بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 8

1- أهميّة الأبحاث الأخلاقيّة

تنويه:

هذا البحث يعدّ من أهم الأبحاث القرآنيّة، ويعتبر من أهمّ أهداف الأنبياء كذلك، إذ لولا الأخلاق، لما فهم الناس الدّين و لَما إستقامت دنياهم: و كما قال الشّاعر:

وإنما الامم الأخلاق ما بَقيتْ‌

فإن هُمُ ذهبت أخلاقهم ذَهبوا

فلا يُعتبر الإنسان إنساناً إلّاباخلاقه، و إلّاسوف يصبح حيواناً ضارياً كاسراً، يحطّم و يكتسح كلّ شي‌ء، وخصوصاً و هو يتمتّع بالذّكاء الخارق، فيثير الحروب الطّاحنة، لغرض الوصول لأهدافه الماديّة غير المشروعة، ولأجل أن يبيع سلاحه الفتّاك، يزرع بذور الفُرقة و النّفاق ويقتل الأبرياء!

نعم، يمكن أن يكون متمدّناً في الظّاهر، إلّاأنّه لا يقوم له شي‌ء، و لا يميّز الحلال من الحرام، ولا يفرّق بين الظّلم و العدل، و لا الظّالم و المظلوم!

بعد هذه الإشارة نعرّج على‌ القرآن الكريم لنستوحي من آياته الكريمة التالية، تلك الحقيقة:

1-«هُوَ الَّذي بَعَثَ في الامّيينَ رَسُولًا مِنْهُم يَتلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ‌


صفحه 9

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة


صفحه 10

الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبينٍ»[1].

2-«لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمؤْمِنينَ اذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبينٍ»[2].

3-«كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُم يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ»[3].

4-«رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ وَالحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ العَزيزُ الْحَكِيمُ»[4].

5-«قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها* وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها»[5].

6-«قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى‌* وَذَكَرَ اسْمَ ربِّهِ فَصَلّى‌»[6].

7-«وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلّهِ»[7].

الآيات الأربع الأُول: تقرّر حقيقةً واحدةً، ألا و هي، أنّ إحدى‌ الأهداف المهمّة، لبعثة النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله، هو تزكية النّفوس و تربيّة الإنسان، و بلورة الأخلاق الحسنة، في واقعه الوجداني، بحيث يمكن أن يقال: إنّ تلاوة الآيات وتعليم الكتاب والحكمة التي أشارت إليها الآية المباركة الاولى‌، يعُد مقدمة لمسألة تزكية النّفوس وتربية الإنسان، والذي بدوره يشكّل الغاية الأساسيّة لعلم الأخلاق.

ولأجل ذلك يمكن تعليل تقدم كلمة: «التزكية»، على: «التعليم»، في الآيات الثلاث، من حيث إنّ «التّزكية» هي الهدف والغاية النهائيّة، وإن كان «التّعليم» من الناحية العمليّة مقدمٌ‌

[1]. سورة الجُمعة، الآية 2.

[2]. سورة آل عمران، الآية 164.

[3]. سورة البقرة، الآية 151.

[4]. سورة البقره، الآية 129.

[5]. سورة الشّمس: الآيات 9 و 10.

[6]. سورة الأعلى‌: الآيات 14 و 15.

[7]. سورة لقمان، الآية 12.


صفحه 11

عليها.

وإن نظرنا«للآية الرابعة»:من بحثنا هذا، و تقديمها لكلمة التّعليم على‌ التّزكية، فهي ناظرةٌ إلى المسألة من حيث الترتب العملي الطبيعي لها، بإعتبار أنّ التّعليم مقدمةٌ «للتربية و التّزكية».

ولهذا نرى‌ أنّ الآيات الأربع الاولى‌، كلّ منها تنظر إلى‌ المسألة من منظارها الخاص.

