بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 69

5- «انَّ الْانْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً* اذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً* وَاذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً»[1].

6- «وَاذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا الَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُل مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ»[2].

7- «وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ* الّذي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ* يَحْسَبُ انَّ مَالَهُ اخْلَدَه»[3]

تفسير واستنتاج:

تتحدّث‌«الآية الاولى»من الآيات المذكورة آنفاً عن قصة آدم وزوجته حواء وما جرى‌ لهما مع الشيطان الرجيم، فطبقاً للآيات القرآنية فإنّ اللَّه تعالى قد اسكن آدم وحواء الجنّة ونهاهما عن الاقتراب من الشجرة الممنوعة وحذرهما من إغواء إبليس ووسوسته، ولكن الشيطان افلح في إغوائه ووسوسته وارتكب آدم ترك الأولى وأكل من الشجرة الممنوعة، وبذلك طرد من الجنّة وغرق في دوّامة البلايا والمشاكل الدنيوية في هذه الحياة.

الآيات أعلاه تشير إلى هذه الحادثة التاريخية وتقول: «فَوَسْوَسَ الَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ ادُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَايَبْلَى* فَاكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‌».

وفي الواقع فإنّ الشيطان ذكر لآدم عن الشجرة الممنوعة بانّ كلّ من يأكل منها سوف يحظى‌ بطول العمر ويغرق في النعمة والسعادة الخالدة.

ما هو السبب الّذي دفع آدم إلى قبول وسوسة الشيطان والاعتماد على كلماته ووعوده ونسيان الأمر الإلهي ونهيه عن تناول ثمرة الشجرة الممنوعة؟ أليس الحرص والطمع هو الّذي حجبه عن رؤية حقائق الامور؟

وبهذا نرى‌ أنّ حالة التكبّر هي الّتي أدّت إلى ضلال الشيطان وعصيانه لأوامر اللَّه تعالى‌

[1]. سورة المعارج، الآية 19- 21.

[2]. سورة الجمعة، الآية 11.

[3]. سورة الهمزة، الآية، 1- 3.


صفحه 70

في بداية الخلقة، وترتب على ذلك أعظم المفاسد في عالم الوجود، وهكذا نرى أنّ حالة الحرص والطمع والرغبة في الملّذات المادية والدنيوية هي العامل الآخر لشقاء الإنسان وغرقه في وحل المفاسد والمشاكل الكثيرة في حياته، ولهذا السبب فقد ورد في النصوص الدينية أنّ اصول الكفر ثلاثة:«التكبّر»الّذي أدّى‌ إلى ضلال إبليس وانحرافه عن طريق الحق،«الحرص»الّذي تسبب في انحراف آدم وخروجه من الجنّة، و«الحسد»الّذي تسبب في قتل هابيل على يد أخيه قابيل.

وصحيح أنّ النهي الإلهي المتوجه لآدم لم يكن نهياً تحريمياً ولذلك لم تكن مخالفته معصية مطلقة بل كان من قبيل (الترك للأولى‌)، أو بتعبير آخر كان نوعاً من النهي الإرشادي كما في نهي الطبيب للمريض عن تناول بعض الأطعمة غير الملائمة لصحته ومزاجه ولكن على أيّة حال فقد كان المتوقع من آدم أن لا يرتكب هذا الترك الأولى، لكن صفة الحرص والطمع قد دفعت بآدم إلى هذا المنزلق الخطير، وبالتالي أوقع نفسه وذريته من البشر في دوّامة من المشاكل والشدائد والمصائب في حركة الحياة.

«الآية الثانية»تتحدّث عن قصّة قوم شعيب الّذين دفعهم الحرص على المزيد من الملذات الدنيوية والطمع في التكاثر في الأموال والثروات المادية أن يديروا ظهورهم عن الحقّ ويتركوا دعوة نبيهم شعيب وإنكار التعليمات السماوية الّتي جاء بها هذا النبي الكريم لتهديدهم وتخليصهم من أدران الشهوات المادية الرخيصة حيث تقول الآية: «وَالَى مَدْيَنَ اخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ الَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَائَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَاوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ اشْيَائَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْارْضِ بَعْدَ اصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ انْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ».

