ذلك فلماذا يجد في نفسه الرغبة للتدخل في حياة الآخرين الخصوصية والتجسّس عليهم والكشف عن أسرارهم؟ هذه المقارنة وعملية استنطاق الذات للحكم في هذه المسألة يمكنها أن تمثّل رادعاً قوياً للإنسان، وكذلك الإلتفات إلى الآثار السلبية والنتائج السيئة للتجسّس على مستوى الحياة الفردية والاجتماعية وشدّة العقاب الإلهي في الدنيا والآخرة، وأنّ كلّ شخص يسعى لإذاعة أسرار الآخرين والكشف عن خباياهم فإنّ اللَّه تعالى سيكشف عيوبه وأسراره على الملأ ويزيل ستره عن هذا الإنسان في الدنيا والآخرة، فمثل هذه الامور يمكنها أن تخلق أثراً نفسياً قوياً يمنع الإنسان من التورّط في هذه الخطيئة.
ولكن المهم والضروري ليس في علاج هذه الخصلة الأخلاقية فحسب بل في الصفات والخصال السلبية الاخرى، وهو ضرورة تكرار العمل المانع عن ارتكاب هذه الرذيلة، فيطالع ما ذكرناه آنفاً من الآثار السلبية والعقوبات الإلهية والدوافع الشريرة لهذه الحالة الذميمة ويكرّرها مرّات عديدة لتحصل له بذلك حالة زاجرة ورادعة بإمكانها أن تقلع جذور هذا المرض من قلبه وتحلّي الروح والنفس بأنوار الفضيلة والهدوء والاستقرار.
حفظ السِّر وإفشائه:
هذه المسألة في الحقيقة تعدّ تكملة للأبحاث السابقة، أو بعبارة اخرى، يمكن أن نضع حفظ السر وإفشاءه بعنوان فضيلة أخلاقية للأول ورذيلة بالنسبة إلى الثاني ودراستهما بشكل مستقل، ويمكن أن نضعهما ضمن بحث التجسّس ولكونه مسألة من مسائل موضع التجسّس وداخل في إطار هذا الموضوع.
وعلى أيّة حال فإنّ تعريف حفظ السر أنّ الكثير من الناس لديهم أسرار خفيّة على الناس سواء كانت حسنة أو سيئة، فلو اذيعت على الملأ فإنّهم يتعرّضون للخسارة والضرر، مثلًا إذا كان الشخص ذا مكانة اجتماعية كبيرة ومنزلة قويّة في المجتمع ولكن بسبب غلبة الوساوس الشيطانية ارتكب بعض الذنوب الكبيرة، وقد علم بذلك شخص أو عدّة أشخاص
من الناس، فلو أنّ هذا السر اذيع على الناس وعلم به الآخرون فانّ ذلك من شأنه أن يهدد شخصيته الاجتماعية ومكانته المرموقة بالسقوط، ولذلك فإنّه يطلب من ذلك الشخص أو الأشخاص الذين علموا بهذا السر أن يتحرّوا إخفاءه ويجتنبوا إذاعته للناس.
أو أنّه يقوم بعمل صالح ونافع للناس ولكن إذا علم الناس بذلك وفهموا ما لهذا الإنسان من مقامات عالية وأخلاق سامية فمن الممكن أن تزداد فيهم حالة التمجيد والثناء تجاه هذا الشخص وبالتالي تتعرّض نيّته الخالصة إلى التزلزل والتلّوث أو يبتلى بالعجب والغرور، ولذلك فانّه يطلب من هذا الفرد أو الأفراد الذين علموا بصدور هذا الفعل الحسن منه أن يكتموا عليه هذا السر ولا يذيعوه للناس.
أو أنّه يقوم بعمل مهم على المستوى الاقتصادي ولكن لو علم بذلك منافسوه في السوق فإنّ منافعه ومصالحه المادية تتعرض للخطر، ولذلك يطلب من الشخص الذي علم بذلك أن يكتم عليه هذا العمل ولا يفشي سرّه على الناس، وعليه فإنّ مسألة حفظ السر لا تختص في الذنوب والرذائل الأخلاقية بل قد تتعدّى إلى الفضائل المعنوية أو المنافع والمصالح المادية المهمّة، وبكلمة واحدة فإنّ حفظ السر يتعلّق بالأسرار التي إذا اذيعت فسوف تسبب الضرر والخسارة على صاحبها، سواء كان هذا السر يتعلّق بشخص خاص أو بالمجتمع الإسلامي.
