بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 99

7- إرتباط المسائل الأخلاقيّة مع بعضها

تنويه:

غالباً ما تكون الفضائل الأخلاقيّة، مترابطةٌ في ما بينها برابطةٍ وثيقةٍ، كما هو الحال في الرّذائل وعلاقتها الوثيقة مع بعضها، وعلى هذا يصعب التّفكيك والفصل بينها في الغالب.

و هذا التّرابط قد يكون بسبب الجُذور المشتركة بينها، وربّما يكون بسبب الّثمرات المترتبة عليها ونتائجها في حركة الإنسان والحياة.

و في القسم الأول، وهو البحث في الجذور المشتركة بين القيم في المنظومة الأخلاقية، لدينا أمثلةٌ واضحةٌ، ففي كثير من الموارد، تكون الغيبة وليدة الحسد، ويسعى الحسود دائما لفضح وتعرية محسوده، و الإستهانة بشخصيته من موقع التّهمة والإفتراء و التّكبر، و التّحرك على مستوى تحقير و تهميش الآخرين، فكلّ هذه الرّذائل يمكن أن تكون من إفرازات الحسد أيضاً.

و بالعكس، فمن كان يعيش علوّ الهمّة، و سمّو الطبع، فسوف لا يقف في مقابل الشهوات الرخيصة والطمع فيها فحسب، بل تكون لديه حصانةٌ ضدّ: الحسد و الكِبر والغرور والتملّق، أيضاً.

و بالنسبة للنتائج و الثمرات، نرى هذا الإرتباط بصورةٍ أوضح، فالكذب يمكن أن يكون مصدراً لأكاذيب اخرى، و ربّما ولتوجيه أخطائه و ذنوبه، يرتكب الشخص أخطاءً اخرى، و


صفحه 100

يتحرك لُممارسة جرائم عديدة في عمليّة التّغطية على جُرمه الأول، وبالعكس، فإنّ العمل الأخلاقي مثل الأمانة، من شأنه أن يولّد المحبّة و الصّداقة والتعاون والإرتباط الوثيق بين أفراد المجتمع.

ويوجد لدينا في الرّوايات إشارات إلى هذا المعنى، فنقرأ في حديثٍ عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام، أنّه قال:

«إذا كَانَ في الرَّجُلِ خَلَّةٌ رائِعةٌ فانتَظِر أَخَواتِها»[1].

و في حديثٍ آخر عن الإمام الصادق عليه السلام، أنّه قال:

«إنَّ خِصالَ المَكارِمِ بَعضُها مُقَيَّدٌ بِبَعضِها».

وأشار في ذيل هذا الحديث:

«صِدْقُ الحَدِيثِ وَصِدْقُ البَأسِ وإِعطاءُ السَّائِلِ وَالمُكافَاتُ بِالصَّنَائعِ وأَداءُ الأَمانَةِ وَصِلَةُ الرَّحِمِ وَالتَّوَدُّدَ إِلى الجارِ والصَّاحِبِ وقِرى‌ الضَّيفِ وَرَأسُهُنَّ الحَياءُ»[2]

وفي الواقع فإنّ الحياء، و هو روح النّفور من الذّنب و القّبائح، يمكن أن يكون مصدراً لجميع الأفعال الأخلاقية المذكورة أعلاه، كما أنّ الصّدق يُقرّب الإنسان للأمانة، و يعمّق فيه روح التّصدي للقبائح، ويثير في أعماق وجدانه، عناصر الخير و المحبّة مع الأقارب والأصدقاء والجيران.

ونقرأ في حديثِ ثالثٍ عن الإمام الباقر عليه السلام، أنّه قال:

«إِنَّ اللَّهَ عَزَّوَجَلَّ جَعَلَ للشِّرِّ أَقفَالًا وَجَعَلَ مَفاتِيحَ تِلكَ الأَقفَالِ الشَّراب، وَالكِذْبُ شَرٌّ مِنَ الشَّرابِ»[3].

وفيه إشارةٌ إلى أنّ الكذب، يمكن أن يكون مصدراً لأنواعٍ كثيرةٍ من الآثام و الذّنوب.

