والتهيئة وضدّها البغي؛
والنّظافة وضدّها القذر؛
والحياء وضِدّه الجلع؛
والقصد وضدّه العدوان؛
والرّاحة وضدّها التّعب؛
والسّهولة وضدّها الصّعوبة؛
والبركة وضدّها المحق؛
والعافية وضدّها البلاء؛
والقوام وضدّه المكاثرة؛
والحكمة وضدّها الهواء؛
والوقار وضدّه الخفّة؛
والسّعادة وضدّها الشّقاوة؛
و التّوبة وضدّها الإصرار؛
والإستغفار و ضدّه الإغترار؛
والمحافظة وضدّها التّهاون؛
و الدّعاء و ضدّه الإستنكاف؛
والنّشاط و ضدّه الكسل؛
والفرح وضدّه الحُزن؛
والالفة وضدّها الفُرقة؛
والسخاء و ضدّه البخل؛
فلا تجتمع هذه الخصال كلّها من أجناد العقل، إلّافي نبيّ أو وصيّ نبي، أو مؤمن قد إمتحن اللَّه قلبه للإيمان، وأمّا سائر ذلك من موالينا فإنّ أحدهم لا يخلو من أن يكون فيه بعض هذه الجنود حتّى يستكمل، وينفي من جنود الجهل. فعند ذلك يكون في الدرجة
العليا مع الأنبياء و الأوصياء؛ و إنّما يُدرك ذلك بمعرفة العقل وجنوده، وبمجانبة الجهل وجنوده. وفّقنا اللَّه وإيّاكم لطاعته ومرضاته»[1].
فالحديث أعلاه، حديث جامع لُاصول و فروع الأخلاق الإسلامية، وبحثها بعض المؤلّفين والكتّاب في كتبٍ مستقلةٍ.
2-نقرأ في الكلمات القصار للإمام علي عليه السلام، في نهج البلاغة، عندما سُئل الإمام عليه السلام عن الإيمان، (يتبيّن من ذيل الحديث، أنّ المقصود من الإيمان هو الإيمان العلمي والعملي، الذي يشمل الاصول الأخلاقيّة).
أجاب الإمام عليه السلام:
«الإيمانُ عَلَى أَربَعِ دَعائِمَ، عَلَى الصَّبْرِ واليَقِينِ وَالعَدلِ وَالجِهادِ».
ثم أضاف قائلًا:«والصَّبرُ مِنْها عَلَى أَربَعِ شُعَبٍ، عَلَى الشَّوقِ وَالشَّفَقِ وَالزُّهدِ وَالتَّرَقُبِ».
(الإشتياق للجنّة والمنح الإلهيّة، و الخوف من العقاب و النّار، دافعٌ للأعمال الصّالحة ورادع عن السيئات). و الزّهد بالدنيا وزبرجها يهوّن المصائب، و إنتظار الموت و نهاية الحياة، تحثّ الإنسان لِفعل الأعمال الصّالحة.
وبعدها يضيف عليه السلام:
«واليَقِينُ مِنها عَلَى أَربَعِ شُعَبٍ، عَلى تَبصِرَةِ الفِطْنَةِ وَتَأَوُّلِ الحِكْمَةِ وَمَوعِظَةِ العِبرَةِ وَسُنَّةِ الأَوَّلِينَ».
ثمّ أضاف عليه السلام:
«وَالعَدْلُ مِنها عَلَى أَربَعِ شُعَبٍ، عَلَى غَائِصِ الفَهمِ، وَغَورِ العِلمِ، وَزُهْرَةِ الحُكْمِ، وَرَساخَةِ الحِلْمِ».
وقال عليه السلام خِتاماً:
[1]. أصول الكافي، ج 1، ص 20 إلى 23، ح 14.
«وَالجِهادُ مِنها عَلَى أَربَعِ شُعَبٍ، عَلَى الأمرِ بِالمَعرُوفِ والنَّهِي عَنِ المُنكَرِ، والصِّدقِ فِي المَواطِنِ، وَشَنآنِ الفَاسِقِينَ».
وبعدها يبيّن شعب الكفر، و يشرحها واحداً تَلْو الآخر[1].
