إنه قال: ومنها الحكم على الوصف بكونه مانعاً، وهو ينقسم إلى ما هو مانع للحكم، وإلى ما هو مانع السبب. أما المانع للحكم فهو ما استلزم حكمة تقتضي نقيض الحكم كالأبوة في القصاص، فإن كون الأب سبباً لوجود الابن يقتضي أن لا يصير الابن سبباً لعدمه، أما المانع للسبب فهو ما يستلزم حكمة يخل بحكمة السبب كالدين في الزكاة، فإن حكمة السبب وهو الغنى مواساة الفقراء من فضل ماله ولم يدع الدين في المال فضلًا يواسي به. وفيالنهايةالمانع من الأمور الإضافية التي لا تعقل إلّا بالقياس إلى غيرها، وإنما تضاف إلى ما تقتضي شيئاً فيكون مانعاً لذلك عن الاقتضاء، ولمّا كان الاقتضاء متعلقاً بالسبب والحكم الذي هو معلوله كان المانع منقسماً إلى أمرين:
الأمر الأول:مانع السبب وهو كل وصف مخل وجوده بحكمة السبب كالدين في باب الزكاة مع ملك النصاب.
الأمر الثاني:مانع للحكم وهو كل وصف وجودي ظاهر منضبط يقتضي نقيض حكم السبب مع بقاء حكمة السبب كالأبوّة في القصاص مع قتل العمد والعدوان. وفي المحكي عنالمنيةإنه لا معنى لكون الدلوك سبباً للصلاة إلّا وجوب الصلاة عنده، ولا معنى لكون الطهارة شرطاً لها إلّا وجوب إيقاع الصلاة مع الاتصاف بها، ولا معنى لكون النجاسة مانعة للصلاة إلّا تحريم الصلاة معها.
الجزئية
منها الجزئية كالقراءة بالنسبة إلى الصلاة، وهي كون الشيء مقوماً لما تركب منه ويسمى المركب منه كلًا.
الركنية
ومنها الركنية وقد اختلفت عبارات الأصحاب في تفسير الركن في الصلاة وما يترتب عليه إلّا إن المشهور فيما بينهم هو الفعل الذي لو أخل به المصلّي عامداً أو ساهياً ثم ذكره بطلت صلاته، وفيالمختلفقسمابن أبي عقيلأفعال الصلاة إلى فرض: وهو ما إذا أخل به عمداً أو سهواً بطلت صلاته، وإلى سنة وهو: ما إذا أخل به بطلت صلاته، وإلى فضيلة وهو: ما لا يبطل الصلاة بالإخلال به أو مطلقاً. وفيالتنقيحالمراد بالجزء ما يكون داخلًا في ماهية الشيء، ويسمى ركناً أيضاً باصطلاح الأصوليين، ثم الجزء باصطلاح الفقهاء، أما أن يبطل الصلاة بتركه عمداً أو سهواً أو لا، والأول يسمى عندهم ركناً ومالا يكون كذلك فسمّوه بالفعل. وفيالمهذب البارع:إعلم أن الفقهاء استقرءوا أفعال الصلاة فوجدوا منها أفعالًا تبطل الصلاة بتركها عمداً أو سهواً وزيادتها كذلك فسموها الركن، وركن الشيء هو جانبه الأقوى ومنه ركن البيت والحائط. قالالطبرسي: الركن معتمد البناء بعد الأساس ومالا يكون كذلك فسموه بالفعل. وفيجامع المقاصد: الركن في اللغة هو الجزء الأقوى. وعند الفقهاء كذلك إلّا إن الركن في الصلاة عند أصحابنا هو ما يبطل زيادته أو نقصه عمداً أو سهواً. وفيالروضتكبيرة الإحرام ركن فتبطل بتركها عمداً أو سهواً وكذا بزيادتها، وفيالألفيةالركن ما تبطل الصلاة بزيادته ونقيصته عمداً أو سهواً ثم قال: وكما تبطل الصلاة بنقصان أحد الخمسة تبطل بزيادته كما هي قاعدة الركن، وقد استثنى من هذه أمور عشرة. وفيشرح الاثنى عشرية-لبعض الفضلاء- إعلم أن بعض أصحابنا قسمّوا أفعال الصلاة قسمين: منه ما
يبطل الصلاة بتركه عمداً وسهواً وكذا بزيادته ويسمى ذلك القسم ركناً، والقسم الآخر واجباً غير ركن لا تبطل بالإخلال به إلّا عمداً. وفي بعضشروح الجعفرية: وجزء الشيء مطلقاً يسمى ركناً عند الأصوليين والفقهاء جعلوا الجزء على قسمين:
أحدهما:ما تبطل الصلاة بتركه عمداً أو سهواً وهذا القسم عندهم يسمّى ركناً، ومالا يكون كذلك سمّوه فعلًا غير ركن. وفيالرياض: والمراد بالركن ما يلتئم منه الماهية مع بطلان الصلاة بتركه عمداً وسهواً كالركوع والسجود، وربّما قيد بالأمور الوجودية المتلاحقة ليخرج التروك كترك الحدث فإنها لا تعد أركانا عندهم، ويمكن أن يكون المراد بالركن ما تبطل الصلاة بتركه مطلقاً فيكون أعم من الشرط ولكنه بعيد وخلاف المصطلح عليه بينهم.
