه الآية، علاوةً على ذكرها لِمسألة الإيمان باللَّه و اليوم الآخر: «لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ...»، أكّدت على ذِكر اللَّه تعالى بجملة: «وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً». فهم يقتدون بقائدهم الربّاني و يستلهمون منه الإيمان، و ذِكر اللَّه كثيراً حيث يحرك فيهم الذّكرُ
الكثيرِ، عنصر الإهتمام للمسؤوليات التي القيت على عاتقهم، وَ مَنْ أَفضل من الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، لِيكون لهم اسوةً و قدوةً، في خطّ الإلتزام الدّيني و الأخلاقي و الإنفتاح على اللَّه؟
«الآية الرابعة»:نوهت إلى النّقطة المقابلة، ألا وَ هَي: البُغض في اللَّه تعالى في خطّ الحقّ، فتقول: «لَاتَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمْ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْمُفْلِحُونَ».
فهذه الآية الشريفة، صرّحت و أرشدت، إلى الطريق التي يجب على المؤمن سلوكها، عند تقاطع الطّرق، و تضارب «العلاقة الإلهيّة» مع «العلاقات الاسريّة»، فلو أنّ الآباء و الإخوة و الأقرباء، تحرّكوا في خطّ الباطل و الإنحراف و الكُفر، فإنّ طريق اللَّه هي الجادّة الحقيقيّة، لِلإلتحاق بالرّكب الإلهي المقدس.
و ما ورد في هذه الآية، من قوله تعالى: «أُوْلَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمْ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ».
ليس إلّاتأكيداً على المعنى المتقدم، و تشجيعاً لذلك الأمرالمهم الحياتي، أي أنّ«الحُبُّ فِي اللَّهِ وَالبُغْضُ فِي اللَّهِ»، نابعٌ من الإيمان، و طريق التّكامل الحقيقي في خطّ الإيمان، السّلوك المعنوي، و بعبارةٍ اخرى: إنّ هذين الأمرين، يؤثّر أحدهما في الآخر بصورةٍ مُتقابلةٍ، مع فارقٍ واحدٍ، و هو أنّه يجب الإبتداء في عمليّة السّلوك المعنوي، بالإيمان بالمبدأ و المعاد، و التّكامل المعنوي يكون، من حصّة:«الحُبُّ في اللَّهِ وَالبُغْضُ في اللَّهِ».
«الآية السّادسة»:تطرّقت لأواصر المحبّة المعنويّة بين المؤمنين، و قالت: «وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ
وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ».
فهذا الرّباط المعنوي، يتّخذ من الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر، و إقام الصّلاة و إِيتاء الزّكاة، و طاعة اللَّه و رسوله، أساساً و دَعامةً في صياغة السّلوك، حيث يعين الفرد، على إستلهام الأخلاق الحَسنة و الأعمال النّافعة، من الآخرين، فيكون كلّ واحدٍ منهم اسوةً للآخر، و من أراد الإلتحاق بهذه الجماعة، عليه أن يكون مُشابهاً لها في دائرة الفكر و السّلوك، دون الجماعات المنحرفة الضّالة المضلّة، التي يجب عليه البَراءة منها و الإبتعاد عنها.
و في الحقيقة، فإنّ الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، الذي يُعدّ عاملًا مُساعداً و فَعّالًا، في عمليّة تهذيب وتربية النّفوس، يدعوهم إلى الإلتزام بالإنضباط الدّيني و الأخلاقي، من موقع النّصيحة و التّواصي بالحقّ.
«الآية السّابعة»:فرّقت بين المؤمنين و الكافرين، على مستوى السّلوك في واقع الحياة، فالمؤمنون يتّخذون من صفات جَماله و جَلاله، اسوةً لهم في مسيرتهم المعنويّة و الأخلاقيّة، و الكافرون اسوتهم الطّاغوت، حيث تكون أعمالهم و صفاتهم إنعكاس لأِعمال وَ صفات الطّاغوت، فقالت: «اللَّهُ وَلِىُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ».
