وَبَشّرِ الصَّابِرِينَ»[1].
14- «.. وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَواْ بِالصَّبْرِ»[2].
تفسير واستنتاج:
اسوة الصبر والمقاومة
«الآية الاولى»تستعرض حياة أحد الأنبياء العظام الّذي صار مثلًا للصبر والاستقامة في مواجهته للبلايا والمصائب في الحياة، في حياته الفردية والاجتماعية، ولهذا فإننا نقرأ في حالاته وسيرته المذكورة في سورة«ص»إن القرآن الكريم يضربه مثلًا للمسلمين في أوائل البعثة الّذين كانوا يعيشون التحديات الصعبة والضغوط المستمرة من قِبل المشركين في مكّة ويتعلموا منه درس الصبر والاستقامة والصمود في مواجهة المشاكل والمصاعب المفروضة عليهم.
وصحيح أنّ اسم النبي أيوب عليه السلام أو سيرته قد وردت في عدّة سور في القرآن الكريم، ولكنَّ ما ورد في سورة«ص»يعدو شرحاً وافياً لسيرته الكريمة حيث تقول الآية 44 من هذه السورة: «إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نّعْمَ ا لْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ»[3].
وهكذا واجه النبي أيوب عليه السلام مصائب عظيمة لغرض اختباره وامتحانه لمعرفة درجة شكره وطاعته للَّهتعالى وليصعد بهذا الطريق إلى مقامات سامية من القرب الإلهي، فقد كانت له ثروة كبيرة وبساتين وأغنام كثيرة وأبناء صالحون، ولكن كلّ ذلك فقده بين عشية وضحاها حتّى أبناءه أيضاً ونفس أيوب ابتلي بمرض شديد ومزمن إلى درجة انه كان يتلوى في فراشه من شدّة الالم الّذي أوقعه في الفراش أسيراً، ولكن أي واحدٍ من هذه الامور لم يستطع أن يقلل من شكره للَّهتعالى، ولم يتمكن أن يخدش في صبره واستقامته في
[1]. سورة البقرة، الآية 155.
[2]. سورة العصر، الآية 3.
[3]. سورة ص، الآية 44.
خط الإيمان والطاعة.
هذا وقد سمع أيوب الكثير من التعريض به وبشخصيته، ولعلّ هذه المصيبة كانت عليه من أعظم المصائب، وأحياناً كان عُبّاد بني إسرائيل ورهبانهم يأتون لرؤيته ويقولون له بصراحة: ما هو الذنب العظيم الّذي ارتكبته حتّى ابتلاك اللَّه بهذا الابتلاء والعذاب الشديد؟
ولكن هذا النبي العظيم لم يفقد صبره بل كان يعيش الانضباط الأخلاقي أمام نوازعه النفسية ويلهج لسانه بشكر اللَّه تعالى ويتعامل مع كلّ هذه المصائب من موقع الشكر لا من موقع كفران النعمة والشكوى والجزع، وبعد أن مضت عليه سنوات عديدة وهو يتحدى هذه الصعاب العظيمة دعا اللَّه تعالى لأن يكشف عنه هذا البلاء كما تقول الآية: «وَاذْكُر عَبْدَنا ايّوبَ اذ نَادى رَبَّهُ انّي مَسَّنِيَ الشَّيطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ».
فعندما ختم هذا النبي العظيم جميع مراحل هذا الامتحان الإلهي الكبير ووقف أمام البلايا والمصائب المختلفة كجبلٍ من الصبر والاستقامة وأخجل الشيطان الرجيم من أن ينال منه ولو كلمة جزع وشكوى واحدة حتّى يئس منه، عندها فتح اللَّه تعالى أبواب رحمته عليه، وعاد عليه كلّ ما فقده من المال والأولاد والمواهب الدنيوية الاخرى بل ضاعفها له أضعافاً مضاعفة، والأهم من ذلك انه نال من ذلك مقاماً عظيماً في دائرة القرب الإلهي ونال وسام«نّعْمَ ا لْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ».
وذكر المفسّر المعروف«ابن مسعود»: إن أيوب عليه السلام كان«رَأسُ الصَّابِرينَ الَى يَومِ القِيامَةِ»[1]وهكذا سجَّل أيوب لنفسه هذا الشرف والافتخار على طول التاريخ البشري.