فكما تلاحظون أنّ الإمام علي عليه السلام، رسم الاصول الإسلامية للإيمان والكفر، بدقّةٍ متناهيةٍ، و آثارها في المحتوى الداخلي للإنسان و على سلوكه الخارجي، و التي تشمل الأخلاق العمليّة، فذكر لكلّ فرعٍ، فرعاً آخر، وتحليل هذه الجزئيات يتطلب كتابة مقالة اخرى.
3-نقرأ في حديثٍ آخر عن الإمام علي عليه السلام:
«أَربَعٌ مَنْ اعطِيهُنَّ فَقَدْ اوتِيَ خَيرَ الدُّنيا والآخِرَةِ، صِدقُ حَدِيثٍ وَأَداءُ أَمانةٍ، وَعِفَّةُ بَطنٍ وَحسنُ خُلُقٍ»[2].
4-- وجاء في حديثٍ آخر عن الإمام الصادق عليه السلام، في نفس هذا المعنى، بتلخيصٍ أكثر، حيث جاء إليه أحد الأشخاص، و طلب منه أن يُعلّمه أمراً يكون فيه خير الدنيا و الآخرة، و بشكلٍ موجز، فقال الإمام عليه السلام في معرض جوابه:«لا تِكْذِب تَكِذْبَ»[3].
و الحقيقة هي كذلك، لأنّ جذور كلّ الفضائل تمتد إلى حديث الصّدق، فالإنسان لا يكذب على الناس ولا على نفسه ولا على اللَّه تعالى، وعندما يقول في صلاته: «إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَستَعِينُ»، ينبغي أن لا يكون فيها كاذباً أبداً، بل يبتعد عن كلّ ما هو شيطاني، و هوى النفس، وتكون حركته في دائرة خضوعه وتسليمه للَّهفقط، ولا يعتمد على المال والجاه والقدرة والمقام، ويترك ما سوى اللَّه تعالى و يكون إعتماده الأوّل و الأخير على لطف اللَّه تعالى ومعونته، فإذا أصبح الإنسان كذلك، فسوف يعيش الحياة المعنويّة في جميع فروع واصول الأخلاق.
[1]. الكلمات القصار، نهج البلاغة، الكلمة 31 (مع التلخيص) وكذلك في اصول الكافي، ج 2، ص 391، باب دعائم الكفر وشعبه.
[2]. غرر الحكم.
[3]. تحف العقول، ص 264.
5-ونقرأ في الرّوايات الإسلاميّة تعابير مثل:«أفضل الأخلاق»، أو«أكرم الأخلاق»، أو«أحسن الأخلاق»،أو«أجمل الأخلاق»، وفي هذه إشارةٌ اخرى لأقسامٍ مهمّةٍ من الاصول الأخلاقيّة، منها:
سئل الباقر عليه السلام عن أفضل الأخلاق، فقال: «الصَّبرُ والسّماحَةُ»[1].
و في حديثٍ آخر عن الإمام علي عليه السلام، قال:
«أَكْرمُ الأَخلاقِ السَّخَاءُ وَأَعمُّها نَفعاً العَدْلُ»[2].
و في حديث آخر عن الإمام علي عليه السلام أيضاً، قال:
«أَشْرَفُ الخِلائِقِ التَّواضُعُ والحِلمُ وَلِينُ الجانِبِ»[3].
و في حديثٍ آخر عن الإمام الصادق عليه السلام، حيث سئل:
«أَيُّ الخِصالِ بِالمَرءِ أَجْمَلُ فَقالَ: وِقارٌ بلا مَهانَةٍ، وَ سَماحُ بِلا طَلَبِ مُكافَاةٍ، وَتَشاغُلٌ بِغَيرِ مَتاعِ الدُّنيا»[4].
6-أيضاً في حديثٍ عن الإمام الصادق عليه السلام، بيّن فيه اصول الأخلاق السّيئة، وعبّر عنها باصول الكفر، فقال:
«اصُولُ الكُفرِ ثَلاثَةٌ: الحِرصُ، والإِستِكبأرُ وَالحَسَدُ».
وأردف قائلًا في بيان وتوضيح الاصول الثلاثة:
«فَأَمّا الحِرصُ فإِنَّ آدَمَ حَينَ نُهِيَ عَنِ الشَّجَرَةِ حَمَلَهُ الحِرصِ أَنْ أَكَلَ مِنها، وَأَمَّا الإِستِكبَارُ فَإبِلِيسُ حِينَ امِرَ بِسُّجُودِ لآدَمَ إِستَكبَرَ، وَأَمّا الحَسَدُ فَإبنا آدَمَ حَيثُ قَتَلَ أَحَدَهُما صاحِبَهُ»[5]
[1]. بحار الأنوار، ج 36، ص 358.