وطبقاً لهذه الآية فإنّ انحراف قوم شعيب كان يتمثل أوّلًا في الشرك وعبادة الأوثان ثمّ التطفيف في الميزان وأكل أموال الناس بالباطل والغش والإفساد في الأرض، وهكذا نرى أنّ هؤلاء القوم كانوا حريصين على الدنيا إلى درجة أنّهم قالوا لشعيب كما تصرّح الآية


صفحه 71

«قَالُوا يَا شُعَيْبُ اصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ انْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَائُنَا اوْ انْ نَفْعَلَ فِي امْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ...»[1].

هذا والحال أن غصب حقوق الناس والتطفيف في الميزان لم يكن ليؤدي إلى عدم زيادة ثرواتهم وأموالهم فحسب، بل كما أشار القرآن الكريم ادّى‌ إلى فساد المجتمع وإيجاد الخلل والارتباك في مفاصله وزوال الثقة بين الأفراد في عملية التفاعل الإجتماعي واهدار الطاقات واتلاف الأموال وأمثال ذلك، وعليه فإنّ صفة الحرص أدّت إلى نتائج معكوسة في مسيرتهم الإجتماعية والدنيوية.

«الآية الثالثة»من الآيات محل البحث تستعرض الحادثة الّتي حدثت لداود والّتي تعكس في مضمونها الصفة الذميمة للحرص وابعادها السلبية في حياة الإنسان وعلاقته مع الآخرين، وتتلخص هذه القصة في أخوين جاءا إلى النبي داود فقال أحدهما «انَّ هَذَا اخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِىَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ اكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ»[2]وهكذا نجد أنّ صاحب التسع وتسعين نعجة طمع في ضم نعجة أخيه الواحدة إلى نعاجه وأصرّ عليه بقبول هذا العرض والطلب، وعندما سمع داود هذا الكلام تأثر كثيراً و «قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤآلِ نَعْجَتِكَ الَى نِعَاجِهِ»[3]ثمّ ذكر داود لهذين الأخوين أنّ هذه الحالة تكاد تكون طبيعية لدى‌ بني البشر وخاصة في حالة الشركة مع بعضهم فيتحرك بعضهم من موقع الظلم والاجحاد بحقّ البعض الآخر، باستثناء المؤمنين الّذين يمنعهم إيمانهم من سلوك طريق الباطل وقال لهما «وَانَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَآءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ الَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ».

ونقرأ في ذيل الآية الكريمة «وَظَنَّ دَاوُدُ انَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَانَابَ»[4].

[1]. سورة هود، الآية 87.

[2]. سورة ص، الآية 33.

[3]. سورة ص، الآية 34.

[4]. سورة ص، الآية 34.


صفحه 72

ولكن ماذا حدث لداود في هذه الفتنة وهذا الامتحان الإلهي؟ هناك كلام كثير بين المفسّرين، وأما ما ورد في التوراة المحرّفة الحالية فيتلخص في أنّ داود كان قد طمع في زوجة أحد قادته العسكريين ويدعى «اورياي حتى» والّذي كانت له زوجة جميله جدّاً فعشقها داود واحتال لتحريرها من قيد زوجيتها مع اوريا ليتمكن من الزواج بها مع انه كانت له أزواج عديدة، وهكذا نرى أنّ هذه القصة المفتعلة لا تتناسب مطلقاً مع قداسة الأنبياء الإلهيين بل لا تتناسب مع الأخلاق الإنسانية لدى‌ أيّ إنسان في المستوى المتوسط من الأخلاق، فانّ كلّ إنسان يستقبح هذه الحالة في نفسه وفي غيره من البشر.

والمشهور بين المفسّرين الإسلاميين هو أنّ امتحان داود كان يتعلق بمسألة القضاء وانه استعجل في حكمه وقبل أن يسمع حجّة الطرف الآخر حكم بينهما وقضى‌ للأوّل على الثاني، وبالرغم من أنّ حكمه وقضائه كان مصيباً للحقّ فإنّ اللَّه تعالى وبّخه على تركه للأولى‌ في هذه القضية، ثمّ إنّ داود التفت إلى ذنبه وتاب منه.