و جاء ما يشبه هذا المعنى، في حديثٍ عن الإمام العسكري عليه السلام، فقال:

[1]. بحار الأنوار، ج 66، ص 411، ح 129.

[2]. المصدر السابق، ص 375.

[3]. المصدر السابق، ج 69، ص 236، ح 3.


صفحه 101

«جُعِلَتْ الخَبَائِثُ في بَيتٍ وَجُعِلَ مِفتَاحُها الكِذْبُ»[1].

ونختم هذا الموضوع، بحديثٍ عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، حيث جاء رجل إلى رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، فقال له: يارسول اللَّه إنّي إرتكبت في السّر أربع ذنوبٍ، الزّنا و شرب الخمر و السّرقة والكذب،فأَيّتَهُنَّ شِئتَ تَركتُها لك،(لم يكن يريد أن يقلع عنها أجمع، وإكرماً للرّسول؛ يريد أن يقلع عن واحدةٍ فقط؟!.

فقال له الرسول صلى الله عليه و آله:«دَع الكَذِبَ».

فذهب الرجل، وكلما أراد أن يهمّ بالخطيئة، يتذكر عهده مع الرسول صلى الله عليه و آله، و يقول ربّما سألني، و عليّ أن أكون صادقاً في الجواب، فيجري عليّ الحدّ، و إن كذبت فقد نقضت العهد مع الرسول صلى الله عليه و آله، ممّا إضطّره أخيراً لتركها أجمع.

فرجع ذلك الرجل للرسول صلى الله عليه و آله، و قال له:

«قَدْ أَخَذتَ عَليَّ السَّبِيلَ كُلَّهُ فَقَد تَركتُهُنَّ أجمع»[2].

و نستنتج ممّا ذُكر آنفاً: أنّه في كثيرٍ من الموارد، ولأجل تربية و تهذيب النّفوس و الأخلاق، أو لإصلاح بعضها، يجب أن نبدأ من الجُذور، و كذلك الإستعانة بالمقارنات و الأخلاق الاخرى المتعلقة بها.

[1]. بحارالأنوار؛ ج 69، ص 263.

[2]. شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد؛ ج 6، ص 357.


صفحه 102

8- من أين نبدأ؟

تعرفنا على كلّيات علم الأخلاق، و نتائجه وآثاره و مقاصده و فُروعه، والآن آن الأوان، وبما لدينا من المعلومات والمعارف الكلّية، البِدء في طريق تهذيب النّفس، أو الإنتقال من المسائل الذهنيّة إلى ميدان الممارسة و التّطبيق، ومن الكلّيات إلى الجزئيات.

ويجب التّوقف هنا، لتهيئة لوازم سفرنا الروحاني، حتى لا نصاب في سلوكنا لذلك الطّريقُ بالحيرة و الضّلالة وعدم التّنظيم و التّنظير، و عليه فلابدّ من الإلتفات إلى امور:

1-ثلاثة رُؤى في كيفيّة التعامل مع المسائل الأخلاقيّة.

2-هل يحتاج الإنسان في كل مرحلة إلى استاذٍ و مرشدٍ؟

3-دور الواعظ الخارجي والواعظ الداخلي.

4-الامور التي تُساعد الإنسان في عملية الوصول إلى هذا الهدف؛ مثل ذكر اللَّه والعبادة والأدعية، الزّيارات، النصائح المتكررة، التلقين.

5-طهارة المحيط.


صفحه 103

ثلاث نظريّات في كيفيّة التعامل مع المسائل الأخلاقيّة:

النظريّة الأولى‌:

رأيٌ يقول: إنّ تهذيب النفس، نوع من الجهاد و محاربة أعداء الداخل، الّذين يتحرّكون‌


صفحه 104

لإيقاع الإنسان في مستنقع الرّذيلة، و شراك الخطيئة.

هذا الرأي مقتبسٌ في الأصل، من حديث الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، المعروف، عندما خاطب الرسول صلى الله عليه و آله، قومٌ من المجاهدين، رجعوا لتوّهم من الغزو فقال:

«مَرحَباً بِقَومٍ قَضَوا الجِهادَ الأَصغَرَ وَبَقيَ عَلَيهِم الجِهادُ الأَكبَرُ، فَقِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ، ما الجِهادُ الأكبرُ، قالَ: جِهادُ النَّفسِ»[1].

