3- الشكر وكفران النعمة
تنويه:
«شكر النعمة» يمكن أن يكون باللسان أو بالعمل، وعليه فإنّ «الكفران» هو عدم الاعتناء بالنعم وتحقيرها وتضييعها، وهو أيضاً من الرذائل الأخلاقية ذات العواقب الوخيمة، سواء كانت على الصعيد الفردي أو الاجتماعي، والواقع أنّ الشكر يقرّب القلوب ويحكّم المحبّة في المجتمع، والكفران يقطع أواصر المحبّة والوئام ويجعل من المجتمع جهنّماً لا يطاق يعيش فيه الانسان حالات من العداوة والبغض والحقد!
كفران النعمة مانع كبير أمام تكامل الروح الإنسانية وتهذيبها والسير إلى اللَّه تعالى، حيث يتسبب في ذبول عناصر الخير في الضمير ويطفيء النور الباطني الممتد في أعماق الوجدان ويلّوث الروح.
و «شكر النعمة» هو قضية فطرية، اودعت في الإنسان لتفتح له آفاق التوحيد ومعرفة اللَّه تعالى، ولهذا نجد أنّ كثيراً من علماء العقائد يفتتحون بحوثهم بمسألة «ضرورة معرفة المنعم»، وسيأتي شرحها في المستقبل إن شاء اللَّه تعالى.
بهذه الإشارة نعود للقرآن الكريم لنستعرض فيه الآيات التي تذم حالة الكفران، وتمدح حالة الشكر للنعمة:
1- «وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ»[1].
2- «وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِىٌّ كَرِيمٌ»[2].
3- «وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىٌّ حَمِيدٌ»[3].
4- «وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ* وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ»[4].
5- «وَإِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُوراً»[5].
6- «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ* جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ»[6].
7- «وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ»[7].
8- «لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ* فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ* ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ»[8].
تفسير واستنتاج:
«الآية الاولى»تستعرض كلام النبي موسى عليه السلام مع بني اسرائيل، حيث يذكرهم بأمر
[1]. سورة ابراهيم، الآية 7.
[2]. سورة النمل، الآية 40.
[3]. سورة لقمان، الآية 12.
[4]. سورة هود، الآية 9 و 10.
[5]. سورة الاسراء، الآية 67.
[6]. سورة ابراهيم، الآية 28 و 29.
[7]. سورة النحل، الآية 112.
[8]. سورة السبأ، الآية 15- 17.
إلهي مهم: «وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ»، فذكّرهم النبي عليه السلام بقضية الشكر ومعطياته والكفران وآثاره السلبية وذلكبعدما انتصروا على فرعون ونالوا الاستقلال وذاقوا طعم الحرية والعظمة وظهرت منهم بوادر كفران النعمة.
جملة «لأزيدنّكم» فيها أنواع من التأكيدات، فهي وعد إلهي قطعي للشاكرين، بأنّه سيزيدهم من فضله، واللطيف في الأمر أنّ اللَّه تعالى لم يخاطب كفّار النعمة بالقول:
«لُاعذّبنكم» بل قال: «إنّ عذابي لشديد» وهو نهاية اللطف والرحمة في دائرة التعامل المولوي تجاه المخلوقين، وفي نفس الوقت تهديد شديد ووعيد مخيف لكفّار النعم بأنّ عليهم أخذ العبرة من قصة بني اسرائيل عندما كفروا أنعُم اللَّه «فتاهوا» في الصحراء أربعين سنة.
في«الآية الثانية»يدور الحديث عن النبي سليمان عليه السلام وقومه، عندما اقترح عليهم أن يأتوه بعرش ملكة «سبأ»، فقال له أحد حواريه وكان عنده علم من الكتاب: «أنا آتِيكَ بِهِ قَبلَ أن يَرتدَّ إلَيكَ طَرفُكَ»، فشعر سليمان عليه السلام بالفرح يغمر نفسه لوجود مثل هذه الشخصيات في بلاطه ولديهم الروحيات والمعنويات القوية، فقرر أن يشكر الخالق تعالى، فقال:
«وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِىٌّ كَرِيمٌ».
