و لأجل الإطّلاع على كيفيّة التّحريف و الإنزلاق في منحدر الإفراط و التّفريط، و كيف تنحرف مسألةٌ معينةٌ عن المنطق و الشّرع، لدى وقوعها بأيدي مَنْ لا أَهليّة له، على التّنظير في امور الدّين؟، و كيف تَتعرض للإستغلال و التّشويه، علينا إلقاء نظرة على كلام: «كيوان القِزويني المُلقّب ب منصور علي شاه»، حيث يُعتبر من أقطاب الصّوفية، فقد بيّن حدود و صلاحيّات القُطب، و قال:
«لِلقطب أن يدّعي عشرةَ خُصوصيّات:
1-أنّ عندي باطنُ الولاية التي كانت عند الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله ... مع فرقٍ واحدٍ هو، أنّه المؤسس وأنا المروّج والمدير والحارس!.
2-عندي القُدرة على تربية الأفراد، و تهذيب نفوسهم، و إزالة العناصر الخبيثة و الخصائص الشّريرة، في واقعهم ونزعها ونقلها إلى الكفّار.
3-أنا حرّ من قيود الطّبع و النّفس.
4-يجب أن تؤدى جميع عِبادات و مُعاملات المُريدين، بإجازةٍ و موافقةٍ منّي.
5-كلّ إسمٍ القّنه لِلمُريدين، و أجيزهم بذكره في القلب أواللّسان، يكون هو ذلك الإسم فقط هو اللَّه، ويسقط الباقي من درجة الإعتبار.
6-كلّ المعارف الدينيّة و العقائديّة، إن كانت قد حصلت بموافقتي، فهي صحيحة، وإلّا فهي عينُ الزّيف، و مَحض الخَطأ.
7-أنا مفترضُ الطّاعة، و لازمُ الخِدمة، و لازم الحفظ.
8-أنا حرٌّ في عقائدي.
9-أنا ناظرٌ للأحوال القَلبيّة لمريديّ دائماً.
10-أنا قسيم النّار والجنّة[1].
هذا الكلام أشبهُ بالهَذيان منه إلى البَحث المَنطقي، رغم أنّه قد لا يقبله أغلب الصّوفيين، ولكن مجرد أنّه يرى نفسه بِعنوان: «قُطب»، و إدّعائه أن للأقطابِ، إختياراتٌ و صلاحيّاتٌ لم
[1]. إستوار نامه، ص 95- 106، (مع التّلخيص).
يدّعيها حتى الأنبياء لأنفسهم، فإن ذلك يكفي، في تبيان مدى إستغلال هؤلاء المدّعين، لمثل هذه العناوين الضّبابيّة و حاجة الناس للمعلم، في أمر السّير و السّلوك إلى اللَّه تعالى، و ما يمكن أن يترتّب على ذلك، من عواقبٍ سلبيّةٍ على مستوى، سَوقِ النّاس في خَطّ الباطل.
فهذه الإدّعاءات، بعض منها من خواصّ الأنبياء، والاخرى لم يجرء على ادّعائها أحد من الأنبياء والأئمّة عليهم السلام، و أيّ شخصٍ له قليلٌ من الإلمامٌ بالدّين، سيتوجه إلى فَضاعةِ الأمرِ و خُطورته.
و إذا ما رَجعنا إلى كُتب أهل التّصوف، مثل،«تَذكرة الأَولياء»لِلشيخ العَطار، و«تاريخ التّصوف»، و«نفحات الانس»، و بعض أبحاث«إحياء العُلوم»، نرى أنّ الإدّعاءات و الخُصوصيّات التي يضعوها لِلأقطاب، و شيخُ طريقتهم: فضيعةٌ، و لذلك فإنّ بعض مُحقّقي الشّيعة وفقهائهم، و قفوا بِشدّةٍ و قوّةٍ، مقابل هذه الطّائفة، حتى أنّ هذا الموقف تسبّب بإيذاء بعض الّذين يتعاملون مع المفاهيم الدينيّة، من موقع الجهل و السطحيّة، لكن الحقيقة أنّ المثقفين و المطّلعين، يعلمون أنّ إطلاق العِنان لمثل هذه الأفكار المُنحرفةُ من شأنه أن يَقضي، على فُروعِ و اصولِ الدّين الحَنيفِ بصورةٍ كاملةٍ.
نَصل هُنا و إيّاكم إلى نِهاية أبحاثنا، عن كلّيات المسائل الأخلاقيّة، في ظلّ الآيات القرآنية، أبحاثٌ تعتبر الأساس و القاعدة الّتي يقومُ عليها صَرحُ الأخلاق و تهذيب النّفوس، و تفتحُ أمامنا أبواب المباحثِ المستقبليّة، حول مصاديق الرّذائل و الفضائِل، واحدةً بعد اخرى.
إلهنا!:
«إنّ الوصول إلى أوج الفضائل الأخلاقيّة و الحياة، في أجواء القُرب منك، لا تُستطاع إلّا بتَوفيقك و تَسديدِك، فَأعنّا بعونَك، وجُد علينا بفضلك، وَ قرّبنا مِنك، و اجعلنا من أصحاب النّفوس المطمئنّة، لندخل فيمن يقعونَ مَورداً لخطابك،: «فَادْخُلي فِي عِبَادِي* وَ ادْخُلي جَنَّتي».
رَبّنا!:
إنّ حَبائلَ الشّيطانِ قويّةٌ، و سهامَه مَهلكةٌ، وهوى النّفس عدوٌّ لا يرحم، و رذائل- النّفس كالأشواك تُوخز الرّوحَ و تُؤذيها، و لا يُنجينا من ذلك كلّهُ إلّاعنايتُك الخاصّة و لطفُك الخَفي.
ربّنا!:
إننا نُسلّمُ الأمرَ إليكَ في خِتام حديثنا، و نقرأ الدّعاء المعروفَ الواردَ عن الرّسول الكريم صلى الله عليه و آله، و نقول: «اللَّهُمَّ لا تَكِلنِي إِلى نَفْسِي طَرفَةَ عِينٍ أَبَداً»[1].
تمّ والحمد للَّه
الجزء الأول
من كتاب الأخلاق في القرآن
في 24/ 3/ 1376 ه. ش المصادف 8/ صفر 1418 ه. ق
[1]بحار الأنوار، ج 18، ص 204.