وجاء في البحار في ذيل هذا الحديث: ثُمّ قَالَ صلى الله عليه و آله:

«أَفضَلُ الجِهادِ مَنْ جاهدَ نَفْسَهُ الَّتي بَينَ جَنْبَيهِ»[2].

هذا وقد فُسّرت بعض الآيات التي وردت في دائرة الجهاد، بالجهاد الأكبر، إمّا لأنّها تخصّ الجهاد مع النفس، أو لمدلولها العام في حركة السياق القرآني، الذي يتناول القِسمين للجهاد.

وجاء في تفسير القمي، في ذيل الآية (6) من سورة العنكبوت: «وَمَنْ جاهَدَ فَإنّما يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ»، قَالَ عليه السلام:«و من جاهد نَفْسَهُ عَنِ الشَّهَواتِ وَاللَّذَّاتِ وَ المَعاصِي»[3].

ويمكن أن نستوحي هذا المعنى من هذه الآية، من حيث إنّ فائدة الجهاد تعود على الإنسان نفسه، ويتّضح ويتجلّى أكثر في الجهاد مع النفس، وخصوصاً أنّ الآية التي جاءت قبلها، تكلّمت عن لقاء اللَّه: «وَمَنْ كَانَ يَرجُوا لِقاءَ اللَّهِ ...»، ونعلم أنّ لقاء اللَّه، و الشهود و القرب منه، هو الهدف الأصلي للجهاد مع النفس.

و كذلك جاء في آخر آيةٍ من سورة العنكبوت: «وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُم سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الُمحسِنِينَ».

وهذه الآية أيضاً ناظرةٌ حسب الظاهر إلى الجهاد الأكبر، وذلك لقرينة:(فينا)، و جملة:

«لَنَهْدِيَنَّهُم سُبُلَنا»، أو تتضمن مفهوماً عاماً يستوعب كلا النَّحوين من الجهاد.

وجاء أيضاً في الآية (78) من سورة الحج: «و جاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُم وَمَا

[1]. وسائل الشيعة، ج 11، ص 122 (باب 1، جهاد النفس).

[2]. بحار الأنوار، ج 67، ص 65.

[3]. تفسير القمي، ج 2، ص 148؛ بحار الانوار، ج 67، ص 65.


صفحه 105

جَعَلَ عَلَيكُم فِي الدِّينِ مِنْ حَرجٍ».

فقد فسّر أغلب المفسّرين كلمة الجهاد بمعناها ومفهومها العام، الذي يشمل الجهاد الأصغر والأكبر، أو بخصوص معنى الجهاد الأكبر، وكما قال المرحوم العلّامة الطّبرسي في كتابه مجمع البيان، أنّ أكثر المفسّرين ذهبوا إلى أنّ المقصود من حقّ الجهاد، هو إخلاص النيّة والأعمال والطّاعات للَّه‌تعالى‌[1].

وقد ذكر العلّامة المجلسي رحمه الله هذه الآية، في زمرة الآيات النّاظرة للجهاد الأكبر[2]كذلك.

و جاء في الحديث المعروف عن أبي ذرّ رحمه الله أنّه قال:قُلتُ يا رسُولَ اللَّهِ أَيُّ الجِهادِ أَفضَلُ؟

فَقالَ صلى الله عليه و آله: «أَنْ يُجاهِدَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ وَهَواهُ»[3].

وكما ورد في حديث: جنود العقل وجنود الجهل، هذا المعنى أيضاً، إذ يُشبّه حياة الإنسان بساحةِ حربٍ، العقلُ جنوده في جهةٍ، و الجهلُ و هوى النّفس و جنودهما في الجهة المقابلة، فهذان المعسكران، يعيشان دائماً في حالة حربِ سِجالٍ، و من خلال هذا النّزاع، و معطيات حالات الصّراع في أعماق النّفس، تتولد الكمالات المعنويّة للإنسان، وذلك عندما ينتصر العقل وجنوده، و النّصر الآني، هو السّبب في التّقدم النّسبي للكمالات الإنسانيّة.