ولا ينبغي التساهل في المرور على هذا المطلب، وهو أنّ إنساناً كان يتمتع بجميع الامكانات المادية والدنيوية، وفجأةً فقد كلّ شيء وجلس صفر اليدين حتّى انه لم يسلم من تعريضات قومه من الأصدقاء والأعداء وكناياتهم الموجعة الّتي كانت تؤلمهُ أكثر من طعنات السيوف والخناجر ومع ذلك لم يصدر منه حتّى كلمة واحدة على خلاف رضى اللَّه تعالى بل كان لسانه لهجاً بذكر اللَّه وشكره، وفي نهاية أمره قال كلمة واحدة تعبر عن دعاءه
[1]. تفسير روح البيان، ج 8، ص 45 ذيل الآية.
وتضرعه إلى اللَّه تعالى لا غير، وهي العبارة الّتي تصور البعض أنّها من قبيل الشكوى، ولكنه خطأ فاحش لأنها لاتتضمن أي نوع وأي أثرٍ للشكوى فيها حيث تقول: «اذ نَادى رَبَّهُ انّي مَسَّنِيَ الشَّيطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ».
وتأتي«الآية الثانية»لتستعرض صبر«النبي يعقوب»الّذي يُعد اسطورة في الصبر والاستقامة، فقد فَقَدَ ابنه وأعز ما لديه في الحياة، وهو«يوسف»الّذي كان يحبّه حبّاً جمّاً، وعاش سنوات مديدة بعينٍ باكية وصبرٍ عظيم حتّى انه عميت عيناه، ولكن رغم ذلك فإنه لم تفلت منه كلمة مخالفة لرضى اللَّه تعالى وكان شاكراً وصابراً دائماً وكما تعبر الآية على لسان يعقوب نفسه بكلمة«صبرٌ جميل»حيث تقول «وَجَآءُو عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَاتَصِفُونَ»[1].
وهكذا نرى إن الاخوة الكذّابين غفلوا عن تمزيق قميص يوسف عندما جاءوا به ملطخاً بالدم وقالوا لأبيهم إنّ الذئب قد أكل يوسف في غفلة منا، ولهذا لم يصدق يعقوب كلامهم هذا وقال: «بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا»، ولكن بما انه لم يكن يملك أي شيء اتجاه هذه الحادثة المؤلمة فاكتفى بالبكاء على يوسف وقال: «فَصَبْرٌ جَمِيلٌ» أي الصبر المقترن مع الشكر للَّهعلى هذه المحنة دون أن تمتد إلى قلبه حالة الجزع الذميمة.
وبالنسبة لعبارة«فَصَبْرٌ جَمِيلٌ»فللمفسّرين بيانات مختلفة في تفسيرها، فذهب البعض إلى أنّ«الصَبْرٌ الجَمِيلٌ»هو الصبر الّذي لا يخالطه الجزع ولا الشكوى للناس من المصيبة، وذهب البعض الآخر إلى أنّ الصبر الجميل أن يكون بدافع إلهي وطلباً لرضى اللَّه تعالى، وقد ورد في الروايات انه سُئل رسول اللَّه صلى الله عليه و آله عن الصبر الجميل ما هو؟ وقال«هُوَ الّذي لَا شَكْوَى مَعَهُ»[2].
وذهب آخرون إلى أنّ الصبر الجميل هو ما لم يقترن مع الشكوى إلى الناس، وأجمل منه
[1]. سورة يوسف، الآية 18.
[2]. تفسير القرطبي، ج 5، ص 338.
أن يعرض حاله على اللَّه تعالى ويلتجي إليه في هذه المصيبة ويؤدي حقّ الطاعة والعبودية له.
فعندما اعترض أبناء يعقوب على أبيهم بسبب كثرة البكاء على يوسف وتذكره الدائم قال لهم إنني لا أشكو حالي إلى الناس وإليكم بل «قَالَ انَّمَا أشْكُوا بَثّي وَحُزْنِي الى اللَّهِ وَاعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلمُونَ»[1].
