ولايتها»:(تستعمل هاتين الكلمتين عادة في أربع موارد: و لاء المحبة: (أي المحبّة لأهل البيت) عليهم السلام، و ولاء الإمامة، بمعنى التّأسي بالأئمّة عليهم السلام، و جعلهم القدوة لأعمالنا و سلوكيّاتنا، و ولاء الزّعامة، بمعنى حقّ القيادة الاجتماعيّة والسّياسية للأئمّة عليهم السلام، و ولاء التّصرف، أو الولاء الرّوحي و هو أسمى هذه المراحل).
و بعدها يوضّح الأوّل و الثّاني و الثّالث، ثمّ يعرج على المعنى الرّابع، الذي هو مورد بحثنا و يقول: (إنّ التّصرف الرّوحي والمعنوي، هو نوعٌ من القُدرة و التّسلط الخارق للتكوين، بمعنى أنّ الإنسان و من خلال عبوديّته الحقّة للَّهتعالى، يحصل على مقام القُرب الإلهي المعنوي و الرّوحي، و نتيجة لهذا القُرب، يصبح إنساناً كاملًا، يتحرك في طريق هداية الناس نحو المعنويات، و يتسلط على الضّمائر، وتكون له قدرة الشّهود على الأعمال، و بالتّالي يصير حُجّة اللَّه في زمانه!
فمن وجهَة نظر الشّيعة، أنّ كلّ زمان لا يخلو من إنسانٍ كاملٍ، يتمتع بقدرة التّصرف الغيبي في العالم والإنسان، و ناظرٌ و شاهدٌ على الأرواح والقلوب، وهذا الإنسان هو حجّةُ اللَّه على الأرض.
و المقصود من التّصرف، أو الولاية التكوينيّة، ليس كما يعتقد بعض الجهّال، من أن يتولى الإنسان الكامل، مسألة القَيوميّة و التدبير في العالم، بحيث يكون الخالق و الرّازق و المفوض، من جانب اللَّه تعالى.
و هذا الإعتقاد، رغم أنّه لا يعتبر شركاً، بل هو كما ورد في القرآن، بالنّسبة إلى الملائكة:
«المُدَبِّراتُ أَمرَاً وَالمُقَسِّماتِ أمراً»، فهو بإذن اللَّه تعالى، والقرآن يُخبرنا أنّ لا: نَنسب مسائل الخلقة و الرّزق والموت و الحَياة، إلى غير اللَّه تعالى.
ولكن المقصود، هو أنّ الإنسان الكامل، ولقربه من اللَّه تعالى، يصل إلى مرحلةٍ تكون له الولاية في التّصرف في: (بعض امور) العالم.
ثم يضيف قائلًا: ويكفي هنا أن نشير إشارةً إجماليةً إلى هذا المطلب، وتوضيح اسسه بالإعتماد و على المفاهيم و المعاني القرآنية، لِئلّا يعتقد البعض، أنّ هذا جزافاً من الكلام.
فلا شك أنّ مسألة الولاية، بمعناها الرّابع، هي من المسائل العرفانيّة، و مجرد كونها عرفانيّة، لا يعني نكرانها بالكامل.
ثمّ يشرح بإسهاب، معطيات القرب من اللَّه تعالى، و يستنتج منها، ما يلي:
فعلى هذا الأساس، من المحال على الإنسان، و بعد قربه و طاعتِه للَّهِ تعالى، ألّا يصل إلى مقام الملائكة، بل وأرقى، أو على الأقل يساوي الملائكة في مقامهم، الملائكة التي تدبّر و تتصرف في عالم الوجود، بإذن اللَّه تعالى»[1].
ويمكن أن نخرج من هذا الحديث بنتيجة، و هي أنّ العلاقة المعنويّة، و الإرتباط بالإنسان الكامل، يمكن أن يساعد الإنسان في عمليّة التّصرف، و النّفوذ في حياة الاناس المستعدّين والمتقبلين للإصلاح، وسوقهم تدريجياً في خطّ التّهذيب الأخلاقي، و إبعادهم من جو الرّذائل إلى جو الفضائل الأخلاقية والكمالات الروحيّة.
الاستغلال السّيء:
تتعرض المفاهيم البنّاءة و الصّحيحة، للُامم و الشّعوب في كلّ زمانٍ و مكانٍ للإستغلال و التّحريف دائماً، و هذا الإستغلال في الحقيقة لا يؤثر على صحة و قداسة أصل المسألة.
ولم تكن مسألة القدوة الأخلاقيّة في خطّ التربية و التّهذيب، و لزوم الإستفادة من الاستاذ العامّ و الخاصّ، لأجل السّلوك إلى اللَّه و تهذيب الأخلاق، مستثناة من هذا الأمر، فجماعةُ من الصّوفيّة طَرحوا أنفسهم، بعنوان: «مُرشد» أو «شيخ الطّريقة» و «القُطب»، و دعوا الناس لإتّباعهم و التّسليم المُطلق إليهم، بل و تعدّوا الحُدود، و قالوا إذا ما شاهدتم سلوكاً يصدر من الشّيخ، مخالفاً للشريعة، فلا عليك و لا ينبغي عليك الإعتراض، لأنّ ذلك يخالف روح التّسليم المُطلق للمرشد.
