يسمى رخصة. واستقر به بعض الفضلاء، ولو أردنا تعريف الرخصة مطلقاً بحيث يتناول الفعل والترك قلنا: الرخصة ما أبيح للمكلف مع قيام ما يقتضي المنع منه.
المقام الثالث:في بيان الرخصة.
قد تجب كالتناول للمضطر فإن استبقاء المهجة وحفظ النفس واجب، ولا تجب ككلمة الكفر للتقية. وفيالمنيةالرخصة إلى الوجوب كتناول الميتة عن خوف الهلاك، وقد تكون تركاً كالصوم واسقاط الركعتين من الصلاة الرباعية في السفر.
التحقيق في الأحكام الوضعية
ولا بأس بصرف العنان في تحقيق المقام في شرح الحكم الوضعي، وبيان موضع النزاع في جعله وأقسامه وما يتعلق بذلك من مطالب شريفة ومسائل منيفة تنكشف بها الحقائق العلمية والآراء الفقهية فإنه من المقامات العويصة التي أدعى كل من المتخاصمين بداهة ما ذهب إليه وضرورة ما جاء به. وبيان ذلك يستدعي رسم أمور:
الأمر الأول:إنه لا ينبغي له التأمل في أن الحكم من مقولة الإنشاء الذي عبارة عن الجعل والإيجاد له وجود وتحقق في عالم الذهن، كما أنه يتحقق في الخارج بواسطة اللفظ الدال عليه ونحوه حسبما هو الحال في الأخبار، وليس هو كمفهوم الإمكان والامتناع ونحوهما المنتزع من ملاحظة الموجودات والمعدومات، ولا هو كأنياب الأغوال من كونه مجرد وهم وخيال. وقد يستفاد من تعريف بعضهم له: بأنه عبارة عن طلب الشارع من المكلف الفعل أو الترك مع استحقاق الذم على مخالفته ومن
دونه أو تسوية بينهما لوصف مقتضي لذلك، كما فيالزبدةخروج الأحكام الوضعية عن موضوع الحكم ضرورة عدم كون الوضعي طلباً، وعليه فيسقط النزاع في هذه المسألة فإن النزاع إنما يتصور بعد تسليم كونه حكماً إلّا أن يقال أن الغرض منه تعريف خصوص الطلب من الأحكام أو أن المعرفين بذلك ممن يرون اختصاص الجعل بالطلبي ورجوع الوضعي إليه، والظاهر هو الثاني فإن من المعرفين شيخناالبهائيوقد صرح بعد ذلك بأن الوضعي ليس حكماً بل مستلزماً له. نعم تعريف الحكم بالقضايا أو بالنسب الجزئية أو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين كما عنالغزالييعم الحكم للطلبي والوضعي جميعاً فإن كل منها خطاب ونسب وقضايا يتضمنها الأدلة، واصرح منها في الشمول ما عن بعض الأفاضل من تعريفه: بإنه ما حكم به الشارع وهو تكليفي كالوجوب والحرمة ووضعي كالسببية والشرائط، والمراد بالوجوب ما يستحق فاعله الثواب، وبالحرمة ما يستحق فاعلها العقاب، والوضعي ما يترتب عليه حكم بالواسطة. ولا يخفى عليه أن هذا منه تعريف بالاسم بمعنى أن الغرض منه الامتياز عن الحكم العقلي والعرفي كما يقال الحكم العقلي ما حكم به العقل فلا يتوجه عليه الدور. نعم يتجه عليه أولًا أن ما حكم به الشارع ليس حكماً بل هو محكوم به إذ الحكم من مقولة الإنشاء كما مر وهو قائم بنفس الحاكم فلا ربط له بالمحمولات المنتسبة كالوجوب أو الحرمة المنتسبة إلى متعلقهما، فإن تلك المحمولات صفة قائمة بالفعل حاصلة من الإيجاب والتحريم ولا ربط لها بالحكم أصلًا، وتعبير الفقهاء عنها بالحكم مبني على التسامح باعتبار كونها من لوازمه.
والتكليف بأن المراد منه الإيجاب يدفعه أن الإيجاب ليس مما حكم به الشارع أعني المحمول المنتسب، بل هو عبارة عن نفس الإنشاء القائم بذات المنشيء.