«الآية الثالثة»تتحدّث عن طائفة اخرى من الأنبياء الإلهيين الّذين سلكوا في دعوتهم لأقوامهم وفي مواجهة المشكلات والمصاعب في خطّ الاستقامة والتحمل، من أجل ذلك فإنّ اللَّه تعالى أغرقهم برحمته وجعلهم في زمرة الصالحين:
«وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مّنَ الصَّابِرِينَ»[2].
أما صبر إسماعيل فواضح، وذلك بانه أوّلًا: استعد لأن يضحي بنفسه في طاعة اللَّه وامتثال أمره وامتثل لما أمره به أبوه من ذبحه كما أمر اللَّه، ولكن اللَّه تعالى شملهما بعنايته وأرسل لإبراهيم خروفاً أو كبشاً ليذبحه بدل إسماعيل.
وثانياً: لبقائه في الصحراء المحرقة في منطقة مكّة وإلى جانب بيت اللَّه الحرام كي ما يقوي ويشتد أمر هذا المركز الإلهي ويشيع أمرهُ بين الناس.
وأمّا بالنسبة إلى صبر إدريس فقيل: أنّه أوّل من بُعث من بين قومه يدعوهم إلى عبادة اللَّه تعالى ولكنه بالرغم من ذلك واجه صعوبات كبيرة في هذا السبيل ولم يستجب له أحدٌ من قومه.
وأمّا«ذي الكفل»فإنما سمي بهذا الاسم وصار في زمرة الصابرين الكبار من الأنبياء الإلهيين فبسبب انه كان يعيش في بني إسرائيل، وكان يحكمهم نبيّاً من الأنبياء، وفي يوم من الأيّام جاء الوحي إلى ذلك النبي وأخبره بحلول أجله وأنّ عليه أن يسلم مقاليد الحكم إلى
[1]. سورة يوسف، الآية 86.
[2]. سورة الأنبياء، الآية 85.
شخص آخر تتوفر فيه هذه الصفات الثلاثة: أن يقوم في كلّ ليلة بالعبادة والصلاة، وأن يصوم كلّ يوم، وأن يحكم بين الناس دون أن يغضب، فقال شابٌ من المؤمنين: أنا أتكفل بكلّ هذه الامور، قال ذلك واستمر على الوفاء بعهده والاتيان بهذه الثلاثة (مع جميع ما تتضمنها من مشاكل وصعوبات) وبذلك نال مقام النبي أيضاً فسُمي: ذي الكفل.
أجل، فإنّ هؤلاء العظماء الثلاثة كانوا اسطورة للصبر والاستقامة بحيث إنّ القرآن الكريم جعلهم اسوة لجميع المسلمين في العالم وأشار إليهم بذلك في هذه الآية الكريمة.
وتتعرض«الآية الرابعة»إلى الحديث عن «قصة موسى عليه السلام والخضر عليه السلام» ونقرأ في هذه القصة دروساً وعبراً مهمة ونافعة حيث جاء موسى عليه السلام إلى الخضر عليه السلام لطلب العلم وسأله أن يعلمه من العلوم والأسرار الإلهية، لأن هذه العلوم والأسرار هي غير «علم الشريعة» الّذي تلقاه موسى عليه السلام بطريق الوحي وكان على اطلاع عام به، ولكنَّ تلك العلوم والمعارف متعلقة بأسرار عالم التكوين والحوادث الواقعة في عالم الوجود، ولكن على أية حال فإنّ الخضر عليه السلام كان قلقاً من عدم تحمل موسى عليه السلام بهذه العلوم والمعارف وقال له كما تذكر الآية «قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا* وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً»[1].
فكان أن وعد موسى عليه السلام معلمه بأن يصبر ويتريث ولا يعترض على شيء، ولكن الحوادث والوقائع الّتي رآها فيما بعد كانت عجيبة وغريبة إلى درجة أنّ موسى عليه السلام لم يطق صبراً إلى أن يخبره الخضر عليه السلام عن أسرارها، وفتح فمه بالاعتراض على معلمه، فما كان من الخضر عليه السلام إلّاأن ذكره بوعده بالصبر والتريث، فاعتذر موسى عليه السلام بذلك ولكنه في المرّة الثالثة قرر الانفصال إلى الأبد.
