مدلول الكلام اللفظي المركب من الحروف المترتبة المتعاقبة. وهذا المعنى النفسي مغاير للعلم والإرادة والكراهة وسائر الصفات المشهورة.
وإعلم أن البحث في الكلام النفسي من حيث هو ليس من مسائل علم الكلام لجريانه في كلام غير الله تعالى أيضاً، ولذا تعرض له المحقق الطوسي (ره) في التجريد في مبحث المسموعات، نعم تندرج تحته مسألة كلامية لأن كلام الله من جزئيات موضوع هذه المسألة فتعرّض الأكثر له في علم الكلام باعتبار تعلقه به في الجملة كأكثر مباحث هذا الفن غير المختصة به.
ومحصّل النزاع فيه أن الأشاعرة زعموا إن الإنسان إذا تكلم بكلام خبَري فهنا أمور ثلاثة:
الأول:الألفاظ والأصوات المتقاطعة على حسب ما تقتضيه أوضاعها اللغوية من التقديم والتأخير، وهي تسمى بالكلام اللفظي الحسي.
الثاني:تصّور المتكلم لمضمونه وعلمه به.
الثالث:قيام مداليل الألفاظ في الخواطر، ونظمها على حسب انتظام الألفاظ، وهو المعنى الذي يجده في نفسه ويدور في خلده ولا يختلف باختلاف العبارات، ولا بحسب الأوضاع والاصطلاحات، ويقصد المتكلم حصوله في نفس السامع ليجري على موجبه، وهو مغاير لتصور معاني الألفاظ. والأول هو الكلام اللفظي والثالث هو الكلام النفسي ويسمى بالحديث النفسي والقلبي. وفسّره العضدي بالنسبة الثابتة بين المفردين القائمة بالنفس، وشارح التجريد بأنه مدلول الكلام اللفظي، والتفتازاني بما حاصله يرجع إلى الأول أعني التكلم القلبي الذي هو غير العلم
بمضمونه. وهكذا إذا تكلم بكلام إنشائي فههنا أيضاً أمور ثلاثة: الأول اللفظ والثاني الإرادة والثالث الطلب الذي هو مدلول الصيغة. فقد اثبت الأشاعرة أمراً ثالثاً غير العلم بالمضمون في الجمل الخبرية وسموه بالكلام النفسي، وغير الإرادة في الجمل الإنشائية وسموه بالطلب. وجعلوا هذا المعنى الثالث هو مدلول الكلام اللفظي، ولعلهم يقولون بالمعنى الثالث في سائر أقسام الكلام من الاستفهام والترجي والتمني ونحو ذلك فيقولون بوجود أمر ثالث غير الألفاظ وغير إرادة الفهم وإرادة الشيء المترقب أو المحال يسمى بالاستفهام والترجي والتمني والدعاء ونحو ذلك. وأستدلوا على ذلك بدليلين:
الدليل الأول:وهو مركب من مقدمات:
المقدمة الأولى:إن المتكلم من قام به الكلام ولو في محل آخر للقطع بأن موجد الحركة في جسم آخر لا يسمى متحركاً، وإلّا فلو فرض أن أحداً جعل شيئاً آخراً يتكلم لا يقال لذلك الأحد: أنه متكلم.
المقدمة الثانية:إن الكلام اللفظي أمر حادث لأن له ابتداء وانتهاء، وكل حرف آخر منه لا يوجد إلّا بعد عدم ما سبقه من الحروف فيكون حادثاً لأن الحادث ما كان مسبوقاً بالعدم، والمركب من الحادث يكون حادثاً.
المقدمة الثالثة:إن الحادث لا يمكن قيامه بذات الباري تعالى والإلزام أن يكون تعالى محلًا للحوادث، ويلزم ربط الحادث بالقديم.