فالخروج من الظّلمات إلى النّور، يعتبر نتيجةً و ثمرةً لِلإيمان باللَّه تعالى و ولايته، و الخروج من النّور إلى الظّلمات، هو من معطيات الطّاغوت و ولايته.
و النّور و الظّلمة هنا، لهما مفهومٌ واسعٌ جِدّاً، بحيث يستوعبان، جميع الفضائل و القبائح و الحسنات و السّيئات.
نَعم، فإنّ الشّخص الذي يعيش في أجواء المَلكوت، و في ظلّ ولاية «اللَّه»، فإنّه سيبدأ رِحلته و هِجرته، من الرّذائل إلى الفضائل و من القبائح إلى الجَمال الرّوحي، و من السّيئات إلى الحسنات، لأنّ صِفات جَماله و جَلاله، هي اسوته الحقّة في رحلته المعنويّة.
فذاته المُقدّسة، منزّهةٌ عن كلِّ عيبٍ و نقصٍ، و هو الرّؤوف الرّحيم، الجَواد الكَريم، و هكذا يتحرّك نحو التّحلي بالفضائل الأخلاقية الاخرى، لأنّ هدفه هو وِصال الَمحبوب و المَعبود.
و العَكس صحيحٌ، فإنّ الحركة من الفَضائل إلى الرّذائل هي من شأن عَبدَةِ الطّاغوت و الأَوثان، التي لا تنفع في شيءٍ أبداً.
«الآية الثّامنة»:خاطبت المؤمنين من موقع النّصيحة، بإلتزام طريق التّقوى و صحبة المؤمنين، و قالت: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ».
في الحقيقة أنّ الجملة الثّانية، في الآية الشّريفة: «كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ»، هي إكمال لِلجملة الاولى: «اتَّقُوا اللَّهَ ...».
نعم، فإنّه يتوجب على السّالك لِطريق التّقوى و الزّهد و الطهّارة، أن يكون مع الصّادقين و تحت ظلّهم، و قد وَرد في الرّوايات من الطّرفين: السنّة و الشّيعة، و في الكُتب المُعتبرة، أنّ المِصداق الأكمل لهذه الآية، هو الإمام علي عليه السلام، أو أهلَ بيته عليهم السلام.
و هذه الرّوايات، موجودةٌ في كتبٍ، مثل:«الدّر المَنثور لِلسَيوطي»و«المَناقب لِلخَوارِزمي»و«دُرَر السّمطين لِلزرندي»و«شَواهد التّنزيل للحَسَكاني»، و غيرها من الكُتب الاخرى[1].
و كِذلك أوردها:«الحافظ سُليمان القُندوزي»في«يَنابيع المَودّة»،و«العلّامة الحمويني»في«فَرائد السّمطين»،و«الشّيخ ابو الحَسن الكازروني»في«شَرف النّبي»[2].
و قد وَرد في بعض الأحاديث، و بعد نزول الآية الآنفة الذّكر، أنّ سلمان الفارسي رحمه الله، سأل الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، و قال له: هل أنّ هذه الآية عامّةٌ أو خاصّةٌ؟، فأجاب النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله:
«أَمّا المَأمُورُونَ فَعامَّةُ المُؤمِنِينَ وَأَمَّا الصَّادِقُونَ فَخَاصَّةُ أَخِي عَلِيٌّ وَ أَوصِيائُهُ مِنْ بَعْدِهِ إِلى يَومِ القِيامَةِ»[3].
[1]. لِلتفصيل يرجى الرجوع إلى كتب: «نفحات القرآن»، ج 9.
[2]. المصدر السابق.
[3]. ينابيع المودة، ص 115.
و من الطّبيعي فإنّ إتّباع الإمام علي عليه السلام و أوصياءه، جاريةٌ و مستمرةٌ إلى يومِ القيامة، للإهتداء بِهَديِهِم، و الإقتداء بفعالهم و أخلاقهم في حركة الحياة.