و يُستفاد ومن كلمات «الغزالي»، المؤيد للصّوفية، في فصولِ متعددّةٍ من كتابه «إحياء العلوم»، هذا المعنى أيضاً، حيث يُشمّ منها رائحة الصوفيّة، و الحقيقة أنّ فِرقاً من الصّوفية،
[1]. كتاب ولاءها و ولايتها، ص 56، و ما بعدها.
تعتبره من كبار أعلامها، فقد قال في الفصل (51) من الجزء الخامس، الباب الخامس:
(نَظَرُ الصّوفية إنّ أدب المريدين في مقابل شيوخهم هو، أن يجلس المريد مقابل الشّيخ مسلوب الإختيار، فلا يتصرف في نفسه وماله إلّابأمره ... و أفضلُ أدب المُريد أمام الشّيخ:
هو السّكوت و الخمود و الجمود، إلى أن يملي عليه شيخه، ما يراه له صلاحاً في أعماله و أفعاله ... و كلّما رآى من شيخه خِلافاً، و عسُر عليه فَهمه، تذكّر حكاية مُوسى و الخِضر عليهما السلام، فإنّ الخضر قد عمل أعمالًا أنكرها مُوسى، ولكن عندما كشف له الخِضر أسرارها إنتبه مُوسى، وعليه فكلّما فعل الشّيخ، كان له عُذراً بلسان العِلم و الحِكمة)[1].
و يقول العارف العّطار، في أحوال يوسف بن حسين الرّازي، عندما أمره ذو النّون المَصري: (مرشده)، الخُروج من بلدِه والعودة إلى دياره، طلب يوسف منه برنامجاً يعمل به، فقال له ذُو النّون: عليك بِنسيان ما قرأته، و امح كلّ ما كتبته، ليُزال الحِجاب!.
ونقل عن أبي سعيد، قوله للمُريدين:
«رَأسُ هذا الأمرِ، كَبْسُ الَمحابِرِ وَ خرَقُ الدَّفاتِر وَنِسيانِ العِلمِ»[2].
ونقل عن أحوال و حالات «أبو سعيد الكندي»، أنّه كان قد نزل في الخانقاه، و إجتمع عنده جمعٌ من الدّراويش، وكان يطلب العلم سرّاً، وفي يوم من الأيّام سقطت من جيبه محبرةٌ، فإنكشف سرّه: «و هو أنّه من هواة تحصيل العلم»، فقال له أحد الصّوفيين: (استر عليك عَورتك)[3].
ولا شك فإنّ الجو الحاكم هناك، كان نتيجةً لتعاليم مرشدهم في هذا الأمر، ولكنّ الحقيقة أنّ الاسلام قد أكّد على خلاف هذا المسلك، ففي الحديث الوارد عن الصّادق عليه السلام، عن الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، أنّه قال:«وُزِّنَ مِدادُ العُلَماءِ بِدِماءِ الشُّهدَاءِ، فَرُجّحَ مِدادُ العُلَماءُ عَلى دِماءِ الشُّهَدَاءِ»[4].
فانظر إلى الفرق بين المسلكين!!.
[1]. احياء العلوم، ج 5، ص 198- 210، (مع التلخيص).
[2]. أسرار التّوحيد، ص 32 و 33، طبعة طهران.
[3]. نقد العلم والعلماء، ص 317.
[4]. بحار الأنوار، ج 2، ص 16، ح 35.
و لأجل الإطّلاع على كيفيّة التّحريف و الإنزلاق في منحدر الإفراط و التّفريط، و كيف تنحرف مسألةٌ معينةٌ عن المنطق و الشّرع، لدى وقوعها بأيدي مَنْ لا أَهليّة له، على التّنظير في امور الدّين؟، و كيف تَتعرض للإستغلال و التّشويه، علينا إلقاء نظرة على كلام: «كيوان القِزويني المُلقّب ب منصور علي شاه»، حيث يُعتبر من أقطاب الصّوفية، فقد بيّن حدود و صلاحيّات القُطب، و قال:
«لِلقطب أن يدّعي عشرةَ خُصوصيّات:
1-أنّ عندي باطنُ الولاية التي كانت عند الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله ... مع فرقٍ واحدٍ هو، أنّه المؤسس وأنا المروّج والمدير والحارس!.
2-عندي القُدرة على تربية الأفراد، و تهذيب نفوسهم، و إزالة العناصر الخبيثة و الخصائص الشّريرة، في واقعهم ونزعها ونقلها إلى الكفّار.
3-أنا حرّ من قيود الطّبع و النّفس.
4-يجب أن تؤدى جميع عِبادات و مُعاملات المُريدين، بإجازةٍ و موافقةٍ منّي.