الصحة والفساد
ومنها الصحة والفساد وهما عبارة عن العدم والملكة، فإن الفساد عدم الصحة عما من شأنه أن يكون صحيحاً، ولذا يشترط في المتصف بهما إمكان وقوعه على الوجهين وأن يكون قدراً مشتركاً بينهما وإلّا لم يصّح الاتصاف بهما وذلك واضح.
وقد عرفت الصحة بما لا عيب فيه، وهو تعريف بالاسم أو الرسم لأن الصحة أمر وجودي فلا يعرف بالعدمي والأصح تعريفها بتمامية الشيء وكماله واستجماعه للأجزاء والشرائط المعتبرة فيه وخلوه عن الموانع التي تنافيه.
والفساد كونه على خلاف ذلك. والتحقيق إن هذا المعنى لهما هو المعنى اللغوي لهما للتبادر وصحة السلب والاطراد. ولم يثبت لهما
اصطلاح جديد لأصالة عدم النقل. فالصحيح والفساد في مسألة الصحيح والأعم، ومسألة اجتماع الأمر والنهي، ومسألة النهي في العبادات والمعاملات، ومسألة حمل فعل المسلم على الصحة، ونظائرها من المسائل قد استعملا في ذلك المعنى اللغوي، وتعبير بعضهم بأنهما في الاصطلاح كذا من الاشتباه. وبهذا يظهر لك إن اختلافهم في الصحة والفساد ليس بحسب معناهما بل بحسب أفرادهما المتحققة في بعض الموارد فإن المتصف بهما قد يكون عبادة وهو ما يتوقف على النية وقصد القربة كالصلاة وهو قد يكون بأصل الشرع كالمثال المذكور، وقد يكون بالعرض كالمباحات التي تصير عبادة بالعرض، والمراد باتصاف العبادة بالفساد اتصاف ما لو صحَّ لكان عبادة به لا اتصاف نفس المأمور به فإن ذلك محال، وقد يكون المتصف بهما معاملة وهي ما لا يتوقف على النية في ترتب الأثر الشرعي فيه سواء توقف على طرفين وهو العقود أم اكتفي فيه بواحد وهو الإيقاع.
والحاصل إن اختلاف القوم في معنى الصحة والفساد باعتبار اختلافهم في حقيقة أفرادهما وبيانهم لهما في كل مورد بمعنى غير الآخر باعتبار بيان للفرد الموجود منهما في ذلك المورد وأشتبه الأمر على غيرهم، فتخيل إن ذلك بيان لمصطلحهم في هذا المورد من باب اشتباه الفرد بكليه. ولا بأس بنقل اختلافهم فنقول فيالتهذيب الصحيح: هو ما وافق الشريعة سواء أسقط القضاء أم لا، وهو تفسير المتكلمين له. وعند الفقهاء ما أسقط القضاء وصرح فيالمنية والزبدةبأن ثمرة الخلاف تظهر في الصلاة بظن الطهارة إذا ظهر خلافه، وزاد فيالمنيةفقال: أنها
صحيحة على التقدير الأول لكونها موافقة للشريعة من حيث هو متعبد بظنه، فالقضاء وجب بأمر جديد، وباطلة على الثاني لعدم إسقاطها القضاء. ثم قال فيالنهايةوليس بجيّد فإنك إن أردت بكونه مأموراً في نفس الأمر فيمنع ذلك وإن أردت ظاهراً فيمنع كون الصحة ذلك.