النّتيجة:
يُستفاد ممّا ذكر آنفاً، من الآيات التي إستعرضت مسألة«التّولّي و التّبرّي»،أنّ مسألة الوُصول إلى مرتبة القُرب من الذّات المقدّسة، و تولّي أولياءه من عباده الصّالحين، و التّبرّي من الظّالمين و الغاوين، و في كلمةٍ واحدةٍ:«الحُبُّ في اللَّهِ وَالبُغْضُ في اللَّهِ»، تعدّ من أهمِّ المسائل و المفاهيم، في دائرة التّعليمات القُرآنية، ولها دورها الكبير و أثرها العميق، في مُجمل المسائل الأخلاقيّة، في حركة الإنسان المعنويّة.
و هذا الأساس القرآني و المفهوم الإسلامي، له دورُه المُباشر في جميع المَسائل الحياتيّة، إن على المستوى الفَردي أو الاجتماعي، الدنيوي أو الاخروي، لا سِيّما في المسائل الأخلاقيّة و السّلوك الأخلاقي لِلأفراد، في تعاملهم و تَفاعلهم مع الآخرين، في حركة الحَياة و الُمجتمع.
فهذه المفردة العقائديّة، في دائرة المفاهيم الإسلاميّة، بإمكانها أن تبني نفوس المؤمنين على إتّباع الصّالحين و الطّاهرين، و إتخاذهم اسوة حسنة، خُصوصاً الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله و أهل بيته عليهم السلام، في كلّ خطوةٍ يخطوها الإنسان المُؤمن في خطّ الإيمان، و بذلك تكون من العوامل المهمّة، للوصول إلى الهدف الحقيقي من وراء خلقة الإنسان، ألا وَ هِيَ تهذيب النّفوس و تربية الفَضائل الأخلاقية في واقع النّفس البشريّة.
التولّي و التبرّي في الرّوايات الإسلاميّة:
وَردت أحاديثٌ مستفيضةٌ في هذا الصّدد، سواء عن طريق أهلِ السُّنة أو الشّيعة، و طَرحت موضوع التبرّي والتولّي بقوّةٍ، و أكّدت عليه بصورةٍ شديدةٍ، قلّما نَجِدُ لها نظيراً، بالنّسبة إلى المواضيع الاخرى.
ولا شَكَّ أنّ هذه الأهميّة، نابعةٌ من المعطيات الإيجابيّة الكِثيرة، لِمسألة التّولي لأِولياء اللَّه، والبراءة من أَعداءِه تعالى، حيث توثّق عُرى الإيمان و أواصِر المحبّة و الصّداقة، مع أولياء اللَّه تعالى، و تُعمّق حالةَ الإبتعاد و النّفور من الظّالمين الفاسقين، و تنعكس هذه النّتائج على إيمان الشّخص و أَخلاقه و تَقواه، من موقع القوّة و الصّفاء و الإمتداد في واقع الإنسان و محتواه الداخلي، و تحثّ هذه الأحاديث النّاس، على إختيار القُدوة الصّالحة في عمليّة السّير و السّلوك، في طريق اللَّه سبحانه وتعالى.
و نُشير هنا إلى مجموعةٍ من الأحاديث الشّريفة، في هذا المجال، جمعت من كُتبٍ مُختلفةٍ:
1-قال عليٌّ عليه السلام في خطبته القاصعة، و في وصفه للرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله:
«وَلَقَدْ قَرَنَ اللَّهُ بِهِ مِنْ لَدُنْ أَنْ كانَ فَطِيماً أَعَظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلائِكَتِهِ يَسْلُكُ بِهِ طِرِيقَ الَمكارِمِ وَمَحاسِنَ أَخلاقِ العالَمِ، لَيلَهُ وَ نَهارَهُ وَلَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ إِتِّباعَ الفَصِيلِ أَثَرَ امِّهِ يَرْفَعُ لي في كُلِّ يِومٍ مِنْ أَخلاقِهِ عَلَماً وَ يَأَمُرُني بِالإِقتِداءِ بِهِ»[1].
و يبيّن هذا الحديث، أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله نفسهُ كان له من يرشده و يهديه، ولديه القدوة الحسنة على شكل ملكٍ من ملائكة اللَّه العِظام.
و كذلك الإمام علي عليه السلام، جعل من الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله قدوةً له، فكان يتبعه في كلّ اموره وحركاته وسكناته، فيتعلم منه كلّ يوم أمراً جديداً، عِلماً مفيداً، و أخلاقاً نبيلةً.