المقدمة الرابعة:إن الله تعالى متكلم على سبيل الحقيقة لا على سبيل المجاز، فإذا عرفت ذلك فلابد من أن يكون قائماً في ذات الباري معنى
قديم يسمى بالكلام حقيقة، وهو غير علمه تعالى بمضمون الكلام لأن العلم ليس بكلام حقيقة، وإنما هو علم بالمعنى.
ويمكن المناقشة في هذا الدليل بمنع المقدمة الأولى بدعوى أن المشتق هو من تلبس بالمبدأ، ولكن التلبس يختلف فقد يكون بنحو القيام بالمبدأ كالآكل والشارب والقائم، وقد يكون بنحو الصدور منه وإن قام المبدأ بالغير كالضارب والقاتل فإن تلبسهما بالمبدأ وهو القتل والضرب بنحو الصدور منه وإلّا فالمبدأ قائم بالمقتول والمضروب، وهكذا المتكلم فإن الكلام إنما هو قائم بالهواء لأنه كيفية للهواء، فالتلبس به يكون بنحو الصدور منه وإن قام بالغير فالأخرس لو فرض أنه استطاع أن يوجد كلامه في آلة يسمى متكلم حقيقة.
ويمكن المناقشة أيضاً في المقدمة الرابعة بأن نقول: نسبة الكلام إليه تعالى على سبيل المجاز، فإن الخصم إذا أقام الدليل على عدم وجود معنى قديم قائم في ذات الله تعالى يكون مدلولًا للكلام اللفظي، وفرض إن صدق المشتق حقيقة على الشيء يستدعي قيام مبدئه به فيلتزم الخصم بأن صدق التكلم على الله تعالى بنحو المجاز، فإن المعنى الحقيقي إذا اصطدم بالدليل العقلي كان الدليل العقلي قرينة على إرادة أقرب المجازات من اللفظ.
الدليل الثاني:إن المخبر والآمر والناهي والمنادي وغير ذلك يجد في نفسه معاني يعبر عنها بالألفاظ التي نسميها بالكلام اللفظي، وتلك المعاني هي التي يقصد المتكلم حصولها للسامع وقد تسمى بالخواطر، وهي غير العلم بالمضمون في الجمل الخبرية، وغير الإرادة في الجمل
الإنشائية بدليل أن الأخبار الكاذبة من الجمل الخبرية الدالة على مضامينها مع إن العلم بالمضمون لم يكن موجوداً معها لأن المتكلم بها أما شاك أو عالم بالخلاف. فالجمل الخبرية لو كانت دالة على العلم بالمضمون للزم تخلف المدلول عن الدال ولكان نظير المجنون أو الغافل أو الساهي، فلابد من أن يكون المدلول لها معنى آخر غير العلم بالمضمون، وهكذا الأوامر والنواهي الامتحانية من الجمل الإنشائية الدالة على مضامينها مع أن إرادة مضمونها أو كراهته لم تكن موجودة معها، فلو كان مدلولها الإرادة أو الكراهة لزم تخلف المدلول عن الدال فيها ولكان الناطق بها نظير المجنون أو الساهي أو الغافل، فلابد من أن يكون المدلول لها غير الإرادة والكراهة.
ويمكن المناقشة فيه: إن هذا الدليل إنما يثبت أن علم المتكلم بالمضمون ليس مدلولًا للفظ، ولا يثبت وجود معنى في نفس المتكلم يكون مدلولًا للفظ، بل لعل مدلول اللفظ نفس المعاني في حد ذاتها، فإن الألفاظ كما حققناه تدل على نفس المعاني في حد ذاتها لا بقيد وجودها في الذهن. سلمنا أنها تدل على معنى آخر موجود في نفس المتكلم وقائم به ولكن من أين يعلم من هذا الدليل أنه يسمى بالكلام حقيقة؟ فلعله لا يسمى بالكلام كما لا يسمى العلم بالمضمون كلاماً حقيقة، ولا يسمى تصور المتكلم المضمون ولا قصد المتكلم أن يستعمل اللفظ فيه ولا إرادته للكلام كلاماً حقيقة. وقول الأخطل:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما
جعل اللسان على الفؤاد دليلًا
هو على ضرب من المجاز، فإن مراده القصد إلى الكلام أو مراده به الخواطر والهواجس وأحاديث الإنسان مع نفسه.