وقد لا نجد في الآيات القرآنية الكريمة ما يدلّ بصراحة على ضرورة حفظ السر أو قبح إفشاء السر، وبالطبع فإنّ كلمة (السر) وردت في القرآن الكريم مرّات عديدة ولكن ليس واحد منها يرتبط ببحثنا الحاضر، بل في الغالب تتضمّن علم اللَّه تعالى بجميع الأسرار وخفايا الامور، وبعبارة اخرى: إنّها تحكي عن سعة علم اللَّه تعالى، ومع الأسف فاننا نرى بعض الكتّاب الإسلاميين بدون الإلتفات إلى مضمون هذه الآيات تصوّروا أنّها تتحدّث عن مسألة حفظ السر.
هذا ولكن وردت في القرآن الكريم تعبيرات اخرى تدل على موضوعنا بالأدلة الالتزامية وتتضمّن مدح فضيلة حفظ السر أو اقبح إفشاء السر، ومن ذلك:
1- ما ورد في الآية 16 من سورة التوبة: «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ
جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ».
فهذه الآية تخاطب المسلمين بأنّ يحفظوا أسرارهم عن الأشخاص الذين لا يثقون بهم ولا يطمئنون إليهم، بل يكشفوا أسرارهم إلى من يطمئنوا إليهم ويثقوا بهم، ومفهوم هذه الآية الشريفة هو أنّ حفظ السر يعتبر فضيلة من الفضائل الأخلاقية بخلاف إفشاء السر الذي يعدّ رذيلة في المقابل.
2- ونقرأ في الآية 118 من سورة آل عمران قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَايَأْلُونَكُمْ خَبَالًا».
(بطانة) لها مفهوم يماثل مفهوم كلمة (وليجة) فكليهما معنيان محرم الأسرار وأنّ اللَّه تعالى يخاطب جميع المؤمنين ويقول مؤكّداً عليهم أن لا يجعلوا غير المسلمين محرم أسرارهم، فهو في الواقع إشارة إلى لزوم حفظ الأسرار والذم لمن يعمل على إفشاء السر، غاية الأمر أنّ هذه الآية والآية التي قبلها ليست ناظرة للأسرار الخاصة والشخصية، بل ناظرة إلى أسرار المجتمع الإسلامي التي يمثل إفشاؤها للأعداء ضربة كبيرة للمسلمين.
وقد يتصوّر أنّ الآية 83 من سورة النساء التي تقول: «وإذا جاءَهُم أَمرُ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ».
أنّ اللَّه تعالى في هذه الآية الشريفة يتحدّث عن المنافقين أو بعض الأشخاص الذين يعيشون ضعف الإيمان واهتزاز العقيدة ويذمّهم على أنّه إذا وصل إليهم خبر انتصار المسلمين أو هزيمتهم في ميدان القتال أذاعوا هذا الخبر ونشروه بين الناس.
ولكن ذيل الآية يدلّ على أنّها ناظرة إلى إشاعة الشائعات الواهية أو المشكوكة لأنّها تقول بعد ذلك: «وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا»[1].
والتعبير بالأمن أو الخوف الوارد في هذه الآية هو إشارة إلى أنّ الأعداء أحياناً يشيعون
[1]. سورة النساء، الآية 83.
أخباراً تتعلق بانتصار المسلمين لكي تضعف فيهم الرغبة في القتال والجهاد، وأحياناً يبثّون الشائعات التي تتحدّث عن هزيمة المسلمين ليدّب اليأس في قلوبهم، القرآن الكريم يحذّر المسلمين هنا عن تصديق هذه الشائعات لكي لا تؤثر خطط الأعداء ومؤامراتهم في نفوسهم فلا يصلوا إلى مقاصدهم من تضعيف معنويات المسلمين.