5-كلّ إسمٍ القّنه لِلمُريدين، و أجيزهم بذكره في القلب أواللّسان، يكون هو ذلك الإسم فقط هو اللَّه، ويسقط الباقي من درجة الإعتبار.
6-كلّ المعارف الدينيّة و العقائديّة، إن كانت قد حصلت بموافقتي، فهي صحيحة، وإلّا فهي عينُ الزّيف، و مَحض الخَطأ.
7-أنا مفترضُ الطّاعة، و لازمُ الخِدمة، و لازم الحفظ.
8-أنا حرٌّ في عقائدي.
9-أنا ناظرٌ للأحوال القَلبيّة لمريديّ دائماً.
10-أنا قسيم النّار والجنّة[1].
هذا الكلام أشبهُ بالهَذيان منه إلى البَحث المَنطقي، رغم أنّه قد لا يقبله أغلب الصّوفيين، ولكن مجرد أنّه يرى نفسه بِعنوان: «قُطب»، و إدّعائه أن للأقطابِ، إختياراتٌ و صلاحيّاتٌ لم
[1]. إستوار نامه، ص 95- 106، (مع التّلخيص).
يدّعيها حتى الأنبياء لأنفسهم، فإن ذلك يكفي، في تبيان مدى إستغلال هؤلاء المدّعين، لمثل هذه العناوين الضّبابيّة و حاجة الناس للمعلم، في أمر السّير و السّلوك إلى اللَّه تعالى، و ما يمكن أن يترتّب على ذلك، من عواقبٍ سلبيّةٍ على مستوى، سَوقِ النّاس في خَطّ الباطل.
فهذه الإدّعاءات، بعض منها من خواصّ الأنبياء، والاخرى لم يجرء على ادّعائها أحد من الأنبياء والأئمّة عليهم السلام، و أيّ شخصٍ له قليلٌ من الإلمامٌ بالدّين، سيتوجه إلى فَضاعةِ الأمرِ و خُطورته.
و إذا ما رَجعنا إلى كُتب أهل التّصوف، مثل،«تَذكرة الأَولياء»لِلشيخ العَطار، و«تاريخ التّصوف»، و«نفحات الانس»، و بعض أبحاث«إحياء العُلوم»، نرى أنّ الإدّعاءات و الخُصوصيّات التي يضعوها لِلأقطاب، و شيخُ طريقتهم: فضيعةٌ، و لذلك فإنّ بعض مُحقّقي الشّيعة وفقهائهم، و قفوا بِشدّةٍ و قوّةٍ، مقابل هذه الطّائفة، حتى أنّ هذا الموقف تسبّب بإيذاء بعض الّذين يتعاملون مع المفاهيم الدينيّة، من موقع الجهل و السطحيّة، لكن الحقيقة أنّ المثقفين و المطّلعين، يعلمون أنّ إطلاق العِنان لمثل هذه الأفكار المُنحرفةُ من شأنه أن يَقضي، على فُروعِ و اصولِ الدّين الحَنيفِ بصورةٍ كاملةٍ.
نَصل هُنا و إيّاكم إلى نِهاية أبحاثنا، عن كلّيات المسائل الأخلاقيّة، في ظلّ الآيات القرآنية، أبحاثٌ تعتبر الأساس و القاعدة الّتي يقومُ عليها صَرحُ الأخلاق و تهذيب النّفوس، و تفتحُ أمامنا أبواب المباحثِ المستقبليّة، حول مصاديق الرّذائل و الفضائِل، واحدةً بعد اخرى.
إلهنا!:
«إنّ الوصول إلى أوج الفضائل الأخلاقيّة و الحياة، في أجواء القُرب منك، لا تُستطاع إلّا بتَوفيقك و تَسديدِك، فَأعنّا بعونَك، وجُد علينا بفضلك، وَ قرّبنا مِنك، و اجعلنا من أصحاب النّفوس المطمئنّة، لندخل فيمن يقعونَ مَورداً لخطابك،: «فَادْخُلي فِي عِبَادِي* وَ ادْخُلي جَنَّتي».
رَبّنا!:
إنّ حَبائلَ الشّيطانِ قويّةٌ، و سهامَه مَهلكةٌ، وهوى النّفس عدوٌّ لا يرحم، و رذائل- النّفس كالأشواك تُوخز الرّوحَ و تُؤذيها، و لا يُنجينا من ذلك كلّهُ إلّاعنايتُك الخاصّة و لطفُك الخَفي.
ربّنا!:
إننا نُسلّمُ الأمرَ إليكَ في خِتام حديثنا، و نقرأ الدّعاء المعروفَ الواردَ عن الرّسول الكريم صلى الله عليه و آله، و نقول: «اللَّهُمَّ لا تَكِلنِي إِلى نَفْسِي طَرفَةَ عِينٍ أَبَداً»[1].
تمّ والحمد للَّه
الجزء الأول
من كتاب الأخلاق في القرآن
في 24/ 3/ 1376 ه. ش المصادف 8/ صفر 1418 ه. ق
[1]بحار الأنوار، ج 18، ص 204.