وذهبت الإمامية والمعتزلة قاطبة إلى عدم معقولية ذلك المعنى الثالث في الأخبار والإنشاء لعدم وجود شيء في نفس المتكلم غير تصور المعنى والألفاظ وقصد استعمالها فيها وإرادتها منها، وهي ليست تسمى بالكلام. وهذا هو النزاع المعروف في كتب الأصول من أن الطلب عين الإرادة أو غيره، فالإمامية يقولون أنه عينه، والأشاعرة يقولون أنه غيره، وقد عبروا عما اختلفوا فيه في الأخبار بلفظ الكلام النفسي، وعبروا عما اختلفوا فيه في الإنشاء بلفظ آخر وهو الطلب. والمراد بعدم المعقولية نفي ذلك المفهوم الثالث لاستلزام القول به أمراً غير معقول كاجتماع النقيضين وإن استلزم بعض ما يقتضي صريح العقل بخلافه في خصوص كلام الباري تعالى.
والحاصل أن صفة (المتكلم) لله تعالى على مذهب الأشاعرة صفة مستقلة مثل سائر الصفات. وعلى مذهب الإمامية تكون راجعة لصفة القدرة وعلى هذا فيكون لفظ (الكلام) عند الأشاعرة مشترك لفظي يستعمل في الكلام اللفظي والكلام النفسي وإن كان بعضهم أفرط في جعله حقيقة في النفسي مجازاً في اللفظي كما قال الشاعر:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما
جعل اللسان على الفؤاد دليلًا
وتفصيل المسألة مطلوب من مظّانه والغرض الإشارة الإجمالية إليها ليعرف الحال في ما أوردوه في المقام.
إذا تحقق ذلك فنقول: إن القول بالكلام النفسي على تقدير صحته وإن كان يندفع به اتحاد الدليل والمدلول لكنه ارتكاب لمحذور آخر أشار إليه المحقق القمي (ره) من خروج الكتاب حينئذ عن كونه دليلًا مصطلحاً، وهو الذي يتوصل به إلى مطلوب خبري نظراً إلى عدم كون الألفاظ برهاناً على مضامينها بل موجباً للانتقال إليها انتقالا تصوّرياً، قال المرحوم مرزا حبيب الله وتوضيح المقامأن السامع العارف بأوضاع اللغة إذا سمع من المتكلم كلاماً فله انتقالات ثلاثة:
أولها:الانتقال إلى مداليلها اللغوية فينتقل من قوله: زيد قائم إلى زيد وقيام وثبوته له انتقالًا تصورياً.
ثانيها:الالتفات إلى إرادة المتكلم بمدلول اللفظ من دون الإذعان بها نفياً وإثباتاً وهو أيضاً انتقال تصوري.
ثالثها:العلم بتلك الإرادة. ومن الواضح عدم اتصاف اللفظ بالدليلية المصطلحة بالنسبة إلى الانتقاليين الأوليين.