وبالطبع فإنّ القرآن الكريم في مورد زوجات النبي ولزوم حفظ السر تحدّث بالتفصيل في سورة التحريم التي تعرّضت إلى بعض أزواج النبي من موقع الذم والتوبيخ الشديد لأنّهن قصّرن في حفظ أسرار بيت النبي صلى الله عليه و آله قالت: «وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِي الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ* إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ»[1].
أمّا ما هو السر الذي أذاعته بعض زوجات النبي الأكرم صلى الله عليه و آله فهناك بحوث مفصّلة بين المفسّرين يطول إيرادها وذكرها في هذا المقام ويمكن للقاريء الكريم أن يرجع إلى التفسير الأمثل ذيل هذه الآية 3 و 4 من سورة التحريم.
المورد الآخر الذي تحدّث القرآن الكريم فيه عن حفظ السر (وطبعاً بالإشارة لا بالتصريح) هو في مورد قصّة أبولبابة الذي إستشاره بنو قريضة (وهم قبيلة من اليهود الذين كانوا يكيدون للمسلمين ويتآمرون عليهم بشدّة) وهل أنّهم سيتسلمون لحكم النبي الأكرم صلى الله عليه و آله؟ فأشار إليهم أبو لبابة على رقبته بالذبح، أي أنّكم لو استسلمتم للنبي فإنّه يأمر بقتلكم جميعاً، ثمّ أنّه ندم على ذلك أشدّ الندم وأدرك أنّه ارتكب خيانة كبيرة للمسملين، فما كان منه إلّاأن ربط نفسه بأحد اسطوانات المسجد وتاب من فعلته هذه فتاب اللَّه عليه، ونزلت الآية 72 من سورة التوبة تعلن قبول توبته حيث تقول الآية: «وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ».
وكلمة (آخرون) إشارة إلى أنّ محتوى هذه الآية لا يتعلّق بشخص خاص أو فرد معيّن،
[1]. سورة التحريم، الآية 3 و 4.
بل يستوعب جميع الذين ارتكبوا بعض الذنوب وانطلقوا من موقع الندم وجبران هذا النقص وتابوا توبة صالحة وصادقة.
هذا ما يتعلّق بمجموع الإشارات الواردة في آيات القرآن الكريم بالنسبة إلى مسألة حفظ السّر وإفشائه.
حفظ السِّر في الروايات الإسلاميّة:
ونجد في الروايات الإسلامية تعبيرات مختلفة وكثيرة فيما يتعلّق بحفظ السر وضرورة الالتزام بعدم إفشائه وإذاعته ممّا يدلّ على إهتمام الإسلام بهذا الموضوع حتى أنّه قرّر أنّ أسرار الآخرين بمنزلة الأمانة لدى الشخص وإفشائها يعني الخيانة للأمانة:
1- ما ورد عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنّه قال:«إِذا حدَّثَ الرَّجُلُ الحَدِيثَ ثُمَّ إلتَفَتَ فِهي أَمانَةٌ»[1].
هذه الالتفاتة تعني أنّه لا يريد أن يسمعه آخر، فحينئذٍ يكون إفشاء هذا السرّ بمثابة الخيانة بالأمانة.
2- ونقرأ في حديث آخر عن أميرالمؤمنين عليه السلام قوله:«مَنْ أَفشى سرَّاً إِستَودَعَهُ فَقَدْ خانَ»[2].
3- وفي حديث آخر عن الإمام عليه السلام أيضاً أنّه قال:«مَنْ كَشَفَ حَجابَ أَخِيهِ إِنكَشَفَ حَجابَ بَيتِه»[3].
4- ونقرأ في حديث آخر عن أميرالمؤمنين عليه السلام قوله:«جُمِعَ خَيرَ الدُّنيا وَالآخِرَةِ فِي كُتمانِ السِّرِّ وَمُصادَقَةُ الأَخيارِ وَجُمِعَ الشَّرِّ فِي الاذاعَةِ وَمُواخاةُ الأَشرارِ»[4].
وطبعاً فإنّ كتمان السر يمكن أن يكون إشارة إلى كتمان سر الإنسان نفسه، ولكنّ اطلاق
[1]. المحجة البيضاء، ج 5، ص 237.