والجدير بالذكر أنّ ثواب الشاكر ذكر في هذه الآية بوضوح، ولكن عقاب من يكفر بالنعمة ذكر بصورة غير مباشرة «وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِىٌّ كَرِيمٌ» حيث ركزت الآية على كرم اللَّه تعالى، وهو نهاية رحمة اللَّه ولطفه في دائرة التخاطب مع الإنسان.
ويمكن استفادة نقطة مهمّة اخرى من الجملة الانفة الذكر، وهي أنّ اللَّه تبارك وتعالى يحذّر عباده من الكفر ويدعوهم للشكر لا لحاجة منه إليهم، وحتى على فرض كفران النعمة فإنّه يفيض من كرمه ولطفه على الناس لعلّهم يرجعون عن غيّهم ولا يحرمون أنفسهم من أنعُم اللَّه تعالى.
وأساساً فإنّ الكتب الإلهية تعود بالنفع على العباد أنفسهم، فهي بمثابة دروس لهم، لتربية أنفسهم، فالباري تعالى غنيٌّ بذاته ولا يحتاج إلى أحد، لا لطاعة العباد ولا عصيانهم ولا يضرونه بالعصيان شيئاً.
«الآية الثالثة»تحمل مضمون الآية السابقة حيث تستعرض لنا قصة «لقمان الحكيم»:
«وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىٌّ حَمِيدٌ».
الحكمة التي أتاها اللَّه تعالى للقمان تشمل معرفة أسرار الكون والعلم بطرق الهداية والصلاح، والطريقة المثلى للحياة الفردية والاجتماعية، التي جاءت بصورة نصائح لقمان لابنه في سورة لقمان، وهي موهبة إلهية ونعمة روحية أكّد اللَّه تعالى على أهميّتها، كما ذكر في الآية التي قبلها على أحدى النعم المعنوية، حتى لا يغرق الناس في منزلقات النعم المادية ويتصورون أنّ النعم والمواهب الإلهية تنحصر في الماديّات فقط.
ويجدر هنا الإشارة إلى نقطتين:
«الأولى»إنّ الشكر أتى بصورة الفعل المضارع، والكفران بصيغة الماضي، وهي إشارة إلى أنّ مسير التكامل والرقيّ والقرب إلى اللَّه تعالى يحتاج إلى المداومة على الشكر في حين أنّ لحظة من كفران بإمكانها أن تفضي إلى نتائج وخيمة وعواقب مؤلمة.
و «الثاني»إنّ الآية ركّزت على صفتي (الغني الحميد)، بينما كان التركيز في آية النبي سليمان عليه السلام على صفتي (الغني والكريم) وهذا الفرق يمكن أن يكون إشارة إلى أنّ اللَّه تعالى غنيٌّ عن شكر المخلوقين، فالملائكة تسبح بحمده وتقدسه على الدوام، وإن كان غنيّاً عنهم أيضاً، ولكن العباد بشكرهم يستوجبون المزيد من النعم عليهم.
«الآية الرابعة»انطلقت للحديث عن الأشخاص الذين يعيشون ضيق الافق وعدم الإيمان والتقوى، فهم يعيشون الكفران للنعمة بكل وجودهم:
«وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ* وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ
بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ».
نحن نعلم أنّ القرآن الكريم عندما يتحدث عن الإنسان في واقعه السيء ويصفه بصفات ذميمة بصورة مطلقة، إنّما يقصد الإنسان المنفصل عن اللَّه في حركة الحياة ومن يعيش عدم الإيمان أو ضعف الإيمان، ولهذا ورد في الآية التي جاءت بعد الآيات مورد بحثنا: «إلَّا الّذِينَ صَبَروا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ اولئِكَ لَهُم مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَرَيمٌ».
بهذا الاستثناء يتبيّن أنّ الأفراد الذين يعيشون حالة اليأس من رحمة اللَّه والغافلين والكفورين، أفراد لم يصلوا في واقعهم النفسي لمرحلة الإيمان بعد.
وعلى العموم يمكن أن نستنتج من الآيات الآنفة الذكر، أنّ الكفران وعدم الشكر تؤدي بالإنسان إلى التلّوث بصفات سيئة اخرى تحرمه المغفرة والأجر الكبير.