وهذه القصة العجيبة تتضمن دروساً ومعارف كثيرة، ولكن ما يرتبط ببحثنا هذا هو أنّ موسى عليه السلام لو صبر أكثر ولم يعترض على الخضر عليه السلام لكان يكتشف أسراراً جديدة ويزداد علماً إلى علمه، ولكن عدم صبره هذا تسبب بأن لا يتعلم سوى ثلاثة امورٍ فقط، في حين انه
[1]. سورة الكهف، الآية 67 و 68.
وكما يقول بعض المفسّرين المعروفين أنّ موسى عليه السلام لو صبر أكثر لكان يتعلم من الخضر عليه السلام آلاف الأسرار والمعارف الموجودة في عالم التكوين والخلقة.
وعلى هذا فإنّ الصبر يعد أحد مفاتيح العلوم والمعارف.
ويمكن أن يتساءل البعض: ألم يكن الأنبياء أعلم الناس في زمانهم؟ فكيف طلب موسى من اللَّه تعالى أن يتعلم بعض العلوم من الخضر وحتّى انه فارقه بعد ذلك ولم يتعلم منه سوى بعض الامور والأسرار القليلة؟
والجواب على هذا السؤال واضح، وهو أنّ كلّ نبي يجب أن يكون أعلم الناس بالنسبة إلى دائرة مهمته ووظيفته في تحمل مسؤولية الدعوة إلى اللَّه وهداية الناس إلى الحقّ، وهكذا كان موسى أعلم الناس بنظام الشريعة والدين، ولكنَّ مسؤولية الخضر ودائرة علومه ترتبط بعالم التكوين وعمله وهو كعمل الملائكة«المدبرات أمراً»المأمورين بتدبير عالم الوجود، ولهذا فإنّ الأعمال الّتي صدرت من الخضر قد لا تكون مطابقة لموازين الشرع في الظاهر حتّى أنّ موسى عليه السلام اعترض عليه في ذلك، ولكن عندما شرح الخضر عليه السلام الأسرار الكامنة في أعماله قبل موسى عليه السلام منه ورضى بذلك.
وأساساً فإنّ القوانين الحاكمة على عالم التكوين رغم أنّها تصب في نتيجة واحدة مع قوانين عالم التشريع إلّاآنها منفصلة عنها في الظاهر، ولهذا السبب فإنّ صداقة موسى والخضر عليهما السلام لم تدم طويلًا.
ومن الممكن أنّ أن يكون لبعض الأنبياء وكذلك الأئمّة إحاطة بأسرار عالم التكوين أيضاً «كما يستفاد ذلك من الروايات بالنسبة إلى نبي الإسلام والأئمّة المعصومين عليهم السلام» ولكن هذا الأمر لا لزوم له في توكيد مرتبة النبوة للأنبياء وكذلك مرتبة الإمامة للأئمّة لأن ذلك يعد مجرد فضيلة لا شرطاً للرسالة والإمامة.
«الآية الخامسة»تتحدّث عن أحد أنبياء بني إسرائيل الّذي ورد اسمه في التفاسير والتواريخ انه«اشموئيل»لكي يعين لهم رئيساً وقائداً للجيش ليحاربوا معه جالوت، فاختار
لهم رجلًا يدعى«طالوت»لانه يمتاز ببعض المميزات والصفات الإيجابية الموجودة فيه بتفاصيل قد تخرج عن موضوع هذا البحث.
وعندما جاء طالوت بذلك الجيش العظيم من بني إسرائيل لحرب جالوت أدرك جيداً بفراسة من اللَّه تعالى أنّ هذا الجيش العظيم غير قابل للاعتماد، لانه رأى كثيراً من أفراده يعيشون حالة الكسل والخمول وعدم الهمة، فمضافاً إلى أنّ وجودهم ليس فقط لا يبعث على تقوية الجيش، بل سيؤدي إلى تضعيف روحية الآخرين أيضاً، لذا عزم على تصفية جيشه بالعديد من الاختبارات والامتحانات، وبعد أن نجح في ذلك وأتم اختباره لجيشه لم يبق منه إلّاعدّة قليلة.