[2]. غرر الحكم.
[3]. المصدر السابق.
[4]. بحار الانوار، ج 71، ص 178، ح 17.
العبارة يدلّ على شمول الحديث لكتمان الأسرار الذاتية التي تتعلّق بالآخرين.
أقسام حفظ السِّر:
لحفظ السّر أقسام متعددة منها:
1- حفظ أسرار الآخرين.
2- حفط أسرار النفس.
3- حفظ أسرار أولياء الدين.
4- حفظ أسرار النظام والحكومة الإسلامية.
أمّا ما ورد في الروايات المذكورة آنفاً فإنّه يتعلّق بحفظ أسرار الآخرين، ولكن هناك روايات واردة في حفظ أسرار النفس أيضاً حيث توصي المسلمين بحفظ أسرارهم الخاصة في حياتهم الفردية، لأنّه قد تكون إذاعتها وإفشائها سبباً لإثارة عناصر الحسد والحقد والمنافسة غير المنصفة، وبالتالي يقع الإنسان مورد عدوان الأشخاص الذين يعيشون الحقد وضيق الافق وتتعرّض مصالحه إلى خطر كما نقرأ فيما يلي نماذج لهذه الروايات:
1- ما ورد في الحديث الشريف عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال:«سِرُّكَ سُرُورُكَ إِنْ كَتَمتَهُ وإِنْ أَذَعَتَهُ كانَ ثُبُورَكَ»[1].
2- ويقول عليه السلام في حديث آخر:«سِرُّكَ أَسِيرُكَ فَإنْ أَفشَيتَهُ صِرتَ أَسِيرَهُ»[2].
3- ونقرأ في حديث آخر عن هذا الإمام عليه السلام قوله:«صَدرُ العاقِلِ صُندُوقِ سِرِّهِ»[3].
4- ونقرأ في حديث شريف عن الإمام الصادق عليه السلام قوله:«سِرُّكَ مِنْ دَمِكَ فَلا يَجرِينَ فِي غَيرِ أَودَاجِكَ»[4].
[1]. غرر الحكم.
[2]. المصدر السابق.
[3]. نهج البلاغة، الكلمات القصار، الكلمة 6.
[4]. ميزان الحكمة، ج 4، ص 427.
5- وجاء في حديث عميق المعنى عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام أنّ المؤمن لا يكون مؤمناً إلّاإذا توفّرت فيه ثلاث خصال:«فَسُنَّةٌ مِنْ رَبِّهِ كِتمانُ سِرِّهِ قالَ اللَّهُ تَعالى:
عالِمُ الغَيبِ فَلا يُظهِرُ عَلى غَيبِهِ أَحَداً إلّامَنِ ارتَضى مِنْ رَسُولٍ»[1].
ونقرأ في بعض الروايات أيضاً أنّها توصي بحفظ الأسرار وعدم إذاعتها حتى لأقرب المقرّبين من الأصدقاء، لأنّه يمكن أن تتغيّر الظروف والأيّام وينقلب الصديق إلى عدو وبالتالي سوف يتحرّك على مستوى إذاعة هذه الأسرار وإفشائها.
ويقول الإمام الصادق عليه السلام:«لا تَطَّلِع صَدِيقَكَ مِنْ سِرِّكَ إِلّا عَلى ما لَو اطَّلَعتَ عَلَيهِ عَدُوَّكَ لَمْ يَضُرُّكَ فَإنَّ الصَّدِيقَ قَد يَكُونَ عَدُوُّاً يَوماً ما»[2].
أمّا في مورد إفشاء أسرار أولياء اللَّه تعالى والأئمّة المعصومين عليهم السلام فقد وردت روايات مهمّة جدّاً تؤكّد بشدّة على كتمان هذه الأسرار.
وهذه الأسرار يمكن أن تكون إشارة إلى المقامات المعنوية المهمّة للمعصومين بحيث أنّ الأعداء إذا اطّلعوا عليها حملوا ذلك على محمل الغلو وكان ذلك ذريعة بيدهم لتكفير الشيعة أو تضعيفهم أو القضاء عليهم في حين أنّها ليست من الغلو بل هي مقامات موافقة للقرآن الكريم وللسنة النبوية.