وعلى أيّة حال فمقصودنا من استعراض هذه القصة هو أنّ الإنسان عندما يستولي عليه الحرص والطمع فإنه يتحرّك من موقع ارتكاب الظلم والجور حتّى بالنسبة إلى أخيه الضعيف والمسكين ولا يأبى‌ عن غصب حقّه وحرمانه من أبسط لوازم الحياة والمعيشة.

أجل فإنّ الحرص على الدنيا وملذاتها لا يعرف حدّاً وحدوداً بل يجرّ الإنسان إلى ارتكاب أشنع الظلم والجور في حقّ الآخرين.

«الآية الرابعة»من الآيات التي جاءت فى البحث وتشير إلى حرص اليهود على الحياة الدنيا، وتنطلق الآية من موقع الذم لهؤلاء فتقول: «وَلَتَجِدَنَّهُمْ احْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ اشْرَكُوا».

هؤلاء حريصون على جمع الأموال والثروات، حريصون على الملك والتسلط على الدنيا، حريصون على التمسّك بزمام الامور، والعجيب أنّهم احرص من المشركين الّذين لا يلتزمون بأيّ دين ولا يعتقدون بأيّة شريعة سماوية في حين أنّ التعليمات السماوية تذم‌


صفحه 73

هذه الحالة الأخلاقية السلبية والمفروض بالإنسان الملتزم بالدين والشريعة أن تؤثر فيه هذه التعليمات السماوية وتحدد من حرصه على الدنيا وزخارفها الزائلة ولكننا نجد أنّ اليهود كانوا أحرص من المشركين عليها.

وكما تقول الآية «يَوَدُّ احَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ الْفَ سَنَةٍ».

فهؤلاء و من أجل جمع الثروات وبدافع الخوف من العذاب الإلهي الّذي ينتظرهم بسبب ظلمهم وعدوانهم وغصبهم لحقوق الآخرين وسفكهم لدماء الأبرياء فإنّهم كانوا يتمنون هذا العمر الطويل.

والملفت للنظر أنّ حالة اليهود في هذا العصر لم تختلف عنها في العصور السابقة فنراهم يعيشون حالة الحرص الشديد هذه بل وأشد من السابق، فإنّ التاريخ المعاصر يشهد بأن اليهود لا يمتنعون من ارتكاب أيّة جناية في سبيل المزيد من جمع الثروات والأموال، فما أكثر الحروب الدامية الّتي أشعلوها بين المجتمعات البشرية، وما أكثر دماء الأبرياء الّتي سفكوها، وما أكثر الفتن الّتي أوقدوا نيرانها بين الشعوب، وما أكثر الأسلحة والمواد المخدّرة الّتي تاجروا بها لإفساد وتدمير العلاقات الإجتماعية بين أبناء البشر، كلّ ذلك من أجل تحكيم اركان سيطرتهم على مقدّرات الامم والشعوب، وما أكثر الكذب والدجل والذي يروجونه بين الناس من الإذاعات العالمية الّتي يقف الصهاينة واليهود من ورائها.

إذا أردنا أن نستعرض النتائج السلبية والعواقب الوخيمة لحالة الحرص والطمع وحب الدنيا على الإنسان فينبغي أن نستعرض أعمال هؤلاء على هذا المستوى‌.

وتعبير«حياة»الّذي جاء في الآية بصورة نكرة لعله إشارة إلى هذه الحقيقة، وهي أنّ هؤلاء القوم يريدون ويطلبون الحياة لأجل اللّذة فقط ولكن أيّة حياة؟ هل هي حياة إنسانية، أو حياة حيوانية، أو حياة الوحوش في البراري والغابات؟ كلّ ذلك غير مهم في نظر هؤلاء.