تعبير «لئن أذقنا» تعبير لطيف في الموردين فيقول: إنّ ضعاف النفوس والإيمان إذا سلبت منهم نعمة من النعم، فسرعان ما يجري على ألسنتهم الكفر ويدب اليأس في قلوبهم، وإن جاءتهم نعمة إذا بهم يغترّون ويتحركون في أجواء الغفلة والطغيان، والدنيا هي كلها شيء صغير وحقير، وما يصل إلى الإنسان منها أصغر وأحقر، ومع ذلك فإنّهم يتأثرون بسرعة لضعف نفوسهم وضيق آفاق إيمانهم.
ولكن الإيمان باللَّه تعالى ومعرفة ذاته المقدسة اللّامتناهية في القدرة والعلم، تمنح الإنسان عناصر القوة والحركة وتعينه على مواجهة أكبر الحوادث السيئة والحسنة دون أن تؤثر في نفسه شيئاً.
وتنطلق«الآية الخامسة»لتشير إلى الأفراد الذين يتوجهون إلى اللَّه تعالى عند وقوع المصيبة ويدعونه ويتوسلون بلطفه بكل وجودهم، وبمجرّد انقشاع سحائب الأزمة ينسون كل شيء ويكفرون مرّة اخرى:
«وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُوراً»
وطالما جرّبنا هذا الأمر في حياتنا الشخصية وشاهدنا ضعيفي الإيمان عندما يمحصون بالبلاء، كالمرض والفقر والمصائب الاخرى، يتوجهون باخلاص للباري تعالى وبمجرّد انكشاف تلك المصائب وعودة المياه إلى مجاريها تراهم يتغيّرون ويسلكون طريق الكفر والحال أنّ الإنسان في هذه الأحوال أيضاً يجب عليه التوجه والإلتجاء إلى الذات المقدسة أكثر من ذي قبل.
وفي تكملة الآية الكريمة يعبّر القرآن الكريم بتعبير جميل جدّاً حيث يقول: «أَمْ أَمِنتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِنْ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَاتَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً».
فهنا إشارة إلى أنّه كيف يمكن أن تكفروا وتتغيّروا فأينما تذهبوا فأنتم تحت سلطته، وبإمكانه أن يعذبكم في أي مكان كنتم فيه سواء في البرّ أو في البحر؟
ويجب التوجه إلى أنّ كلمتي«الخسف» و «الغرق»في هذه الآية لهما مفهوم مترادف فالأولى يراد بها الاختفاء في الأرض، والثانية الاختفاء في البحر.
«الآية السادسة»من الآيات تتوجه بالخطاب إلى الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله وتشرح عاقبة كفران النعم:
«أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ» وبعدها يضيف:
«جَهَنَّمَيَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ».
هذه التعبيرات تبيّن أنّ كفران النعم الإلهية، يمكن أن يؤدي بقوم أو بمجتمع بأكمله إلى قعر جهنّم ولا يستبعد نزول العذاب الدنيوي فيها حيث تبدل دنياهم إلى جحيم لا يطاق.
وقد اختلف المفسّرون في المقصود من النعمة في هذه الآية، فبعض قال: إنّها بركة وجود الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله فالعرب المشركون قد كفروا بالنعمة بانكارهم لدعوته ورفضهم الاذعان لرسالته فاحلّوا قومهم دار البوار، وفسّرها البعض الآخر بأهل البيت عليهم السلام حيث كفر بهم البعض أمثال بني امية، ولكن على الظاهر أنّ مفهوم الآية أوسع من هذه الدوائر والاطر
في مصاديق الآية ويشمل جميع النعم الإلهية، وما ذكر آنفاً يعدّ من مصاديقها الواضحة، على الرغم من تصريح الآيات التي وردت بعدها بالأشخاص الذين تركوا الإسلام والتوحيد واختاروا الشرك وعبادة الأصنام، ولكن هذه النماذج تعتبر أيضاً من مصاديقها البارزة.
وقال البعض الآخر: مثل الفخر الرازي والمرحوم الطبرسي في مجمع البيان، إنّ سبب النزول لهذه الآية ناظر لأهل مكّة الذين أعطاهم اللَّه تعالى أنواع النِعم وأهمها بعثة الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله من بين ظهرانيهم، ولكنهم لم يقدّروا تلك النعمة وكفروا بها، فأصبحت عاقبتهم أليمة، فكفرهم بنعمة الرسول صلى الله عليه و آله هو نفس كفرهم باللَّه والرسالة!