وكيف كان فربما يتخيل أن أصل النزاع في المسألة في حصر الحكم الشرعي في التكليفي خاصة وعدم الحصر، فمن عرف الحكم بالأول وهو التعريف الذي حكيناه عنالزبدةرأى الحصر فيه وأنكر وجود الحكم الوضعي رأساً ولو وجوداً انتزاعياً، ومن عرّفه بسائر التعاريف ذهب إلى أنه على قسمين: تكليفي ووضعي ولا نظر عند الفريقين إلى المجعولية والعدم، وضعّفه الأستاذ الشيخ كاظم الش- يرازي فإنه من الواضح الذي لا يعتريه ريب عدم الحصر، وإن الخطابات الشرعية كتاباً وسنة كما تشتمل على بيان التكليفات كذلك تتضمن بيان الوضعيات فإنكار ثبوت الحكم الوضعي بهذا المعنى وإن الحكم الوضعي ليس من مداليل الخطاب-- ات مما لا ينبغي صدوره عمن له أدنى مسكة.
ودعوى أن إخراج ذلك عن محل النزاع حسبما ذكر يوجب لغوية النزاع بين الأشاعرة والمعتزلة في ثبوت الأحكام الوضعية عند المعتزلة والعدم عن الأشاعرة وصدور مثله عن مثلهم بعيد جداً.
مدفوعة بأنه لم يصدر منهم عنوان البحث في ذلك بمعنى أنه لم يعنون أحد منهم هذه المسألة حتى يلزم لغوية العنوان المذكور وانتفاء الفائدة في البحث عنها، بل يستفاد ذلك الاختلاف من كلماتهم عند إيراد النقض والابرام على تعريفهم الحكم بأنه خطب الله تعالى ... إلى أخره، حيث أورد عليه بعضهم بأنه ينتقض عكساً بالأحكام الوضعية
فإنها مما لا تعلق لها بأفعال المكلفين مع أنها أيضاً خطاب الله، فدفعه بعضهم بأن المراد مطلق التعلق ولو كان بعيداً فيشمل الوضعيات فإن لها تعلقاً بالأفعال بالواسطة، وآخر بأن زاد قيداً والوضع، وثالث بأن خروجها غير قادح فإن الوضعيات ليست من الأحكام بالمعنى المصطلح التي يكون التعريف مسوقاً لبيانها، فنزاعهم حينئذ ناظر إلى تعيين المعنى المصطلح عليه عندهم للحكم الشرعي وتحقيق أصل الاصطلاح لا إلى حصر الحكم في التكليفات والعدم. وبالجملة فغرضهم في هذه الكلمات هو المشي على ما عليه ديدنهم من حفظ الحدود عن النقض عكساً وطرداً حتى ينطبق على المحدود تمام الانطباق، ولا نظر لهم إلى الحصر المذكور والعدم، كيف وقد عرفت أن تضمن الخطابات الشرعية للوضعي حسب تضمنها للطلبي مما لا يقبل الانكار فكيف يتعقل نزاع الفحول من المحققين في ذلك بل النزاع في أمر آخر سنشير إليه.
الأمر الثاني:إن الجعل في الشرعيات مساوق للخلق في التكوينيات وإن كان الجعل يطلق على ما في التكوينيات أيضاً كما في قوله تعالى:
[جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا] وغير ذلك من الآيات والأخبار، وليس الجعل والخلق إلّا عبارة عن الإنشاء والإيجاد الذي هو من أوصاف المنشيء والموجِد. وهذا الإنشاء والجعل إن تعلق بالتكوينيات والموجودات الخارجية فالتغاير بينه وبين متعلقه حقيقي، والإضافة في مثله تكون لامية فإنشاء زيد وإيجاده مغاير لزيد بالبديهة، وهذا نظير قول القائل: أولدت زيداً، فإنه يفيد تعلق التوليد بزيد والمغايرة بينهما واضحة بديهية، وإن تعلق بالأمور القائمة بالنفس كالطلب والحكم والبيع ونحو ذلك فالإضافة لامية بنحو الحقيقة وتكون بيانه بنحو من المجاز المستحسن
حيث لا مغايرة بين الإنشاء حينئذ والمنشأ خارجاً وإنما المغايرة بالاعتبار فإنشاء الحكم والطلب والبيع ونحو ذلك عين هذه الأشياء ولا مغايرة بينهما إلّا بالاعتبار كما في الإيجاد والوجود والإيجاب والوجوب، فإن الإيجاد ليس مفهوماً مغايراً للوجود الواقع في الخارج على الموجود إلّا باعتبار فمن حيث قيامه بالموجِد يسمى إيجاداً، ومن حيث وقوعه في الخارج يسمى وجوداً، وعلى هذا فإنشاء الحكم الشرعي عين الحكم خارجاً ويختلفان بالاعتبار لما عرفت من أنه من قبيل القسم الثاني لا الأول وما يلازمه من الطلبية والمطلوبية والزجرية والبعثية ونحوها أموراً اعتبارية لا تأصُّل لها.