وكما قال بعض المفسّرين أنّ هذه الآية لا تتحدّث عن اليهود فقط بل تمثل تحذيراً لجميع أفراد البشر تحذرهم من الحرص وعواقب حبّ الدنيا لكيلا يبتلوا بما ابتُلي به اليهود في حياتهم الدنيوية وسلوكياتهم الأخلاقية.


صفحه 74

وقد ورد في الآيات القرآنية والروايات الشريفة عن اليهود أنّهم قتلوا الكثير من الأنبياء الإلهيين لمجرّد مخالفتهم لهم ونهيهم عن سلوكياتهم المنحرفة ورغباتهم اللامشروعة في هذه الحياة، وكذلك تحريفهم لآيات اللَّه وكتبه السماوية وكلّ ذلك كان بسبب حرصهم وحبهم للدنيا.

«الآية الخامسة»تتحرّك على مستوى استعراض صفات الإنسان وحالاته السلبية من الحرص والجزع والبخل وأمثال ذلك وتقول: «انَّ الْانْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً* اذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً* وَاذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً».

وقد ذكر المفسّرون وأرباب اللغة لكلمة«هلوع»معان كثيرة، وفي الواقع أكثرها من باب اللازم والملزوم ومتقاربة المعنى، ومن ذلك ما ذكره صاحب لسان العرب من المعاني الأربعة لهذه الكلمة وهي: الحرص، الجزع، الضجر، وقلة الصبر، وأورد في «مجمع البيان» أيضاً لمعنى الهلوع:«ضجور» و «شحيح» و «جزع» و «شديد الحرص».

وذهب صاحب كتاب التحقيق أنّ الجذر الأصلي لهذه الكلمة هو رغبة الإنسان في الاستمتاع بالنعم والملذات، أما الجزع والحرص وقلّة الصبر فكلّها من آثار هذه الكلمة ومعناها الأصلي.

ومن مجموع ما تقدّم يظهر أنّ هذه الكلمة تتضمن ثلاث نقاط سلبية في دائرة الأخلاق وهي: الحرص، الجزع والبخل.

وفي الواقع فإنّ تفسير كلمة«هلوع»ورد في نفس السورة بعد هذه الآية حيث يمكن استفادة المفهوم الواقعي لها بحيث تتضمن هذه المعاني الثلاثة لأن‌«جزوع»من مادة«جزع» و «منوع»من مادّة«منع»،ويدخل في معناها البخل والحرص.

وعلى أيّة حال فإنّ الآيات المذكورة وردت في مقام ذم الأشخاص الّذين يستولي عليهم الحرص والبخل والجزع.

ويمكن القول أنّ‌«الحرص»هو المصدر الأساس للبخل، لأن الحريص يريد الاحتفاظ


صفحه 75

بكلّ شي‌ء لنفسه ومنه ينشأ البخل، وكذلك فإنّ الحرص أحياناً يسبب الجزع وقلّة الصبر، لأن الحريص إذا فقد بعض ممتلكاته ومتعلقاته فسوف يتألم كثيراً ويتعامل مع الامور من موقع الجزع والحدّة.

فالآية الشريفة تقرر بأن الإنسان قد خُلق بهذه الصفات، ولكن قد يُثار في الذهن هذا التساؤل، وهو أنّ اللَّه تعالى قد خلق الإنسان من أجل السعادة الخالدة ونيل المقامات والكمالات المعنوية، فكيف يخلقه بهذه النقائص ونقاط الضعف الّتي تحجبه عن سلوك طريق الحقّ وتصدّه عن السير في طريق الكمال والسعادة؟

وقد أجاب البعض على هذا السؤال بأن هذه الصفات السلبية تتعلق بالإنسان الفاقد للإيمان، فإنّ طبع الإنسان المؤمن يتناغم مع الصبر والمثابرة والكرم وأمثال ذلك ولكن عندما ينفصل عن دائرة الإيمان، فمن الطبيعي أن يجزع مقابل أقل مشكلة وأدنى شدّة لأنّه يفتقد السند والدعامة الأساسية في حياته العملية ويجد نفسه وحيداً في مقابل تحدّيات الواقع الصعبة، فلذلك يتعامل مع الحياة من موقع الحرص والبخل ولا يجد في نفسه اعتماداً وتوكلًا على اللَّه تعالى الّذي بيده مفاتح الغيب وبالتالي لا يطمئن إلى غده وما سيواجهه في المستقبل من حوادث وأزمات.