وليس بعيداً إحتمال رأيٌ آخر، من التّفسير في الآيات المباركة الأربع، وهو أنّ الغرض، من التّقديم و التّأخير الحاصل لهذين الكلمتين: (التّربية والتعليم)، بإعتبار أنّ إحداها تؤثّر في الاخرى‌، يعني كما أنّ التعليم الصّحيح يكون سبباً في الصّعود بالأخلاق، و تزكية النّفوس، تكون تزكية النفوس هي الاخرى‌ مؤثّرة في رفع المستوى‌ العلمي، لأنّ الإنسان بوصوله للحقيقة العلميّة، يكون قد تطهر من «العناد» و «الكِبر» و «التّعصب الأعمى‌»، حيث تكون الأخيرة مانع من التّقدم العلمي، ومعها سوف يُران على‌ قلبه على‌ حد تعبير القرآن الكريم، ولن يرى‌ الحقيقة كما هي في الواقع.

ويمكن الإشارة الى نكات اخرى‌ في الآيات الكريمة الأربعُ:

الآية الاولى‌:تشير إلى‌ أنّ بعث رسول يُعلِّم الأخلاق، هي من علامات حضور الباري تعالى‌ في واقع الإنسان لتفعيل عناصر الخير في وجدانه، و أنَّ النقطة المعاكسة (للتربية والتعليم) هي الضّلال المبين، فهي تبين مدى‌ إهتمام القرآن الكريم بالسلوك الأخلاقي للإنسان في حركة الحياة.

الآية الثّانية:نجد فيها أن إرسال رسول يُزكيهم و يُعلّمهم الكتاب و الحكمة، هي من المنن و المواهب الإلهيّة العظيمة، التي منّ اللَّه بها علينا، وهي دليل آخر على‌ أهميّة الأخلاق.

الآية الثّالثة:وهي الآية التي نزلت بعد آيات تغيير القبلة، من القدس الشّريف إلى‌ الكعبة المشرّفة، حيث عُدَّ هذا التغيير من النّعم الإلهيّة الكبرى‌، وأنّ هذه النعمة هي كإرسال الرسول للتعليم والتّزكية وتعليم الإنسان اموراً لم يكن يعلمها ولن يتمكن من الوصول إليها إلّاعن طريق الوحي الإلهي‌[1].

[1]. ففي جملة: «ويعلّمكم ما لم تكونوا تعلمون»، إشارةً إلى‌ أنّ الوصول إلى‌ هذا العلم، لا يمكن الّا بالوَحي.


صفحه 12

الآية الرّابعة:تتحدث عن أنّ إبراهيم الخليل عليه السلام، و بعد إكماله لبناء الكعبة، طلب من الباري تعالى‌: أن يخلق من ذريّته امّةً مسلمةً؛ و أن يبعث فيهم رسولًا من ذريّته، ليزكّيهم في دائرة التربية الأخلاقيّة، و يعلّمهم الكتاب والحكمة.

الآية الخامسة:نجد أن القرآن الكريم، وبعد ذكر أحدَ عشرَ قَسَماً مهماً، وهي من أطول الأقسام في القرآن،- قسماً بالشّمس و القمر و النّجوم و النفس الإنسانية-، و بعد ذلك قال:

«قد أفلح من زكّاها وقد خاب من دسّاها».

وهذا التأكيد المتكرّر و الشّديد في هذه الآيات، يدلّ على أنّ القرآن الكريم، يولّي أهميّةً بالغةً لمسألة الأخلاق، و أنّ التّزكية هي الهدف الأهم للإنسان، و تكمن فيها كلّ القيم الإنسانيّة، بحيث تكون نجاة الإنسان بها.

ونفس المعنى‌ أعلاه ورد في:«الآية السّادسة»، و اللّطيف فيها أَنّ ذكر التّزكية جاء قبل الصلاة، و ذكر اللَّه تعالى، إذ لولا التّزكية و صفاء الرّوح لا يكون للصّلاة معنى‌، و لا لذكر اللَّه.

وجاء في‌«الآية الأخيرة»،ذكر لُقمان الحكيم، حيث عبّر عن علم الأخلاق بالحكمة، فقال:

«وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ آشْكُرْ لِلَّهِ».

وبالنّظر للآيات الشّريفة، نرى‌ أنّ خصوصيّة: «لقمان الحكيم»، هي تربية النّفوس والأخلاق، ومنها يتّضح أنّ المقصود من الحكمة هنا، هو الحكمة العمليّة و تعاليمها المؤدّية إليها، و بعبارة اخرى‌ يعني: «التّعليم» لأجل «التّربية».