[2]. غرر الحكم.
[3]. المصدر السابق.
[4]. اصول الكافي، ج 2، ص 240.
[5]. اصول الكافى، ج 2، ص 289.
و على هذا الأساس فإنّ مصدر جميع المصائب الكبرى، التي حدثت في عالم الإنسانية، منذ صدر الخليقة، هي هذه الصّفات الثّلاثة، فالحِرص: طرد آدم من الجنّة، والإستكبار: طرد إبليس عن ساحة القدس إلى الأبد، والحسد: هو أساس كلّ قتلٍ و جنايةٍ حدثت في العالم
7-و نختم كلامنا هذا بحديثٍ عن الرّسول الكريم صلى الله عليه و آله قال، الإمام الصادق عليه السلام، أنّ الرسول صلى الله عليه و آله قال:
«إِنَّ أَوَّلَ مَنْ عُصِيَ اللَّهُ عزَّوجَلَّ بِهِ سِتٌّ: حُبُّ الدُّنيا، وَحُبُّ الرِّياسَةِ، وَ حُبُّ الطَّعامِ، وَحُبُّ النَّومِ، وَحُبُّ الرَّاحَةِ، وَحُبُّ النِّساءِ»[1].
لقد تبيّن من مجموع ما ذكر آنفاً، اصول الفضائل و الرّذائل الأخلاقيّة، ولكن وكما يُستفاد من مجموع الرّوايات، أنّه لا يوجد عدد خاص و معيّن، لهذه القيم والمبادىء الأخلاقية، لأنّ الأخلاق الحسنة والقبيحة، لها دوافع ومقاصد متعدّدة و متنوعة ومختلفة، أو بعبارة اخرى: كما أنّ الصّفات الجسميّة للإنسان، لا عدد ولا حصر لها، فكذلك الصّفات الروحانيّة، و الملكات الأخلاقيّة الصّالحة و الطّالحة، لا عدد ولا حصر لها.
[1]. بحار الأنوار، ج 69، ص 105، ح 3.
7- إرتباط المسائل الأخلاقيّة مع بعضها
تنويه:
غالباً ما تكون الفضائل الأخلاقيّة، مترابطةٌ في ما بينها برابطةٍ وثيقةٍ، كما هو الحال في الرّذائل وعلاقتها الوثيقة مع بعضها، وعلى هذا يصعب التّفكيك والفصل بينها في الغالب.
و هذا التّرابط قد يكون بسبب الجُذور المشتركة بينها، وربّما يكون بسبب الّثمرات المترتبة عليها ونتائجها في حركة الإنسان والحياة.
و في القسم الأول، وهو البحث في الجذور المشتركة بين القيم في المنظومة الأخلاقية، لدينا أمثلةٌ واضحةٌ، ففي كثير من الموارد، تكون الغيبة وليدة الحسد، ويسعى الحسود دائما لفضح وتعرية محسوده، و الإستهانة بشخصيته من موقع التّهمة والإفتراء و التّكبر، و التّحرك على مستوى تحقير و تهميش الآخرين، فكلّ هذه الرّذائل يمكن أن تكون من إفرازات الحسد أيضاً.
و بالعكس، فمن كان يعيش علوّ الهمّة، و سمّو الطبع، فسوف لا يقف في مقابل الشهوات الرخيصة والطمع فيها فحسب، بل تكون لديه حصانةٌ ضدّ: الحسد و الكِبر والغرور والتملّق، أيضاً.
و بالنسبة للنتائج و الثمرات، نرى هذا الإرتباط بصورةٍ أوضح، فالكذب يمكن أن يكون مصدراً لأكاذيب اخرى، و ربّما ولتوجيه أخطائه و ذنوبه، يرتكب الشخص أخطاءً اخرى، و
يتحرك لُممارسة جرائم عديدة في عمليّة التّغطية على جُرمه الأول، وبالعكس، فإنّ العمل الأخلاقي مثل الأمانة، من شأنه أن يولّد المحبّة و الصّداقة والتعاون والإرتباط الوثيق بين أفراد المجتمع.