والحاصل أنه عند إنشاء الحكم الشرعي يعقد القلب على الإلزام بالعمل أو الإلزام بتركه أو عدم الإلزام بهما ثم يأتي بالكاشف عنه لينشأ به فيكون موجوداً بالوجود الإنشائي.
الأمر الثالث: قد وقع الخلاف بين الحكماء في أن لوازم الماهيات كحلاوة الحلويات وحرارة النار وضوئها وحرارة السم وإهلاكها هل هي مجعولات بجعل مغاير لمحلها أو منجعلة بجعلها؟ وهذه المسألة هي أصل مبني القول بالجبر والعدم، فالأشاعرة على أنها مجعولة بجعل مغاير واستدلوا عليه بقوله تعالى: [جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا] [وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا]. والمعتزلة على أنها منجعلة بجعل محالها، كما أشار إليه الشيخ الرئيس بقوله: (ما جعل الله المشمش مشمشاً بل أوجده)، وقالوا إن الشرور الصادرة من المكلفين ليست مجعولة بل المجعول هو الوجود وليس هو إلّا خيراً محضاً، وأما الشر فهو ليس مجعولًا صرف، وإلى ذلك أشار الفيلسوف السبزواري بقوله:
والشر إعدام وكم قد ضلَّ من
يقول باليزدانِ ثم الأهرمن
ثم إلّا هو من ولكن ظاهر كلام المعتزلة إنكار الجعل رأساً حتى تبعاً وإلّا لم يندفع إشكال مسألة الجبر وخلق الشرور فتأمل. وعلى هذا فالسببية والشرطية والمانعية وأمثال ذلك تكون من قبيل لوازم الماهية في عدم تأصّل لها كالطالبية والمطلوبية ونحوهما، وليست بهذا الاعتبار من مقولة الإنشاء القائم بنفس المنشيء بل تكون من العوارض الطارئة على جعل ذات الشيء سبباً أو شرطاً أو نحوهما، فالحكم الوضعي بهذا الاعتبار لا يمكن أن يكون محلًا للنزاع لبديهة كون السببية من التوابع واللوازم المنجعلة بجعل ملزوم آخر حسبما كان الوجوب والحرمة مثلًا من التوابع واللوازم المنجعلة بجعل نفس الحكم وإنشائه كما عرفت في الأمر الأول والثاني، كما لا يمكن إنكار ثبوته بهذا المعنى بل النزاع في مجعوليته بأحد المعنيين:
أحدهما:ما حكي تحريره عن السيدالكاظميفيمحصولهحيث قال ما حاصله: أن النزاع ليس في جعل السبب فإن جعل السبب كجعل الحكم من الإنشاءات القائمة بنفس المنشيء فلا يليق كون ذلك منشأ للنزاع بل النزاع في سببية السبب من أنها مجعولة بجعل الحكم ومن لوازمه كالطلبية والمطلوبية أومجعولة بجعل آخر وإن كانت من لوازم شيء آخر. ويستفاد من ذلك أنه بعد تسليم كون السببية والشرطية ونحوهما من التوابع واللوازم لشيء آخر يكون النزاع في منشأ انتزاعها بمعنى أن المنكرين يزعمون إنها منتزعة من الأحكام التكليفية وأنه لا منشأ لانتزاعها غيرها، والمثبتين يدعون وجود منشأ انتزاع خاص لها