أو هي إشارة إلى أسرارهم بالنسبة إلى العمل في نشر مذهب أهل البيت في المناطق المختلفة من البلاد الإسلامية حيث يثير هذا الموضوع حساسية المخالفين فيزدادوا تعصّباً ويعملوا على منع هذه الأعمال والنشاطات الدينية.
أو أنّها إشارة إلى زمن الظهور للإمام القائم عليه السلام من أهل البيت عليهم السلام كما وردت الإشارة إلى ذلك في بعض الروايات الشريفة وأنّ بعض الأئمّة المعصومين عليهم السلام عزم على القيام بوجه الحكومات الظالمة في ذلك الزمان، ولكن بما أنّ بعض الشيعة أذاعوا أسرار هذه النهضة فإنّ ذلك أدّى إلى فشلها وإجهاضها، وقد وردت الإشارة إلى ذلك في بعض الروايات التي تحثّ
[1]. بحار الانوار، ج 72، ص 68.
[2]. ميزان الحكمة، ج 4، ص 427، ح 8419.
الشيعة على كتمان أسرار المعصومين عليهم السلام ومن ذلك:
1- ما ورد في الحديث الشريف عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال:«إِذا تَقارَبَ هذا الأَمرُ كانَ أَشَدُّ لِلتَّقِيَّةِ»[1].
2- ونقرأ في حديث آخر عن هذا الإمام عليه السلام قوله:«مَنْ أَفشى سِرَّنا أَهلَ البَيتِ أَذاقَهُ اللَّهُ حَرَّ الحَدِيدِ»[2].
3- ونقرأ أيضاً في حديث آخر عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام أنّه قال لأحد أصحابه:
«آمُرُكَ أَنْ تَصُونَ دِينَكَ وَعِلمَنا الَّذِي أَودَعناكَ وَأَسرارنا الَّذِي حَمَلناكَ فَلا تُبدِ عُلُومَنا لِمَنْ يُقابِلُها بِالعَنادِ ... ولا تُفشِ سِرَّنا إِلى مَنْ يَشِيعُ عَلَينا عِندَ الجاهِلِينَ بِأَحوالِنا»[3].
ويستفاد من هذا الحديث الشريف أنّ إذاعة أسرار الأئمّة المعصومين عليهم السلام أمام أهل الحق ومن يتحرّك في سبيل طلب الهداية والحق فإنّه لا بأس به ولا مندوحة منه، ولكنّ المنع الوارد في الروايات يختصّ باذاعتها للأشخاص الذين يعيشون العناد والحقد وأنّهم لو سمعوا بمقامات أهل البيت وفضائلهم وعلومهم فإنّهم سيجدون في أنفسهم الحسد وتتحرّك فيهم البغضاء فيتكلّمون بكلمات غير مسؤولة ويثيرون المصاعب والمشكلات أمام أتباع أهل البيت عليهم السلام.
4- ونقرأ في حديث آخر عن الإمام الصادق عليه السلام قوله:«إِمتَحِنوا شِيعَتَنا عِندَ ثَلاثٍ: عِندَ مَواقِيتِ الصَّلاةِ كَيفَ مُحافَظَتَهُم عَلَيها، وعِندَ أَسرارهِم كَيفَ حِفظُهُم لَها عَنْ عَدُوِّنا وَإِلى أَموالِهِم كَيفَ مُواساتِهِم لإِخوانِهِم عَلَيها»[4].
5- وورد في حديث شريف عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال:«ما قَتَلَنا مَنْ أَذاعَ حَدِيثَنا قَتلَ خَطاءٍ وَلَكِن قَتَلَنا قَتلَ عَمدٍ»[5].
[1]. بحارالانوار، ج 72، ص 412.
[2]. المصدر السابق.
[3]. المصدر السابق، ص 418.
[4]. المصدر السابق، ج 80، ص 22.
[5]. اصول الكافي، ج 2، ص 370، ح 4.