ويشكل على الفقهاء أيضاً بما لا قضاء له من العبادات كصلاة العيد الجامعة للشرائط مع إنه لا قضاء لها، وهكذا أغلب المندوبات فلا يكون التعريف جامعاً وبماله قضاء من العبادات مع صحته كصلاة فاقد الطهور.
واختلفت العبارات من المتكلمين والفقهاء في تفسير الصحيح في العقود والمعاملات إلّا إنه ترجع إلى معنى واحد، وهو عبارة عن ترتب الأثر فيه وحصول الغاية منه ففيالتهذيبالصحيح في العقود ما ترتب أثر السبب فيه. وفيالنهايةوالمبادئوشرحهوالمنيةالصحيح في المعاملات ما ترتب أثره فيه قال فيالمنية: أي حصلت منه غايته والغرض المقصود منه كالبيع مثلًا فإن غايته انتقال المبيع إلى المشتري والثمن إلى البائع فما أفاد ذلك فهو الصحيح. وفيالنهايةلو فسّرت الصحة في العبادات بذلك أمكن، ولو فسّرت صحة العقد بأذن الشارع في الانتفاع بالمعقود عليه أمكن. وفيالزبدةإن صحيح العقود والإيقاعات ما ترتب عليه أثره الشرعي، وإنه لو عُرّف مطلق الصحيح بذلك لجاز كما نبه على ذلكالعلامةفيالنهايةوالبيضاويفيالمنهاجونسبللتفتازانيفيشرح المختصرإنه قال: أما الصحة في المعاملات فترتب الأثر المطلوب منها عليها.
واعلم أن البطلان والفساد في العبادات والمعاملات يقابل صحيحها بأي معنى فسّر كما صرّح غير واحد من العلماء فهو في العبادات بتفسير المتكلمين ما لم يوافق الشريعة، وبتفسير الفقهاء ما لم يسقط القضاء. وفي العقود ما لم يترتب أثره أي الغرض المطلوب منه، وهل البطلان والفساد مترادفان أو لا؟ صرّح بالأول فيالتهذيبوالزبدةونسبه فيالمنيةللمشهور وحكي عن الحنفية الثاني. فقالوا: إنهم جعلوا الفساد ما كان مشروعاً بأصله دون وصفه كالربا فإنه مشروع من حيث إنه بيع وغير مشروع من حيث الزيادة حتى إنه لو صرحت الزيادة صح ولم يحتج إلى تجديد عقد. والباطل ما ليس مشروعاً بأصله ولا وصفه كبيع الحصى.
ثم إنه على القول بجعل الأحكام الوضعية فهل الصحة والفساد أمران مجعولان للشارع أم إنهما أمران عقليان انتزاعيان ينتزعهما العقل من الحكم الشرعي؟ لا ريب إنهما في العبادات بالنسبة لأمر متعلقهما عقليان، لأن الصحة عند المتكلمين موافقة المأتي به للمأمور به بمعنى إن كلّي المأمور به منطبق على ما أتى به انطباق الكلّي على فرده، ولا شك
أن انطباق الكلي على فرده عقلي قهري غير قابل للجعل. وأما عند الفقهاء فكذلك لأن الصحة عندهم إسقاط القضاء والقضاء تدارك ما فات فإذا أتى المكَلف بالفعل مستجمعاً للشرائط والأجزاء لم يفت منه شيء فيحكم العقل بسقوط القضاء لعدم تحقق موضوعه وهو الفوت. نعم قد يقال بأن الصحة مجعولة كما في جعل الشارع صحة فعل العبادة لمن نسي جزء ليس بركن، وكما في جعل الشارع الصحة لمن جهل الإخفات فأجهر وبالعكس أو نسي القصر فأتم، وكذا مجعولة في
المعاملات لأن مرجع الصحة فيها إلى ترتب الأثر عند الشارع عليها وهو إنما يتصور إذا جعل الشارع ذلك للمعاملة تشريعاً أو إمضاء.