والشاهد على هذا هو أنّ الآيات الّتي جاءت بعد هذه الآية استثنت المصلين من هذا الحكم العام على الإنسان، ويحتمل أيضاً أنّ الآيات محل البحث كما هو الحال في كثير من الآيات الشريفة الّتي تصف الإنسان بأنه‌«ظلوم» و «جهول» و «يؤوس» و «كفور» و «طغى‌»وأمثال ذلك، فتشير هذه الآيات إلى وجود بُعدين في كيان الإنسان: البُعد الّذي يأخذ بالإنسان ويصعد به إلى أعلى علّيين، وهو ما يصطلح عليه بقوس الصعود، والبُعد الآخر ما يجره إلى أسفل السافلين وهو قوس النزول.

ويرى العلّامة الطباطبائي في‌«الميزان»رأياً آخر في هذا الصدد، فيقول بأن الحرص صفة من الصفات الذاتية للإنسان ومتفرعة على حبّ الذات، وهي في الأصل ليست من الرذائل لأن حبّ الذات الّذي تتولد منه هذه الصفات هو المحور الأساس الّذي يسوق‌


صفحه 76

الإنسان إلى الكمال المعنوي ويدفعه نحو طريق السعادة الخالدة، فهذه الصفات إنّما تكون ذميمة وقبيحة فيما لو لم يستخدمها الإنسان في الطريق الصحيح واللائق، وفي الحقيقة أنّ هذه الصفات مثل سائر الصفات النفسانية الّتي إذا لزمت حدّ الاعتدال تُعدّ فضيلة وإذا تجاوزت إلى جهة الافراط أو التفريط فإنّها تكون من الرذائل.

وعلى أيّة حال فالآيات أعلاه تبين أنّ القرآن الكريم دعا جميع الناس إلى الإيمان والصلاة والدعاء والإنفاق في سبيل اللَّه لإطفاء نار الحرص والبخل والجزع في وجوده وواقعه النفساني.

«الآية السادسة»تستعرض واقعة من الوقائع الّتي جرت في زمان صدر الإسلام حينما كان المسلمون يعيشون القحط والجوع وغلاء الأسعار، وهناك وردت قافلة إلى المدينة محملة بالبضائع والمواد الغذائية من الشام وقد صادف دخول هذه القافلة الظهر من يوم الجمعة حيث كان النبي يخطب في الناس خطبتي الجمعة.

وقد كان المتعارف في ذلك الزمان أنّه عندما تَرد قافلة إلى مدينة معيّنة تُدق الطبول ويُعزف على آلات الموسيقى‌ حتّى يجتمع الناس بسرعة لشراء ما يحتاجونه من هذه القافلة، وعندما سمع المصلون صوت القافلة الواردة إلى المدينة ترك بعضهم من الّذين أسلموا حديثاً صلاة الجمعة وتوجّهوا إلى السوق لشراء البضاعة من القافلة في حين لم يكن لذلك ضرورة لازمة وكان من الممكن التوجّه إلى القافلة بعد إتمام صلاه الجمعة، وعلى أيّة حال فلم يبق في المسجد سوى‌ اثنا عشر رجلًا وامرأة واحدة، فنزلت الآيات أعلاه تذم هؤلاء الّذين تركوا صلاة الجمعة بدافع الحرص على زخارف الدنيا، وقد ورد في الحديث الشريف أنّ النبي قال حينها: لو لم يبق هؤلاء النفر لأمطرت السماء حجارة على الناس.

ويُستفاد من سياق الآية أعلاه أنّ التوجّه إلى السوق والقافلة لم يكن بدافع من تأمين الحاجات الضرورية للمعيشة بل بدافع من الهوى‌ وسُماع الألحان الموسيقية لدى‌ البعض، وقد يكون بدافع من التجارة والربح المادي لدى‌ البعض الآخر.