وهذه الفئة القليلة كانت تعيش القلق والاضطراب من قلّة الأفراد، فكان أحدهم يقول للآخر: نحن لا نستطيع مقاومة جيش جالوت العظيم ولا نتمكن من الصمود أمام قوته وجحافله، ولكنَّ البعض منهم كما يقول القرآن الكريم «قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلقُواْ اللَّهِ كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ»[1].
ثمّ إن هذه الفئة القليلة عندما برزوا لجالوت دعوا اللَّه تعالى أن يرزقهم حسن الصبر كما تقول الآية: «وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى ا لْقَوْمِ ا لْكَافِرِينَ»[2].
وعلى هذا فقد اثبتوا أنّ الجماعة الكثيرة للجنود والجيش العظيم إذا كانوا فارغين من الدوافع المعنوية والاستقامة والصبر فإنّهم سينالهم الفشل الذريع في ميدان القتال، بخلاف الفئة القليلة، الّتي تعيش الاستقامة والصبر والثبات فإنه يمكنها الانتصار على الجيش العظيم في العدّة والعدد، وبذلك استطاعت هذه العدّة القليلة مع قائدهم طالوت بالانتصار على جالوت وجنوده الكثيرين ويهزموهم شرَّ هزيمة، وهناك قتل داود الّذي كان شاباً قوياً في جيش طالوت،«جالوت»واستطاع بنو إسرائيل العودة إلى ديارهم وأهليهم فتخلصوا من
[1]. سورة البقرة، الآية 249.
[2]. سورة البقرة، الآية 250.
سيطرة عدوهم جالوت وتحرروا من أسره، وبهذا فقد خلفوا للتاريخ البشري درساً آخر عن أهمية الصبر والاستقامة في سلوكهم العملي.
ويستفاد من هذه الآيات الشريفة أنّ التوكل على اللَّه بالإيمان بالآخرة والثواب الإلهي يشكل دعامة قوية للصبر والاستقامة في واقع النفس، ونقرأ في بعض الروايات أنّ عدد جيش جالوت 313 نفراً كما كان أصحاب بدر كذلك في العدد، واللطيف أنّ داود مع صغر سنه ولكنّه كان مسلحاً بقوّة الإيمان، وكان قد أخذ معه مقلاعاً وعدّة أحجار ورمى بأحدها باتجاه جالوت فأصابته بجبينه وخرَّ جالوت صريعاً بسبب ذلك، فلمّا رأى جيشه ذلك أسرعوا بالفرار يحدوهم خوف عظيم وتلاشى ذلك الجيش الكبير الّذي يبلغ عدده كما ورد في بعض الروايات «منه ألف نفر» مسلحين بأنواع الأسلحة.
وتستعرض«الآية السادسة»خطاب اللَّه تعالى للنبي الكريم صلى الله عليه و آله موصيةً له بالاستقامة وأن يقتدي بذلك بسيرة الأنبياء اولي العزم من قبله وتقول: «فَاصْبِر كَمَا صَبَرَ اوُلُوا العَزمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَستَعْجِلْ لَهُم ...»[1].
ورغم أنّ هذه الآية الشريفة تتحدّث عن الصبر والتأني في مقابل طلب نزول العذاب الإلهي على المخالفين والأعداء إلى أن تتم الحجّة عليهم فلعلّه يوجد من بينهم من له رغبة في سلوك طريق الحقّ ويهتدي بالتالي إلى الإيمان ويكون في زمرة السعداء، ولكن هذا الأمر الإلهي بمثابة دستور عام ودليل واضح على فضيلة الصبر بعنوان منهج عام لجميع الأنبياء من اولي العزم.
أجل فإنّ جميع الأنبياء العظام وأصحاب الشرائع السماوية عندما كانوا يواجهون أعدائهم المعاندين والأشخاص الّذين يعيشون الجهل والسفه والعناد كانوا يتسلحون بالصبر والاستقامة أكثر ليتمكوا من هداية الامّة إلى ساحل النجاة بصورة أفضل.
النبي نوح عليه السلام دعا قومه إلى طاعة اللَّه «950 سنة» ليل نهار في الخفاء والاجهار
[1]. سورة الاحقاف، الآية 35.