النظريّة الثّانية: نظريّة الطّب الرّوحاني‌

فقد ذهبوا إلى أنّ الرّوح كجسم الإنسان، تُصاب بأنواع الأمراض، و لأجل الشّفاء يتوجب اللّجوء إلى أطبّاء النّفس و الرّوح، والإستعانة بأدوية الأخلاق الخاصّة، حتى تبقى‌ الرّوح سالمةً و نشطةً و فعّالةً.

و الجدير بالذكر، أنّ القرآن الكريم أشار إلى الأمراض الأخلاقية و الروحية، في إثنى عشر موضعاً، و عبّر عَنها بالمرض‌[4]، ومنها الآية (10) من سورة البقرة، إعتبرت النِّفاق من‌

[1]. مجمع البيان، ج 7، ص 97.

[2]. بحار الأنوار، ج 67، ص 63.

[3]. ميزان الحكمة، ج 2، ص 141.

[4]. سورة البقرة، الآية 10؛ سورة المائدة، الآية 52؛ سورة الأنفال، الآية 49؛ سورة التوبة، الآية 125؛ سورة الحج، الآية 53؛ سورة النور، الآية 50؛ سورة الأحزاب، الآية 12 و 32 و 60؛ سورة محمد، الآية 20 و 29؛ سورة المدثر، الآية 31.


صفحه 106

زمرة الأمراض الروحية، فقالت: «فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ فَزَادَهُم اللَّهُ مَرَضاً»؛ بسبب إصرارهم على النّفاق.

وفي الآية (32) من سورة الأحزاب، و صفت عبيد الشّهوة بمرضى القلوب، الذين يتحيّنون الفرص لإصطياد النّساء العفيفات، حيث خاطب الباري تعالى نساء النبي صلى الله عليه و آله، فقال: «فَلا تَخْضَعنَ بِالقَولِ فَيَطمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ».

وجاء في الآيات الاخرى نفس هذا المعنى، أو أوسع منه، بحيث تناولت الآيات، جميع الإنحرافات الأخلاقيّة و العقائديّة.

و في معنى عميق آخر، عبّر القرآن الكريم، عن القلوب المليئة بنور المعرفة والأخلاق و التّقوى: بالقلوب السليمة. و جاء ذلك على‌ لسان النّبي إبراهيم عليه السلام، حيث قال: «وَ لا تُخْزِنِي يَومَ يُبعَثُونَ* يَومَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ* إلّامَنْ أَتىْ اللَّهَ بِقَلبٍ سَلِيمٍ»[1].

«السّليم»من مادة«السّلامة»، و تقع في مقابل الفساد و الإنحراف والمرض، و «القلب السّليم» كما جاء في الرّوايات عن المعصومين عليهم السلام، في تفسير هذه الآية، أنّه القلب الذي خَلا من غير اللَّه تعالى، (منزّه من كلّ مرضٍ أخلاقي وروحي).

قال القرآن الكريم في مكانٍ آخر: إنّ إبراهيم عليه السلام عندما طلب من الباري تعالى: القلب السّليم، (كما أشارت الآيات الآنفة الذّكر)، تحقّق له ما يُريد، و شملته رحمة ولطف اللَّه تعالى، وأصبح ذا قلبٍ سليمٍ، فنقرأ في الآيات (83 و 84) من سورة الصافات:

«وإِنَّ مِنْ شَيعَتِهِ لَإبراهيم* إذْ جاء رَبَّهُ بِقَلبٍ سَليمٍ».

نعم، فإنّ إبراهيم عليه السلام كان يتمنى أن يكون ذا قلبٍ سليمٍ، و بالسّعي و الإيثار و محاربة الشرك، و هو النفس من موقع عبادة اللَّه، إستطاع أن يصل بالنّهاية إلى ذلك المقام.

و نجد في الأحاديث الإسلامية، إشاراتٌ كثيرةٌ حول هذا الموضوع، ومنها:

[1]. سورة الشعراء، الآية 87 الى 89.