نعم يكون اللفظ متصفاً بالدليلية على الأخير لكن دلالته عليه ليست ناشئة من العلاقة الحاصلة من الوضع بل من ملازمته الاعتيادية الظنية إذ لولا جريان العادة وبناء أهل العرف على إرادة المعاني عند المتكلم بالألفاظ الموضوعة لما حصل العلم بها للعالم بأوضاع الألفاظ، ولذا لو كثر الكذب أو التجوّز بلا قرينة أو التورية في كلام شخص لما حصل العلم أو الظن بإرادته معنى اللفظ حين تكلّمه، ومع ذلك فهو أمر خارج عن مدلول اللفظ لأن اللفظ موضوع لنفس المعنى لا لإرادة المتكلم له. نعم هي الغرض الملحوظ في وضع الألفاظ، ومن هنا علم أن معنى تبعية
الدلالية الوضعية للإرادة ليس اعتبارها في نفس الموضوع له كما قد يزعمه بعض الفضلاء، فظهر مما ذكرنا أن اللفظ من حيث هو ولو مع العلم بالوضع وملاحظة العلاقة الوضعية ليس بموصل تصديقي إلى شيء ومع ملاحظة بعض الأمور الخارجية كجريان العادة فهو موصل ودليل مصطلح على شيء آخر غير مدلوله الخارجي أو الذهني القائم بالنفس عند الأشعري، وإنما هو بالنسبة إلى المدلول مطلقاً موصل تصوري. وهذا المحذور أشد من اتحاد الدليل والمدلول لعدم معقولية استناد مسائل العلم إلى ما يوجب مجرّد التصور والكشف التصوري كما ذكره القمي (ره).
وقد أجيب عن هذا المحذور أيضاً بوجهين:
الوجه الأول:ما أشار إليه بعض المحققين وحاصله: أن اللفظ ليس دليلًا مصطلحاً على الكلام النفسي لو فسرناه بمدلول الكلام اللفظي، وأما لو فسرناه بالمعنى القائم بالذات الأزلية كما هو الأظهر حيث يزعمون أنه من الصفات فاللفظ دليل عليه لأنه كما يدل على مدلوله الخارجي كذلك يدّل على انطباقه على ما في نفس المتكلم.
وفيه:
أولًا:أن الكلام النفسي ليس له إلّا تفسير واحد وهو المعنى الثالث الذي يزعمون أنه غير العلم في الكلام الخبري وغير الإرادة في الكلام الإنشائي كما لا يخفى على من لاحظ كلمات العارفين بالنزاع المعروف. وتفسير جماعة له بالمعنى القديم ليس في قبال تفسيره بمدلول الكلام اللفظي بل في تطبيقه على كلام الله.
والحاصل أن ذلك المعنى الثالث في كلام البشر عبارة عن النسبة بين المفردين القائمة بذهن المتكلم وفي كلام الله عن المعنى القائم بالذات الأزلية، فليس تفسيره به قسيماً لتفسيره بالمدلول بل قسماً له، والذي يفصح عن ذلك عموم نزاعهم لمطلق الكلام إذ لا يعقل العموم مع كون المتنازع فيه من خواص كلام الباري.
ثانياً:إن غاية ما يلزم من صحة هذا الكلام كون خصوص كلام الله دليلًا على الكلام النفسي لا السنة فضلًا عن مطلق الكلام، وهذا غير المدعى لأن قصر الحكم على الخاص دليل على عدم ثبوته للعام.
ثالثاً:إن ما ذكره في تقرير المدعى لو تم لتم على تقدير تفسيره بمدلول الكلام اللفظي أيضاً فيقال: إن اللفظ كما يدل على مدلوله اللغوي كذلك يدل على انطباق ذلك المدلول لما في نفس المتكلم (فزيد قائم) مثلًا يدل دلالة تصورية على مدلوله اللغوي أعني ثبوت القيام لزيد ويدل أيضاً دلالة تصديقية على مطابقة هذا المدلول لما في نفس المتكلم.
وحاصله أن الصورة الحاصلة في ذهن المتكلم ليست هي النسبة السلبية أو ثبوت القيام لغير زيد مثلًا بل هي النسبة الثبوتية المدلول عليها بقوله (زيد قائم) فيلزم استدراك ما زعمه من البناء ولغوية توسيط ما مهّده من المقدمة.
رابعاً:إن دلالة اللفظ على انطباق مدلوله الخارجي لما في نفس المتكلم عبارة أخرى عن دلالته على إرادة المتكلم لمدلول اللفظ، وقد عرفت أن هذا ليس دلالة نفس المدلول بل على شيء آخر ومع ذلك فمنشؤها أمر خارج عن حاق اللفظ كما عرفت.