فلّما كان كُلٌّ من الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و علي عليه السلام، يحتاجان إلى القُدوة الحسنة، في بداية المسير إلى اللَّه، فكيف بحال الباقين؟
2-الحديث المعروف: «بْنِيَ الإسلام ...»، الذي وَرد من طُرق متعدّدةٍ عن المَعصومين، و منها ما ورد عن زُرارة عن الباقر عليه السلام، أنّه قال:
«بُني الإِسلامُ عِلى خَمْسَةِ: عَلَى الصَّلاةِ وَالزَّكاةِ والحَجِّ وَالصِّومِ وَالولايَةِ»، قَالَ زُرارَةُ، فَقُلتُ: وَأَيُّ شَيءٍ مِنْ ذَلِكَ أَفْضَلُ؟، فَقالَ: الوَلايَةُ أَفْضَلُ لَانّها مِفتاحُهُنَّ وَالوالي هُوَ الدَّلِيلُ عَليهِنَّ»[2].
[1]. نهج البلاغة، الخطبة 192.
[2]. أصول الكافي، ج 2، ص 18.
و من هذا الحديث يُستفاد، أنّ الإقتِداء بالقُدوة الصّالحة، يعين الإنسان على إحياء سائر البرامج، الدينية و المسائل العباديّة الفردية و الإجتماعيّة، و هي إشادةٌ واضحةٌ بدور الولاية، في مسألة تهذيب النّفوس و تحصيل مكارم الأخلاق.
3-عن الإمام الصّادق عليه السلام: قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله لأصحابه:
«أيُّ عُرَى الإِيمانِ أَوثَقُ؟، فَقَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، وَ قَالَ بَعْضُهُم الصَّلاةِ، وَ قَالَ بَعْضُهُم الزَّكاةُ، وَقَالَ بَعْضُهُم الصِّيامُ، وَقَالَ بَعْضُهُم الحجُّ والعُمْرَةُ، وَقَالَ بَعْضُهُم الجِهادُ.
فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه و آله: لَكُلِّ ما قُلْتُم فَضْلٌ وَلَيسَ بِهِ، وَلَكِنْ أَوثَقُ عُرَى الإِيمانِ الحُبُّ فِي اللَّهِ وَالبُغْضُ فِي اللَّهِ وَتَوَلِّي أَولِياءِ اللَّهِ وَالتَّبَرِّي مِنْ أَعداءِ اللَّهِ»[1].
و قد حرّك الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، أذهان أصحابه بهذا السّؤال. و هكذا كانت سيرة الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، عندما كان يريد أن يطرح موضوعاً مهمّاً، فبعض منهم أبدى جهله، وبعض منهم قال الصّيام و ... ولكن في نفس الوقت، الذي أكّد رسول اللَّه على أهميّة تلك الامور في الإسلام، قال:«الحُبُّ فِي اللَّهِ وَالبُغْضُ فِي اللَّهِ».
و التّعبير بكلمة: «عُرى» جَمع «عُروة»، هي بمثابة حلقة الوصل لِلقرب من اللَّه تعالى، و إشارةٌ إلى أنّ السّلوك إلى اللَّه، لا يتمّ إلّامن خلال التمسّك بهذه العروة، و الصّعود بواسطتها إلى مراتب سامية من الكمال المعنوي، وليس ذلك إلّالأنّ الحبّ في اللَّه و الإقتداء بأولياء اللَّه، عاملٌ مهمٌّ في تسهيل الحركة في جميع إتّجاهات الخير و الصّلاح.
و بإحياء هذا الأصل، سوف تنتعش بقيّة الاصول الدّينيّة، ولكن مع إهماله وترك العمل به، فإنّ سائر الاصول ستَضعف و تَموت.