ويجب الإنتباه و كما ذكرنا مراراً، إلى أنّ أصل معنى‌ «الحكمة» هو لجام الفرس، وبعدها أطلقت على‌ كلّ شي‌ء رادعٍ، و بإعتبار أنّ العلوم والفضائل الأخلاقيّة، تردع الإنسان عن الرّذائل فأطلقت عليها هذهِ الكلمة.

النّتيجة:

نستوحي من هذهِ الآيات، الإهتمام الكبير للقرآن الكريم بالمسائل الأخلاقيّة وتهذيب‌


صفحه 13

النفوس، بإعتبارها مسألةً أساسيّةً، تنشأ منها وتبتني عليها جميع الأحكام والقوانين الإسلاميّة، فهي بمثابة القاعدة الرّصينة و البناء التحتي، الذي يقوم عليه صرح الشّريعة الإسلاميّة.

نعم إنّ التّكامل الأخلاقي للفرد و المجتمع، هو أهم الأهداف التي تعتمد عليه جميع الأديان السّماوية، إذ هو أساس كلّ صلاحٍ في المجتمع، و وسيلةٍ رادعةٍ لمحاربة كلّ أنواع الفساد و الإنحراف، في واقع الإنسان و المجتمع البشري في حركة الحياة.

والآن نعطف نظرنا إلى الروايات الإسلاميّة، لنرى أهميّة هذه المسألة فيها:

أهميّة الأخلاق في الرّوايات الإسلاميّة:

لقد أولت الأحاديث الشّريفة لهذه المسألة أهمية بالغةً سواء كانت في الروايات الواردة عن الرّسول الأعظم صلى الله عليه و آله، أم عن طريق الأئمّة المعصومين عليهم السلام، ونورد بعضاً منها:

1-الحديث المعروف عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله:

«إِنّما بُعثتُ لأُتمَمَ مكارمَ الأخلاقِ»[1].

وجاء في حديثٍ آخر:«إنّما بُعثتُ لأُتمَمَ حُسنَ الأخلاقِ»[2].

وجاء في آخر:«بُعثتُ بمكارمِ الأخلاقِ ومحاسِنها»[3].

ونرى‌ أن كلمة «إنّما» تفيد الحصر، يعني أنّ كلّ أهداف بعثة الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، تتلخص في التّكامل الأخلاقي.

2-وجاء في حديثٍ عن أمير المؤمنين عليه السلام، حيث قال:

«لَو كُنّا لا نَرجو جنّةً ولا ناراً ولا ثواباً ولا عِقاباً، لكان يَنبغي لَنا أن نُطالِبَ بِمكارمِ الأخلاقِ فإنّها ممّا تَدُلُّ على‌ سبيلِ النجاحِ»[4].

[1]. كنز العمّال: ج 3، ص 16، ح 52175.

[2]. المصدر السابق، ح 5218.

[3]. بحار الأنوار: ج 66، ص 405.

[4]. مستدرك الوسائل، ج 2، ص 283 الطبعة القديمة.


صفحه 14

يبيّن لنا هذا الحديث أهمية الأخلاق وفضائلها، إذ هي ليست سبباً في النجاة في الاخرى‌ فقط، بل هي سبب لصلاح الدّنيا أيضاً، (وسنتناول هذا البحث مفصّلًا في القريب العاجل إن شاء اللَّه تعالى‌).

3-الحديث الآخر الذي ورد عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، حيث قال:

«جَعَلَ اللَّهُ سُبحانَهُ مكارمَ الأخلاقِ صِلةً بينه وبين عبادِهِ فحسب أَحدِكُم أَن يتمسّكَ بخُلقٍ مُتَّصلٍ باللَّهِ»[1].

و بعبارةٍ اخرى:أنّ الباري تعالى هو المعلم الأكبر للأخلاق، و هو مربّي النّفوس، ومصدر لكلّ الفضائل، والقرب منه تعالى‌ لا يتمّ إلّابالتّحلي بالأخلاق الإلهيّة.

وعلى‌ هذا نرى‌ أنّ كلّ فضيلةٍ يتحلى‌ بها الإنسان، تؤدي إلى تعميق العلاقة بينه‌وبين ربّه، و تقربه من الذّات المقدّسة أكثر فأكثر.