الأداء والإعادة والقضاء
ومنها الأداء والإعادة والقضاء، وقد تضمن جملة من الكتب لبيانها ففيالتهذيبوالمنيةالواجب إن أتي به في وقته سمّي الإتيان به أداء، وإن كان بعد وقته المضيق أو الواسع سمّي قضاء، وإن فعل ثانياً في وقته لوقوع الأول على نوع من الخلل سمّي إعادة. وفيالمبادئالأداء ما فعل في وقته، والإعادة ما فعل ثانياً لوقوع خلل في الأول، والقضاء فعل الفائت في غير وقته المحدود. وفيالنهايةأعلم إن العبادة قد توصف بالقضاء والأداء والإعادة، وذلك لأنها إذا كانت موقته فخرج الوقت ولم يفعلها المكلف فيه بل في خارجه سواء أكان مضيّقاً أم متسعاً سمي قضاءً، وإن فعلها فيه سمي أداءً، وإن فعلت على نوع من الخلل ثم فعل ثانياً في الوقت المضروب لها سمي إعادة، ولا استبعاد في اجتماع الإعادة والقضاء في فعل واحد إذ لم يلحظ في الإعادة الفعل في الوقت، ولا في اجتماع الإعادة والأداء إذا لم يلحظ في الأداء الأولية. فحينئذ يبقى التناسب بين الإعادة وبين كل من الأداء والقضاء بالعموم من وجه. وفيالزبدةالواجب إن فعل في وقته المقدر أولًا فأداء، وثانياً لتدارك بعض فإعادة، أو بعده بأمر جديد فقضاء أو قبله بإذن فتقديم وكذا المستحب. وفيالمختصروشرحهالأداء ما فعل في وقته المقدر له شرعاً أولًا، والقضاء ما فعله بعد وقت الأداء استدراكاً لما سبق له وجوب مطلق أخّره عمداً أو سهواً تمكن من فعله كالمسافر، أو لم يتمكن لمانع من
الوجوب شرعاً كالحائض، أو عقلًا كالنائم، ثم قالا: والإعادة ما فعل في وقت الأداء ولو ثانياً لخلل وقيل لعذر.
وفيالأحكام(اتفقوا على أن الواجب إذا لم يفعل في وقته المقدر وفعل بعده أن يكون قضاء سواء تركه في وقته عمداً أم سهواً) وهل يتوقف القضاء على تعلق وجوب الأداء في الذمة؟ فلا يكفي مجرّد درك سبب وجوب الأداء وهو الوقت، فلا يجب القضاء على من ترك الأداء بالاغماء المستوعب للوقت أو بالجنون كذلك أو نحو ذلك وإن ورد الأمر بقضاء كل فائت ولكن هذا على تقدير إرادة المعنى المصطلح عليه بين الأصوليين لا المعنى اللغوي أو لا يتوقف على ذلك بل يكفي مجرّد درك سبب وجوب الأداء وإن لم يجب عليه الأداء في شيء من أجزاء الوقت فيجب الحكم بلزوم القضاء على تقدير ورود عموم الأمر بقضاء الفائت، وكون المراد المعنى المصطلح عليه فيه إشكال وصار إلى الثاني في محكيالتهذيبوالمنيةفقالا: (القضاء إنما يثبت عند وجود سبب وجوب الأداء مع عدم الأداء أما مع وجوبه وتركه كتارك الصلاة حتى يخرج الوقت أو عدم الوجوب لأمتناعه عقلًا كالنائم أو شرعاً أو اختياراً كالمسافر إذا علم القدوم قبل الزوال): وفيالنهايةالفعل إنما يسمى قضاء إذا ثبت وجوب الأداء ولم يفعل أو يثبت سببه، فالأول كمن ترك الصلاة عمداً حتى خرج وقتها ثم أدّاها، والثاني أما أن يكون المكلف لا يصح منه الأداء عقلًا كالنائم والمغمى عليه، أو شرعاً كالحائض، أو يصح لكن المقتضى للسقوط جاء من جهة كالمسافر إذ علم إنه يصل قبل الزوال فإن السفر منه قد أسقط وجوب الصوم ويصح منه أو من قبله