ولكننا نعلم أنّ شأن النزول لا يخصص مفهوم الآية بمورد خاص.
وتأتي«الآية السابعة»لتتحدث عن جماعة أنعم اللَّه تعالى عليهم بنعمة ظاهرة وباطنة، نعمة الأمان والرزق الكثير والنعم المعنوية والروحية التي نزلت عليهم بواسطة نبيّهم ولكنّهم كفروا تلك النعم فعاقبهم اللَّه تعالى بعقاب الجوع والخوف:
«وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ»
اختلف المفسّرون بأن هذه الآية هل تشير إلى مكان بالخصوص أم إنّها مثال عام كلي، فبعض يعتقد أنّها أرض مكّة، وتعبير «يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ ...»، يقوي ذلك الاحتمال، لأنّه ينطبق بالكامل على أحوال وشرائط مكّة، إذ هي أرض جافة وصحراء قاحلة غير ذات زرع وماء ولكن اللَّه سبحانه قد باركها وأنزل عليها النعم من كل مكان.
وتعبير «كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً» هو قرينة اخرى على أنّها مكّة، فأرض الحجاز غالباً ما كانت أرضاً غير آمنة إلّامكّة وذلك ببركة وجود الكعبة الشريفة.
وعندما وصلت النعم المادية على أهل مكّة إلى الذروة أتمها اللَّه تعالى ببعثة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله، ولكنّهم كفروا النعم الماديّة والمعنوية، فابتلاهم اللَّه تعالى بالقحط والخوف، وهذا هو مصير من كفر بأنعم اللَّه تعالى.
ومع ذلك فإنّ مفهوم الآية يمكن أن يكون أعم فيستوعب في مضمونه جميع من يكفر بالنعمة وأرض مكّة هي أحد مصاديق هذه الآية، حيث ورد في الروايات أن القحط والجوع أخذ منهم مأخذاً كبيراً بحيث كانوا يتغذّون على أجساد الموتى لسدّ جوعهم، وكذلك في الغزوات الإسلامية، حيث أضرّت بهم كثيراً.
«الآية الثامنة»من الآيات، تتطرق إلى قوم من أكفر الناس، وهم (قوم سبأ) حيث حباهم اللَّه تعالى: بأفضل النعم وأحسنها، ولكن غرورهم وغفلتهم واتباعهم لأهوائهم، أعماهم وأضلّهم، فكفروا، فأخذهم اللَّه بذنوبهم ومحق تلك النعم من أيديهم، فقال:
«لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ».
وقد ذكر المفسّرون أنّه على الرغم من أنّ أرض اليمن خصبة ولكن لفقدان الأنهار فيها، كانت أغلب أراضيها بائرة لا يستفاد منها، ففكر القوم ببناء سدّ يمنع السيول القادمة من الجبال، فبنوا عدّة سدود وأهمها (سد مأرب) حيث كان يقف أمام السيول بين جبلي بلق العظيمين، فتجتمع خلفه مياه كثيرة استطاعوا بواسطتها أن يزرعوا ويسقوا به جنائن وبساتين كثيرة قامت على طرفي السدّ، ونشأت حولها القرى وأصبحت مركزاً عظيماً للنشاط التجاري وتجمع الناس، فالقرى كانت متصلة ببعضها بحيث أن ظلال الأشجار كانت متصلة على طول الطريق ووفور تلك النعم كان مقترناً مع الأمان الاجتماعي والرفاه الاقتصادي، فكانت حياتهم هانئة جدّاً، اجتمعت فيها كل متطلبات الحياة آنذاك ومثل هذه الأجواء كان من شأنها أن تفضي لإطاعة اللَّه تعالى والتكامل الروحي.
ويستمر القرآن الكريم، فيقول إنّ النعم أصبحت كثيرة جدّاً ممّا حدى بهم لأنّ تتحرك فيهم عناصر الطغيان فنسوا ذكر اللَّه تعالى وأخذوا يتفاخرون ويقسّمون الناس إلى طبقات، ولكنهم بالتالي ذاقوا وبال أعمالهم فأرسل الباري تعالى عليهم سيل العرم:
«فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