ويوجد لدينا في الرّوايات إشارات إلى هذا المعنى، فنقرأ في حديثٍ عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام، أنّه قال:
«إذا كَانَ في الرَّجُلِ خَلَّةٌ رائِعةٌ فانتَظِر أَخَواتِها»[1].
و في حديثٍ آخر عن الإمام الصادق عليه السلام، أنّه قال:
«إنَّ خِصالَ المَكارِمِ بَعضُها مُقَيَّدٌ بِبَعضِها».
وأشار في ذيل هذا الحديث:
«صِدْقُ الحَدِيثِ وَصِدْقُ البَأسِ وإِعطاءُ السَّائِلِ وَالمُكافَاتُ بِالصَّنَائعِ وأَداءُ الأَمانَةِ وَصِلَةُ الرَّحِمِ وَالتَّوَدُّدَ إِلى الجارِ والصَّاحِبِ وقِرى الضَّيفِ وَرَأسُهُنَّ الحَياءُ»[2]
وفي الواقع فإنّ الحياء، و هو روح النّفور من الذّنب و القّبائح، يمكن أن يكون مصدراً لجميع الأفعال الأخلاقية المذكورة أعلاه، كما أنّ الصّدق يُقرّب الإنسان للأمانة، و يعمّق فيه روح التّصدي للقبائح، ويثير في أعماق وجدانه، عناصر الخير و المحبّة مع الأقارب والأصدقاء والجيران.
ونقرأ في حديثِ ثالثٍ عن الإمام الباقر عليه السلام، أنّه قال:
«إِنَّ اللَّهَ عَزَّوَجَلَّ جَعَلَ للشِّرِّ أَقفَالًا وَجَعَلَ مَفاتِيحَ تِلكَ الأَقفَالِ الشَّراب، وَالكِذْبُ شَرٌّ مِنَ الشَّرابِ»[3].
وفيه إشارةٌ إلى أنّ الكذب، يمكن أن يكون مصدراً لأنواعٍ كثيرةٍ من الآثام و الذّنوب.
و جاء ما يشبه هذا المعنى، في حديثٍ عن الإمام العسكري عليه السلام، فقال:
[1]. بحار الأنوار، ج 66، ص 411، ح 129.
[2]. المصدر السابق، ص 375.
[3]. المصدر السابق، ج 69، ص 236، ح 3.
«جُعِلَتْ الخَبَائِثُ في بَيتٍ وَجُعِلَ مِفتَاحُها الكِذْبُ»[1].
ونختم هذا الموضوع، بحديثٍ عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، حيث جاء رجل إلى رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، فقال له: يارسول اللَّه إنّي إرتكبت في السّر أربع ذنوبٍ، الزّنا و شرب الخمر و السّرقة والكذب،فأَيّتَهُنَّ شِئتَ تَركتُها لك،(لم يكن يريد أن يقلع عنها أجمع، وإكرماً للرّسول؛ يريد أن يقلع عن واحدةٍ فقط؟!.
فقال له الرسول صلى الله عليه و آله:«دَع الكَذِبَ».
فذهب الرجل، وكلما أراد أن يهمّ بالخطيئة، يتذكر عهده مع الرسول صلى الله عليه و آله، و يقول ربّما سألني، و عليّ أن أكون صادقاً في الجواب، فيجري عليّ الحدّ، و إن كذبت فقد نقضت العهد مع الرسول صلى الله عليه و آله، ممّا إضطّره أخيراً لتركها أجمع.
فرجع ذلك الرجل للرسول صلى الله عليه و آله، و قال له:
«قَدْ أَخَذتَ عَليَّ السَّبِيلَ كُلَّهُ فَقَد تَركتُهُنَّ أجمع»[2].
و نستنتج ممّا ذُكر آنفاً: أنّه في كثيرٍ من الموارد، ولأجل تربية و تهذيب النّفوس و الأخلاق، أو لإصلاح بعضها، يجب أن نبدأ من الجُذور، و كذلك الإستعانة بالمقارنات و الأخلاق الاخرى المتعلقة بها.
[1]. بحارالأنوار؛ ج 69، ص 263.
[2]. شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد؛ ج 6، ص 357.