4-و في حديثٍ آخر عن الإمام الصّادق عليه السلام، أنّه قال لجابر الجُعفي رحمه الله:
«إِذا أَرَدتَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ فِيكَ خَيراً فَانظُرْ إِلى قَلْبِكَ فَإنْ كانَ يُحِبُّ أَهْلَ طاعَةِ اللَّهِ وَ يُبْغِضُ أَهْلَ مَعْصِيَتِهِ، فَفِيكَ خَيرٌ وَاللَّهُ يُحِبُّكَ، وَإِنْ كانَ يُبْغِضُ أَهْلَ طاعَةِ اللَّهِ وَ يُحِبُّ أَهْلَ مَعْصِيَتِهِ،
[1]. أصول الكافي، ج 2، ص 125، ح 6.
فَليسَ فَيكَ خَيرٌ، وَاللَّهُ يُبْغِضُكَ وَالمَرءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ»[1].
وَ جُملة:«والمَرء معَ من أحبّ»، هي إشارةٌ جميلةً و لطيفةً إلى هذه الحقيقة، و هي أنّ هذه العِلاقة ستمتد وتستمر إلى يوم القيامة، وهي دليلٌ واضحٌ على أهميّة مسألة «الوِلاية»، في المباحث الأخلاقيّة.
5-في حديثٍ آخر عن الإمام الباقر عليه السلام، قال: أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله قال:
«وُدُّ المُؤمِنِ لِلمُومِنِ فِي اللَّهِ مِنْ أَعْظَمِ شُعَبِ الإِيمانِ، أَلا وَمَنْ أَحَبَّ فِي اللَّهِ وَأَبْغَضَ فِي اللَّهِ وَأَعطى فِي اللَّهِ وَمنَعَ فِي اللَّهِ فَهُوَ مِنْ أَصفِياءِ اللَّهِ»[2].
6-في حديثٍ آخر عن الإمام علي بن الحسين عليه السلام، أنّه قال:
«إِذا جَمَعَ اللَّهِ عَزَّوَجَلَّ الأَوَّلِينَ وَ الآخَرِينَ، قامَ مُنادٍ فَنادى يُسْمِعُ النّاسَ، فَيَقُولُ: أَينَ المُتَحابُّونَ في اللَّهِ، قالَ: فَيَقُومُ عُنُقٌ مِنْ النّاسِ، فَيُقالُ لَهُم إِذْهَبُوا إِلَى الجَنَّةِ بِغَيرِ حِسابٍ، قَالَ: فَتَلَقَّاهُم المَلائِكَةُ فَيَقُولُونَ إِلى أَينَ؟ فَيَقُولُونَ إِلى الجَنَّةِ بِغَيرِ حِسابٍ!، قَالَ: فَيَقُولُونَ فَأَيُّ ضَرْبٍ أَنْتُم مِنْ النّاسِ؟، فَيَقُولُونَ نَحْنُ المُتَحابُونَ فِي اللَّهِ، قَالَ: فَيَقُولُونَ وَ أَيُّ شَيء كانَتْ أَعمالُكُم؟، قَالُوا كُنّا نُحِبُّ في اللَّهِ وَ نُبْغِضُ فِي اللَّهِ، قَالَ فَيَقُولُونَ، نِعْمَ أَجرُ العامِلِينَ»[3].
و تعبير«نِعْمَ أَجرُ العامِلِينَ»يبيّن أنّ المحبّة لأولياء اللَّه والبغض لأعداء اللَّه هو أكبر مصدر للخير في واقع الإنسان والحياة والمانع عن الشر والانحراف في مسيرة التكامل الأخلاقي.
7-وَرد في حديثٍ عن الرّسول الكريم صلى الله عليه و آله:
«إنَّ حَولَ العَرشِ مَنابِرٌ مِنْ نُورٍ، عَلَيها قَومٌ لِباسُهُم وَ وُجُوهُهُم نُورٌ، ليسُوا بِأَنْبِياءٍ يَغْبِطَهُمُ الأَنْبِياءُ وَ الشُّهَداءُ، قالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ حَلِّ لَنا، قَالَ: هُم المُتَحابُّونَ في اللَّهِ وَالمُتَجالِسُونَ فِي
[1]. اصول الكافى، ج 2، ص 126.
[2]. بحار الأنوار، ج 66، ص 240، ح 14.
[3]. بحارالأنوار، ج 66، ص 245، ح 19، اصول الكافي، ج 2، ص 126.