وحياة المعصومين عليهم السلام كلّها تبيّن هذهِ المسألة، فإنّهم كانوا دائماً يدعون إلى الأخلاق، و التّحلي بالفضائل، و هم القُدوة الحسنة في سلوك هذا الطريق، وسنتطرق في المستقبل إلى نماذج من أخلاقيّاتهم عليهم السلام، ويكفي شرفاً للرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، أنّ اللَّه تعالى نعته في سورة القَلم:

«وإِنَّكَ لَعَلى‌ خُلُقٍ عَظِيْمٍ».[2]

إشارات مهمة:

1- تعريف علم الأخلاق‌

أخلاق‌جمع‌خُلق‌(على وزن قُفل)، وخُلُق‌على وزن افُق، وعلى حد تعبير الرّاغب في كتابه المفردات، أنّ هاتين الكلمتين ترجعان إلى أصلٍ واحدٍ، و هو«خلق»بمعنى‌ الهيئة والشّكل الذي يراه الإنسان بعينه، والخُلق بمعنى‌ القوى‌ و السّجايا الذاتية للإنسان.

ولذا يمكن القول بأنّ: «الأخلاق هي مجموعة الكمالات المعنويّة و السّجايا الباطنيّة

[1]. تنبيه الخواطر، ص 362.

[2]. سورة القلم، الآية 4.


صفحه 15

للإنسان»، و قال بعض العلماء: إنّ الأخلاق أحياناً تُطلق على العمل و السّلوك، الذي ينشأ من الملكات النفسانية للإنسان أيضاً، (فالأولى الأخلاق الصفاتية والثانية السلوكيّة).

ويمكن تعريف الأخلاق من آثارها الخارجيّة أيضاً، حيث يصدر أحياناً من الإنسان فعل إعتباطي ولكن عندما يتكرّر ذلك العمل منه: (مثل البخل وعدم مساعدة الآخرين)، يكون دليلًا على أنّ ذلك الفعل يمدّ جذوره في أعماق روح ذلك الإنسان، تلك الجذور تسمى بالخُلق والأخلاق.

وفي ذلك قال‌«ابن مِسكَوَيه»،في كتاب‌«تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق»: إنّ الخُلق هو تلك الحالة النفسانيّة التي تدعو الإنسان، لأفعالٍ لا تحتاج إلى تفكّر و تدبّر»[1].

وهو نفس ما إشار إليه المرحوم‌الفيض الكاشاني‌في كتاب‌«الحقائق»، حيث يقول: «إعلم أنّ الخُلق هو عبارة عن هيئة قائمة في النفس، تصدر منها الأفعال بسهولة من دون الحاجة إلى تدبّر وتفكّر»[2].

وعليه قسمّوا الأخلاق إلى قسمين: الملكات التي تنبع منها الأعمال و السّلوكيات الحسنة وتسمى‌ «الفضائل»، واخرى‌ تكون مصدراً للأعمال والسلوكيات السّيئة و تسمى الرذائل.

ومن هنا يمكن أن نعرّف علم الأخلاق بأنّه: «علمً يُبحَث فيه عن المَلكات و الصّفات الحسنة والسيئة وآثارها وجذورها».

وبعبارة اخرى‌: «علمٌ يُبحَث فيه عن اسس إكتساب هذهِ الصفات الحسنة، و طُرق محاربة الصّفات السّيئة، و آثارها على الفرد والمجتمع».

طبعاً وكما ذكرنا سابقاً، يُطلق على الأعمال و الأفعال النّابعة من هذهِ الصفات أحياناً«الأخلاق»،فمثلًا الشّخص الذي يعيش في حالةٍ من الغضب والحدّة دائماً، يقال عنه بأنّه ذو أخلاقٍ رديئةٍ، وبالعكس عندما يكون الشّخص كريماً، فيقولون أنّ الشّخص الفلاني يتحلى بأخلاقٍ طيِّبةٍ، وفي الحقيقة أن هذين الإثنين هما عِلّة ومعلول للآخر، بحيث، يطلق إسم أحداهما على الآخر.

[1]. تهذيب الأخلاق، ص 51.

[2]. الحقائق، ص 54.