مغاير للأحكام التكليفية، وإنه كما كان الحكم التكليفي أعني الوجوب مثلًا أمراً اعتبارياً قائماً بالفعل منتزعاً من الإنشاء القائم بنفس المنشيء أعني الإيجاب، فكذلك السببية أمر اعتباري قائم بالفعل منتزع من إنشاء خاص مغاير لإنشاء الحكم التكليفي كإنشاء السبب والعقلة بين السبب والمسبب، فيرجع النزاع إلى تشخيص منشأ الانتزاع فالتعبير عنه بجعل السببية مبني على نوع من التسامح، وحاصله أن الوضعيات المعروفة هل هي من لوازم الأحكام التكليفية؟ بمعنى أنه إذا قال الشارع (أقم الصلاة لدلوك الشمس) هل يكون لهذا الخطاب لازمان وتابعان وجوب الصلاة وسببية الدلوك له أم لا؟ بل السببية مجعولة بجعل أمر آخر غير هذا الخطاب بأن يقول جعلت الدلوك سبباً للوجوب، وبتقرير آخر إن النزاع في كون السببية مثلًا منجعلة بجعل الحكم التكليفي وتكون من لوازمه كالوجوب والمطلوبية، أو بجعل أمر آخر ومن لوازم مجعول آخر وراء الحكم التكليفي، وإلّا فلا إشكال في كون السببية كالوجوب والمطلوبية من الأمور الاعتبارية غير المتأصلة المنتزعة من جعل ملزوماتها، ولكن لا يخفى ما فيه من البعد بل الأولى هو التحرير على الوجه الثاني وهو أن يقال إن النزاع في أنه هل صدر من الشارع إنشاء جعل السبب والشرط وسائر الوضعيات كما صدر منه إنشاء الأحكام التكليفية أم لا؟ بل ينحصر إنشائه في الأحكام التكليفية فقط ومرجع ذلك إلى النزاع في كمية الإنشاءات الصادرة المختلفة في النوع وإن الإنشاء القائم بنفس الشارع بل كل منشئ هل هو مقصور في إنشاء الحكم خاصة أو له إنشاء آخر مغاير لإنشاء الحكم وفي عرضه كإنشاء التمني والترجي الذي هو في
عرض إنشاء الحكم؟ ويعبر عن هذا الإنشاء المغاير بالسببية والشرطية والمانعية وإضراب ذلك، ولا ريب أن مثل ذلك النزاع أمر معقول يترتب عليه الثمر كما سنشير إليه. والحاصل أن هناك نقاط معلومة غير قابلة للإنكار:
أحدها:مجعولية الحكم التكليفي، ويدل عليه بعد الاتفاق ظاهراً. ووضوح ذلك فيه عند العرف والعقّلاء كافة أن الأحكام التكليفية ليس إلّا إنشاءات صادرة عن الشارع كما أشرنا إليه، فالأربعة منها عبارة عن الطلب، والطلب عبارة عن الإرادة التصديقية إذ هي غير التصور، كما أن الأول يزيد عليه بالتصديق، ومن المعلوم إنفكاك الثاني عنه إذ ليس كل ما يراد بالإرادة التصورية أن يراد بالإرادة التصديقية لما نرى في أنفسنا من أنا نريد بعض الأشياء ولا نطلبه في الخارج، ومن المعلوم أن التصديق لا يحصل إلّا بالإنشاء. ومن هنا ذهبت الأشاعرة إلى القول بثبوت الكلام النفسي بجعله عبارة عن الإرادة التصورية وجعل الخطاب اللفظي عبارة عن الإرادة التصديقية نظراً إلى إمكان التفكيك بينهما بأن يوجد الإرادة التصديقية على خلاف الإرادة التصورية بأن يطلب شيئاً لم يرد إيجاده، كما نشاهد في أنفسنا من صحة أن يقال: أشرب ذلك الماء ولم نرد وقوع الشرب في الخارج، فلو لم يثبت كلام نفسي كيف يتحقق طلب ما ليس بمراد؟ وإن كان يمكن دفعه في الأخبار بأنه مركب من تصورات ثلاثة: تصور المحكوم، وتصور المحكوم عليه، وتصور النسبة الحكمية، وتصديق واحد وهو الإذعان بتلك النسبة إيقاعاً أو انتزاعاً. وقد عرفت بأن الإرادة التصورية عارية عن التصديق والأخبار لا